Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

أوكرانيا والأوكرانيون... إلى أين؟

كييف فقدت في الحرب من الثروات الاقتصادية التي آلت إلى روسيا ما يزيد على 12 تريليون دولار

هجرة الأوكرانيين إلى روسيا ليست بالأمر أو الظاهرة الجديدة، فالبلدان متجاوران ينتمي شعباهما إلى مشتركات عديدة (أ ف ب)

هجرة الأوكرانيين إلى روسيا ليست بالأمر أو الظاهرة الجديدة، فالبلدان متجاوران ينتمي شعباهما إلى مشتركات عديدة، لا تقتصر وحسب على العرق واللغة، بل تتجاوزهما إلى التاريخ والجغرافيا وعناصر أخرى كثيرة.

ولم يكن ثمة من يفكر طويلاً في اعتبار الانتقال إلى أي من المناطق المجاورة روسية كانت أو أوكرانية بوصفها "هجرة" بالمفهوم الدقيق، لهذا المصطلح العلمي الذي تبددت أطيافه خلال عقود طويلة مضت اجتمع خلالها الشعبان بين جنبات دولة اتحادية سابقة مترامية الأطراف، متعددة الأعراق والأجناس والأديان.

لكن وما إن انفرط عقد ذلك الاتحاد السوفياتي السابق، حتى اندفعت أقوامه صوب ما كان بداية لهجرات جماعية طوعية في معظمها، ومنها ما كان يتعلق بلم الشمل وتجاوز عثرات "الزيجات المختلطة" ونظام سياسي ترنح تحت وطأة أسباب داخلية وخارجية، فضلاً عن أخرى تعود في كثير من جوانبها إلى انفجار "المسألة القومية"، وما نجم عنها من أزمات اقتصادية واجتماعية، وما صاحب ذلك من تفكك وخصخصة للمؤسسات الوطنية، وضياع فرص العمل.

بداية موجات الهجرة

يذكر المراقبون في موسكو وغيرها من العواصم السوفياتية السابقة بداية موجات الهجرة التي كانت فيها روسيا الاتحادية مقصد ما يقرب من 25 مليون نسمة من أبنائها ممن كانوا استوطنوا الجمهوريات السوفياتية السابقة تنفيذاً لبرنامج سياسي بعينه، إلى جانب الملايين من مواطني أوكرانيا وأبناء جمهوريات آسيا الوسطى بحثاً عن سبل الرزق والعيش.

نتوقف في هذا الصدد عند الأوكرانيين الذين تدفقوا على روسيا في تسعينيات القرن الماضي بحثاً عن الرزق والثروة، وما أعقب ذلك من موجات ارتبطت في معظمها بتفاقم الأوضاع السياسية وانفجار الخلافات بين الشعبين السلافيين "الشقيقين" التي تصاعدت في نهاية المطاف إلى حد اندلاع الاشتباكات المسلحة والحروب الدموية.

وإذا كانت هجرة الأوكرانيين إلى روسيا اقتصرت مع بدايات "الثورة البرتقالية" في مطلع القرن الجاري على سكان مناطق جنوب شرقي أوكرانيا، وهي الهجرة التي تصاعدت وتيرتها مع إطاحة الرئيس الأوكراني السابق فيكتور يانوكوفيتش في فبراير (شباط) 2014 وما أعقبه من إعلان مقاطعتي لوغانسك ودونيتسك عن "انفصالهما"، فإن ما تلا ذلك من نزوح شبه جماعي لسكان هاتين المقاطعتين إلى روسيا رفع تعداد الأوكرانيين الذين حظوا بوضعية الإقامة الدائمة في روسيا إلى ما يقرب من أربعة ملايين نسمة.

وجاءت "العملية العسكرية الروسية الخاصة" لتضفي على الموقف مزيداً من الحدة والتوتر، ما دفع مئات الألوف إلى النزوح الجماعي إلى الخارج، وبالدرجة الأولى بلدان أوروبا الغربية، التي فتحت حدودها وأحضانها لاستقبال الملايين من الأوكرانيين في موجة هجرة جماعية غير مسبوقة في القرن الحادي والعشرين.

قيود أوكرانية وأوروبية

 يرى المراقبون ما نجم من مشكلات متباينة الأسباب، سرعان ما تحولت إلى مبرر لفرض عديد من القيود التي دفعت كثيراً من المهاجرين الأوكرانيين إلى التفكير في العودة إلى ديارهم، خصوصاً على وقع ما سنته السلطات الأوكرانية من قوانين تلزم فيها أبناء أوكرانيا ممن تنطبق عليهم قوانين الخدمة العسكرية العودة للانضمام إلى القوات الأوكرانية المسلحة، في توقيت مواكب لقيود كثيرة وقوانين سنتها سلطات عديد من بلدان الاتحاد الأوروبي لتنظيم وتقنين والحد من تبعات "تدفق المهاجرين" من دون ضابط أو رابط، كما يقال.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

ومن هنا كانت الهجرة المعاكسة في اتجاه الشرق الذي لطالما جمع "أشقاء الأمس" في روسيا وبيلاروس وجمهوريات الاتحاد السوفياتي السابق، بحثاً عن حلول مغايرة لمواجهة الموقف بعيداً من الحرب وتبعاتها. غير أن هذه الموجة من الهجرة لم تقتصر على الفارين من المهجر المؤقت بين جنبات بلدان غرب أوروبا، حيث انضم إليها سكان وسط وغرب أوكرانيا، وهي المناطق التي لم تكن طاولتها بعد ويلات الحرب.

ثمة من يقول إن ما أصدرته روسيا من قوانين، وما أعلنته من تسهيلات لحصول أبناء أوكرانيا على الجنسية الروسية، أسهمت إلى حد كبير في تشجيع كثير من الأوكرانيين إلى التدافع صوب موسكو وكبريات المدن والأقاليم الروسية، حيث فرص العمل واللغة المشتركة التي لطالما جمعت أشتات القوميات السوفياتية السابقة ومنها الأوكرانية، فضلاً عن الحنين إلى تقاليد وتاريخ الأمس القريب.

عدم الانتماء المشترك

نذكر بهذا الصدد أن الرئيس الأوكراني فلاديمير زيلينسكي سارع بالاحتجاج ضد ما أصدرته موسكو من قوانين وما اتخذته السلطات الروسية من إجراءات في إطار تشجيعها لتوطين وتجنيس اللاجئين والمهاجرين الأوكرانيين، مؤكداً عدم الانتماء المشترك مع روسيا، ومحاولة دحض ما قاله الرئيس الروسي فلاديمير بوتين في مقاله الأكاديمي الشهير الذي نشره في يوليو (تموز) 2021 حول الأصول المشتركة للشعبين الروسي والأوكراني، إلى جانب محاولة تأكيد عدم مشروعية ما أصدره بوتين من مراسيم بشأن تسهيل إجراءات منح الجنسية للأوكرانيين الذين قال زيلينسكي إن روسيا تدفع كثيرين منهم قسراً إلى الأراضي الروسية.

وكانت السلطات الأوكرانية حملت على الجانب الروسي بسبب ما يقيمه من مراكز لمراجعة اللاجئين من المهاجرين الأوكرانيين وهو حق يراد به باطل. وفي تعليقها على هذه الاتهامات تقول المصادر الروسية إنه من الطبيعي مراجعة هويات كل من يريد التمتع بما قررته السلطات الروسية من امتيازات وتسهيلات للمهاجرين الأوكرانيين، لفرز المواطنين واستيضاح حقيقة شخصياتهم وتحديد هوياتهم.

وفي تحقيق صحافي نشره موقع "لينتا.رو" الإلكتروني استشهد الجانب الروسي بما أدلى مكتب المفوض السامي للأمم المتحدة لحقوق الإنسان به من تصريحات حول أن "الدافع وراء عمليات الفرز والمراجعة الروسية هو تحديد ضباط إنفاذ القانون الأوكرانيين الحاليين أو السابقين وموظفي الخدمة المدنية وأفراد القوات المسلحة الأوكرانية".

اضطهاد أي مؤيد لأوكرانيا

على الرغم من هذا التقدير الموضوعي، فإن هناك أيضاً من الانتقادات التي صدرت عن المكتب نفسه تقول إن "الممارسة العملية كشفت أيضاً أن الروس يضطهدون أي مواطن لديه آراء مؤيدة لأوكرانيا ومعادية لروسيا، كما أثبتت هذه المراجعات أن السلطات الروسية كانت بدأت في تجميع قوائم الشخصيات السياسية والنشطاء والعاملين في إدارة أمن الدولة والقوات المسلحة الأوكرانية قبل أسابيع قليلة من بدء العملية العسكرية الروسية الخاصة".

وكانت السلطات الروسية بالتعاون مع سلطات "الجمهوريتين" الجديدتين لوغانسك ودونيتسك غير المعترف بهما، قامت على مرأى ومسمع من العالم كله بما نقلته بالصوت والصورة بمراجعة النازحين من ماريوبول، لاستيضاح هويات "المقاتلين" الذين رفعوا رايات الاستسلام، وهي المشاهد التي استشهد بها تقرير منظمة الأمن والتعاون في أوروبا بوصفها قرينة تشهد "بسوء المعاملة والتهديدات من قبل الجيش الروسي".

وفي هذا الصدد نشير إلى أن كثيراً من وسائل الإعلام الغربية تناقلت عن هذا التقرير ما ورد به من اتهامات تقول "غالباً ما كان الأشخاص يتعرضون لاستجوابات قاسية وتفتيش جسدي مهين"، على الرغم من أن ذلك لم يكن سوى في إطار محاولة الكشف عما يؤكد انتماءهم إلى تنظيمات "النازيين الجدد" بما تحمله أجسادهم من أوشام وعلامات تؤكد هذا الانتماء، إلى جانب ما تحمله أكفهم وأصابعهم من أدلة وآثار تقول بمشاركتهم العملية في استخدام الأسلحة النارية.

 

وتقول المصادر الروسية إن ذلك كله لم يكن سوى نذر يسير من عمليات المراجعة على طريق التحول إلى منح كل من يريد اللجوء من الأوكرانيين لحق الإقامة في أراضي روسيا الاتحادية و"جمهوريتي لوغانسك ودونيتسك".

وننقل عن سفيتلانا جانوشكينا، الخبيرة في المجلس التابع لمفوض حقوق الإنسان في روسيا، رئيس لجنة المساعدة المدنية (المعترف بها كوكيل أجنبي)، بعضاً من تصريحاتها إلى موقع "Lente.ru" حول "أن مشكلات اللاجئين الأوكرانيين لا تنتهي بمغادرة منطقة الحرب، ففي روسيا سيتعين عليهم الحصول على وضع رسمي والعثور على سكن، وهو أمر ليس من السهل القيام به مع المستندات المفقودة. إضافة إلى ذلك، تتم تصفية وتفتيش الأوكرانيين على الحدود، التي تنتهي أحياناً بالاعتقالات".

خيبة أمل

لكن ماذا عن المدنيين ممن كانوا اختاروا الهجرة إلى بلدان الاتحاد الأوروبي وخاب أملهم في التمتع بمزايا العيش الرغد في المجتمعات الغربية؟

تقول المصادر الغربية، ومنها "EURORADIO" في تقرير لها تحت عنوان "الهجرة الفاشلة، لماذا يعود الأوكرانيون إلى ديارهم؟"، إن تقارير الأمم المتحدة تشير إلى أن أكثر من خمسة ملايين شخص غادروا أوكرانيا منذ بداية الحرب، عبر معظمهم الحدود مع بولندا، مليونان و825 ألفاً، فيما انتقل 757000 إلى رومانيا، و549000 إلى روسيا، و471000 إلى المجر، و426000 إلى مولدوفا.

كما أعلنت بيلاروس الجارة السلافية في الشمال استقبال 24 ألف لاجئ أوكراني، وذلك كله إلى جانب ما سبق وأعلنته السلطات الروسية حول وجود ما يقرب من خمسة ملايين مواطن أوكراني يواصلون العيش بين جنبات الدولة الروسية.

وعلى الرغم من كل التيسيرات التي لقيها المهاجرون الأوكرانيون في الأشهر الأولى للحرب، فقد قرر كثيرون منهم العودة إلى الوطن، ومنهم من اختار بيلاروس معبراً صوب روسيا وليس في اتجاه أوكرانيا الوطن الأم لأسباب كثيرة، منها ما يتعلق بخشية التجنيد الإجباري لمواجهة النقص الذي تواجهه القوات المسلحة الأوكرانية.

صعوبة التكيف

 في هذا الصدد، اعترف كثيرون من المهاجرين الأوكرانيين بأنه "على الرغم من كرم ضيافة الأوروبيين، فإن التكيف مع حياة جديدة أمر صعب من الناحية الموضوعية، فليس كل شخص محظوظاً بما يكفي للعثور بسرعة على منزل ووظيفة".

كما برر هؤلاء رحلة العودة الاضطرارية والتخلي عن الأحلام الوردية بإقامة طيبة بين أحضان بلدان الاتحاد الأوروبي، الحلم المؤجل الذي يكاد يقضي على ما بقي من وضعية الدولة الأوكرانية، إلى ما تكابده هذه المجتمعات الغربية من مشكلات، ومنها ارتفاع مستوى البطالة، كما هو في إسبانيا على سبيل المثال، وذلك فضلاً عن عدم الإلمام بلغة أهل الدار، والحاجة السريعة إلى المسكن المناسب وغير ذلك من مستلزمات الحياة العصرية.

كما أن هناك من الأوكرانيين من توقف عند المشكلات التي تعانيها أوكرانيا الآن بسبب ما تكبدته من دمار وخراب نال من كل البنية التحتية وطال كل مفاصل الاقتصاد، وهي القضايا التي تناولتها صحيفة "واشنطن بوست" في أحد أعدادها الأخيرة.

 

ومن اللافت أن ذلك التقرير الذي نشرته "واشنطن بوست"، جاء في توقيت مواكب لتزايد حدة مشكلات العودة الاضطرارية، ومنه ما يتعلق بما أشارت إليه الصحيفة الأميركية حول سيطرة السلطات الروسية على كثير من ثروات أوكرانيا الاقتصادية، التي قالت إن "قيمتها لا تقل عن 12.4 تريليون دولار".

وفي هذا الشأن، نقلت وكالة "تاس" الروسية عن "واشنطن بوست" الأميركية ما قالته حول أن "أوكرانيا فقدت حتى الآن 63 في المئة من مكامن الفحم، و11 في المئة من مواقع النفط، و20 في المئة من مواقع الغاز الطبيعي، و42 في المئة من مكامن المعادن، و33 في المئة من مكامن المعادن الأرضية النادرة "وغيرها من المعادن المهمة، بما في ذلك الليثيوم".

وإذا أخذنا في الاعتبار ما سبق وأعلنه دميتري ميدفيديف نائب سكرتير مجلس الأمن القومي الروسي ومسؤولون كبار آخرون في النسق الأعلى للسلطة في موسكو حول أن "روسيا لن تتخلى عن شبر واحد من الأراضي التي استولت عليها في أوكرانيا"، فإن الواقع يقول بتزايد احتمالات وضع حيز التنفيذ ما سبق وهدد به الرئيس فلاديمير بوتين في مطلع القرن الجاري إبان الموجات الأولى "للثورة البرتقالية" بشأن أن "أوكرانيا في سبيلها إلى فقدان وضعية الدولة المستقلة".

المزيد من تحلیل