Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

العراق على وقع طبول الحرب الأهلية

الآن وصلت كل الأطراف المتنافسة على السلطة إلى طريق الافتراق لا التوافق جراء تقاطع المصالح الحاد

اقتحم العشرات من أنصار رجل الدين القوي مقتدى الصدر القصر الجمهوري في المنطقة الخضراء المحصنة (أ ف ب)

أخيراً أعلن زعيم "التيار الصدري" مقتدى الصدر اعتزاله العمل السياسي وغلق المؤسسات التابعة للتيار، مستثنياً ما وصفه بـ"المرقد الشريف" و"المتحف الشريف" و"هيئة تراث آل الصدر"، ومؤكداً أن "الكل في حل مني"، مع دعوة أتباعه "للترحم على روحه إن مات أو قتل".

يأتي ذلك عقب استقالة مرجعه السيد كاظم الحائري، الذي وصفه بأنه من القيادات التاريخية التي رافقت والده محمد محمد الصدر.

وحال استقالته خرجت الآلاف من أتباع "التيار الصدري" متوجهة لاقتحام المنطقة الخضراء، التي أغلقتها الحكومة و"العمليات المشتركة" خشية الهجوم على بيوت السياسيين هناك، وأبرزهم نوري المالكي الذي يتخذ من أحد قصور صدام مقراً له، وكذلك مقار الرئاسات الأربع في البلاد.

بهذا باتت نذر الحرب الأهلية وشيكة في العراق بعد أن وصلت كل الأطراف المتحاصصة على السلطة والنفوذ إلى طريق الافتراق لا الالتقاء جراء تقاطع المصالح الحاد بين المكونات السياسية، وهو حصاد سنوات سياسة الاستحواذ والانتقام التي سلكها المنتفعون من وراء التغير الذي حدث قسراً عام 2003 بدخول إيران على خط الأزمة العراقية، ومحاولة تحويلها العراق ظلاً سياسياً لها.

فخلال السنوات الثماني الأولى من وجود الجيش الأميركي في العراق، استُقدمت كل قوى المعارضة العراقية التي كانت لسنوات خلت تحت ضيافة بلدان الجوار وفي أوروبا، وفرضت عليها قواعد عمل جديدة لتكون في المحصلة أجهزة مساندة لمختبراتها وفيالقها التي تقاتلت مع الجيش العراقي، أو تصارعت مع أجهزة الدولة السابقة ورضخت لمنطق وأيديولوجيا تلك البلدان في الشرق والغرب.

وقد دفع المجتمع العراقي ضريبة باهظة لذلك التغير القسري بعد حصار دام ثلاث عشرة سنة (1990-2003) خلخل المجتمع وأضعفه مادياً ومعنوياً كما فقدت زعامته القدرة على مواصلة امتلاك القوة.


أبعاد المدنيين والليبراليين

إبان السنوات الأولى التي أعقبت 2003، تخلخل الوضع العراقي أيضاً بعد انحسار دور القوى المدنية والليبرالية المرتبطة بجذر غربي، لا سيما التي عاشت في الغرب وأرادت إعداد ثوب العراق الجديد على قياس ديمقراطي تعددي فيدرالي.

وازدادت الأوضاع سوءاً بعد شن أكبر عملية اجتثاث للكفاءات العراقية، وحل الجيش العراقي، وتسريح مئات الآلاف من موظفي الدولة الأكفاء وتعويضهم بآخرين بدافع كسب الأصوات الانتخابية بالتعيينات الكمية غير المسبوقة، حتى وصل موظفو الدولة إلى ستة ملايين من مليون ونصف المليون موظف خلال عشر سنوات.

رافق ذلك أيضاً زيادة إنتاج النفط وتضاعف أسعاره وجهل بعض الزعامات الدينية باستراتيجية بناء الدولة وتطبيق معايير علمية على اقتصاد البلاد الذي تحول إلى ريعي، إذ تنفق الدولة 70 ‎في المئة ‎من مواردها السنوية كرواتب، فضلاً عن إنفاق غير مسبوق على الرئاسات الثلاث يصح فيه المثل العراقي الدارج "صرف من دون وجع قلب".

ووصل الأمر إلى انهيار قيمة الدينار العراقي إزاء الدولار بصورة لا تتوافق مع الإنتاج الواسع للنفط وإيراداته التي تذهب في ميزانيات بلا جدولة حقيقية أو جدوى، ومن دون حسابات ختامية، وتتآكلها مشاريع وهمية بلغت ستة آلاف مشروع التهمت ربع ثروات العراق، ولم تتمكن أجهزة النزاهة والرقابة من استرجاع الأموال التي خصصت وذهبت لسياسيين مباشرة، أو واجهات سياسية، أو للأحزاب والسلطات النافذة التي تسوغ السرقة على أنها "مال مجهول المالك" وهي أكبر فرية على الدولة والمجتمع والاقتصاد الوطني معاً، أو من خلال بدعة "مزاد العملة" الذي يديم إيرادات الأحزاب الدينية.

تسفيه العملية الديمقراطية

ثم تواصل الفشل الذي وضع المجتمع على حافة الانهيار من خلال العبث بصناديق الانتخابات من جهة، وتزويرها وحرقها كما حدث في انتخابات عام 2018، بعد تغول وهيمنة الأحزاب والميليشيات على القرار، واستخدام أساليب التهديد والتلويح بقتل المعارضين، ثم انفجر الوضع في حكومة الإسلامي المنظر عادل عبد المهدي، الذي اندلعت في زمنه تظاهرات وانتفاضة عارمة اشترك فيها أغلب القوى الوطنية، وفاقت أعداد المشاركين في بغداد والمحافظات الوسطى والجنوبية الملايين.

سقطت حكومة عبد المهدي، وجاءت حكومة تصريف الأعمال التي يتولاها مصطفى الكاظمي ووفرت مستلزمات انتخابات عام 2021، التي فاز فيها "التيار الصدري" بغالبية برلمانية بنسبة 72 صوتاً متقدماً على سواه من القوى لا سيما الشيعية التي تخطت توصيفات الكتلة الأضخم وأعلنت نفسها الأكبر بنسبة 83 صوتاً هي مجموع القوائم المتحالفة مع كتلة "دولة القانون" بزعامة نوري المالكي التي لا ينص عليها القانون، وذلك في محاولة مكشوفة لتفويت الفرصة على الصدريين الفائزين لتشكيل الحكومة.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

غير أن المحكمة الدستورية أفتت بأن قائمة "التيار الصدري" هي الأكبر في مواجهة تشكيل جديد اسمه "الإطار التنسيقي"، الذي يضم خمس كتل سياسية تمثل المكون الشيعي الولائي، قبالة تحالف أكبر بين "التيار الصدري" و"السيادة السني" و"الديمقراطي الكردستاني" وبعض المستقلين الذين انشطروا طولياً عن قوائم شيعية وكردية وسنية.

لكن التحالف الثلاثي بزعامة مقتدى الصدر لم يتمكن من الحصول على الثلثين+ واحد لترشيح رئيس الجمهورية الذي يسبق تعيين رئيس الحكومة دستورياً، على الرغم من أن رئاسة الوزراء لهم، حتى استقال أعضاء "التيار الصدري" بصورة مفاجئة وعددهم 72 بعد إدراك أن المالكي و"الإطار التنسيقي" يفرضون حكومة توافقية لا حكومة غالبية، كما أحدثت الاستقالة الجماعية للكتلة الأكبر صدمة للجميع، وقام الطرف الخصم بتصعيد النواب الاحتياط إلى البرلمان بطريقة مخادعة (حين كان جدول أعمال الجلسة المعلن هو مناقشة الاعتداءات التركية ونقص المياه)، لكنهم صوتوا بعجالة لخصوم "التيار الصدري" من البدلاء ليشكلوا غالبية نيابية جديدة.

وهم يحاولون أن يعقدوا جلسة لانتخاب رئيس الجمهورية من الكرد ورئيس الوزراء من "الإطار التنسيقي"، معلنين اسم المهندس الزراعي محمد شياع السوداني من دون جدوى بعد أن أعاد الصدر النظر بقرار الاستقالة وقلبه الطاولة على البرلمان باقتحام المنطقة الخضراء والسيطرة على المبنى عبر متظاهري "التيار" الغاضبين، والحيلولة دون عقد الجلسات التي ستقود إن حدثت إلى إزاحة "التيار الصدري" من مشهد الحكم الذي ترفضه القواعد الجماهيرية بزعامته.

منافسة الضد النوعي

بعد إدراك أن القرار البرلماني تحول إلى هيمنة الإطاريين الذين ينظرون إلى "التيار الصدري" كمنافس من الضد النوعي بالغ الخطورة عليهم وعلى واجهاتهم الاقتصادية وهيمنتهم على موارد النفط، وقع الاحتدام غير المسبوق حين هاجم "التيار" مجلس القضاء الأعلى (أعلى سلطة قضائية في البلاد)، وأوقف رئيس المجلس العمل القضائي في سابقة لم تحدث من قبل في التاريخ العراقي المعاصر، وحين أدرك الصدر أن ذلك سيؤلب عليه المجتمع الدولي والأمم المتحدة سحب مقتحمي مجلس القضاء، الذي عاد في اليوم التالي للعمل بعد التعطيل الذي لجأ إليه رئيس السلطة القضائية فائق زيدان.

المؤشر الآخر لانهيار الوضع العراقي، هو أن الصدر لم يكتف باقتحام المنطقة الخضراء فحسب بواسطة قوى "التيار"، بل أخذ يعبئ الشارع الناقم على المحاصصة وفساد السلطة برسائل وخطابات تعنون باسم (وزير الصدر) الذي لم يعلن اسمه حتى الساعة، ويرجح المقربون أنها ربما تكون للصدر نفسه أو أنه يمليها على المقربين والمخلصين من مقره في الحنانة بالنجف، وأحدثت تلك الرسائل صدى كبيراً على مستوى الشارع لأنها بمثابة تصريحات للناطق الرسمي باسم الصدر شخصياً، التي تطالب بحل البرلمان من جهة وإجراء انتخابات مبكرة من جهة ثانية، وهذه المطالبات هي مقتل تحالف أصحاب "الإطار" الذين يرفضون التخلي عن مكتسب الكتلة الأكبر التي وفرها لهم الصدر بانسحابه من البرلمان الذي خضع لجدل كبير في العراق حول جدواه.

لم تتمكن الأطراف الحليفة للصدر وهي "الحزب الديمقراطي الكردستاني" و"تقدم الحلبوسي" الذي شكل "تحالف السيادة" ككتلة تمثل السنة العرب، من ثني الصدر عن دعوته لحل البرلمان وإجراء انتخابات مبكرة، لكنهما ظلا يؤيدان مواقف الحليف الصدري ويمتنعان من حضور جلسة برلمانية يسعى إليها الإطاريون من دون جدوى.

اللافت أن الصدر رفع سقف مطالبه بإعلان "أن هناك ما هو أهم من حل البرلمان وإجراء انتخابات مبكرة، وهو إقصاء جميع الشخصيات التي اشتركت في العملية السياسية منذ الاحتلال الأميركي عام 2003 إلى يومنا هذا"، أي منع كل الأطراف السياسية المسيطرة على المشهد السياسي العراقي، بمن فيهم "التيار الصدري"، من المشاركة في تكوين الحكومة المقبلة، وهي من وجهة نظره "بديل عن كل المبادرات التي يسعى إليها البعض بما فيهم الأمم المتحدة".

وأعلن زعيم التيار أنه مستعد "خلال مدة أقصاها 72 ساعة لتوقيع اتفاقية تتضمن عدم مشاركة كل القوى التي حكمت في العراق منذ الاحتلال" على حد قوله .

لكن الصدر الذي وضع زمن الـ72 ساعة لتنفيذ الاتفاق لوح إلى أنه "إذا لم يتحقق ذلك فلا مجال للإصلاح، بالتالي فلا داعي لتدخلي بما يجري مستقبلاً"، وقد فُسر هذا النص على أن السيد الصدر وصل إلى حال اليأس من استجابة الفرقاء الخصوم أو من يطلق عليهم في العراق "الإخوة الأعداء" الممسكين بنهج التوافقية بين المكونات وليس حكومة أغلبية وطنية كما أرادها الصدر وتياره.

تحذيرات من وقوع المواجهة

كل هذا التصعيد جعل كثيراً من الساسة يرجحون المواجهة ويحذرون منها، إذ قال فاضل ميراني أمين عام "الحزب الديمقراطي الكردستاني" إن "الوضع السياسي العراقي قد يتحول إلى حرب أهلية أشبه بالوضع في الحرب الأهلية اللبنانية".

لكن صقور "الإطار" المنافس للصدر أكدوا أنه "لا يمكن عزل الكتل والأحزاب عن المرحلة المقبلة من خلال عدم إشراكهم في الانتخابات لأن لديهم قواعد وشعبية لن تسمح لأي طرف بمصادرة رأيهم في اختيار من يمثلهم"، وأكدوا أن "مبادرة الصدر لن تحل الأزمة بل ستزيد من الخلاف السياسي".

ووصف زهير الجلبي القيادي في "دولة القانون" بزعامة المالكي مطلب الصدر الأخير بأنه "هروب للأمام، فبعد الهجوم على القضاء صارت هناك توجيهات من المجتمع ترفض هذه الخطوة، كما أن هناك إصراراً من النواب على عقد الجلسات".

مؤشرات التصعيد تظل قائمة، ويرى بعض المراقبين للمشهد العراقي أن الانقسام الشيعي- الشيعي أضحى طلاقاً، ويناقض دعوات التوافقية التي دعت إليها إيران في حوارات إسماعيل قاآني، قائد "فيلق القدس" المكلف إدارة الملف العراقي لحساب "الحرس الثوري" عند مناقشة الحالة الشيعية- العراقية التي أتت على غير رغبة إيران وتوجهها للهيمنة على كل شيعة العراق.

وقد فشلت كل جولات الجنرال إسماعيل قاآني لرأب الصدع الشيعي في العراق، وباتت الأمور خارج محاولات التهدئة التي تبذلها إيران، أو تسعى إليها المرجعية الدينية التي تدعو إلى نظرية "المجرب لا يجرب"، والتي وسعها الصدر إلى رفض كل المجربين الذين يريدون التقرب من زعامة حكومة العراق المقبلة.

المزيد من تحلیل