Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

كفاح المزارعين الأوكرانيين لإنقاذ العالم من المجاعة

يعتمد العالم على أوكرانيا للحصول على الغذاء، لكن الغزو الروسي يعني أن الملايين قد يعانون لسد الرمق، بغض النظر عن أي اتفاق يبرم يقضي بتصدير الحبوب. تتحدث بيل ترو مع المزارعين في خاركيف ودونباس ودنيبرو وكييف

المزارعة لوبوف زلوبينا تهدئ من روع الأبقار التي أصيبت بالقصف (بيل ترو)

لا تزال صرخات العشرات من حيواناتها التي احترقت حية تطارد لوبوف زلوبينا، وهي مزارعة في منطقة خاركيف التي عاثت فيها الحرب الدمار.

بعد شهر من الاحتلال اتّسم بالقتل والنهب والاغتصاب في المنطقة التي تعيش فيها، تعرّض الجنود الروس لهجوم مضاد أوكراني دفعهم إلى التراجع. وفي أثناء انسحابهم، قالت لوبوف، الزعيمة الفعلية للقرية، إنهم زرعوا ألغاماً في معظم حقولها البالغة 92 هكتاراً. ثم أضرموا النار عمداً في المستودع الرئيسي الذي يضم 140 بقرة وعجلاً وخنزيراً ودَوبلاً.

عندما اندلع الحريق في الحظائر، حاول عمال المزارع المصابون بالهلع هدم الجدار الخلفي بالجرارات لتحرير الحيوانات. وفشلوا على وجه الخصوص في إخراج الخنازير، لأنها رفضت ترك صغارها.

ووفق ما قالته المرأة البالغة من العمر 62 عاماً وهي تمسك رأسها بيديها وتتعثر بالكلام من كثرة البكاء والشهيق: "لا أستطيع أن أنسى صراخ العجول والخنازير في الداخل. كنت في الخارج أبكي هاتفة، 'أخرجوها! أخرجوها!' لكننا لم نتمكن من ذلك. كان أمراً مستحيلاً والنيران هائلة".

في الحصيلة، احترقت نصف الحيوانات حتى الموت. وتشير لوبوف إلى أن صوت قتلها ما زال يتردد من دون توقف في رأسها [تسمعه باستمرار].

كانت تمشي في المزرعة في حالة ذهول، وقد تركت ندوب حرب الرئيس بوتين على أوكرانيا، واحتلال قواته الذي دام شهراً، أثراً كبيراً فيها. كذلك، تحوّلت حظيرة الماشية إلى هيكل عظمي [رماد] متفحّم مقارنة مع ما كانت عليه سابقاً.

إضافة إلى ذلك، قُصف مستودعان آخران، كانا يحتويان على 50 طناً من القمح (وهي بقايا محصول لوبوف لعام 2021). كما أنّ بعض الجنود الثملين استخدموا حافلةً صغيرة كهدف تدريب للرماية. فأصيب معظم الحيوانات بالعرج بسبب طلقات الرصاص الطائش والشظايا.

علاوة على ذلك، تعرّض أحد تراكتوراتها الثلاثة المدمرة للتفجير بواسطة ألغام مضادة للدبابات تركها الروس في حقول القمح والذرة. وآنذاك، حالف المزارع الذي كان يقودها الحظ لأنه بقي على قيد الحياة على رغم الأضرار: كسر في جمجمته وساقيه ولا يزال يمشي وهو يعرج. كذلك، توفي عضو آخر من عمّالها متأثراً بنوبة قلبية إثر إصابته خلال قصف مدفعي.

في المقابل، تنفي روسيا بشدة اتهامات الأمم المتحدة والجماعات الحقوقية والمدنيين بأن قواتها انتهكت القانون الدولي أو ارتكبت ما يظن أنه جرائم حرب. وفي ذلك الإطار، اتهم الكرملين الأوكرانيين بارتكاب "تزوير شنيع" يهدف إلى تشويه سمعة موسكو في المناطق التي كانت تحتلها قواتها في السابق.

لكن لوبوف تقول إنه أثناء الاحتلال، نهب الجنود الروس تلك المزرعة وغيرها من المزارع المجاورة مراراً. وبحسب ما ورد اغتصبوا امرأة واحدة على الأقل في القرية. ووفق ما تخبره لوبوف، كانوا يثملون ويصابون بنوبات من الغضب فيطلقون النار على المدنيين.

وتتابع بهدوء: "قتلوا في المجمل خمسة أشخاص في القرية، على غرار الإعدام".

"تركوا جثة شخص كبير في السن مصاب بالصمم جزئياً في وسط القرية لمدة ثلاثة أسابيع. فبدأت الكلاب في التهامها".

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

وتشير الآن إلى أن رعب الماضي ليس همها الوحيد، إذ إنّ مستقبل حياة موظفيها وسبل عيشهم تثقل كاهلها.

واستكمالاً، هناك شائعات تذهب إلى أن موسكو تعيد تنظيم صفوفها لكي تشن حملة أخرى على خاركيف، وهي منطقة غنية بالزراعة تقع على طول الحدود مع روسيا. إنهم يخشون من احتمال احتلال القرية مرة أخرى.

والآن حان وقت الحصاد في هذا الجزء من البلاد.

والجدير بالذكر أنّ مصير الحصاد سيحدد مصير عدد لا يحصى من المزارعين في جميع أنحاء أوكرانيا، المعروفة بسلة خبز العالم بسبب قطاعها الزراعي الواسع والمترامي الأطراف. وعلى غرار كثير من المزارع المقطعة الأوصال والمدمرة في جميع أنحاء البلاد، بالكاد يمكن لمزارع لوبوف أن تعمل.

ومع بقائها من دون ماشية تقريباً، إذا لم تتمكن من حصاد الحبوب وبيعها، فلن تتمكن من دفع رواتب أي من أفراد فريقها المكون من 10 أشخاص في المزرعة، ولا تستطيع تحمل تكلفة زراعة محصول العام المقبل. إذاً، تأثير الدومينو [التأثير التعاقبي] مستمر.

وتصرح في ذلك السياق: "نحن بالكاد نملك المال. حصل موظفو مكتبي على 6500 هريفنا أوكرانية [186 جنيهاً إسترلينياً] من الحكومة. ثم تمكنا من إضافة 2000 [£ 60].بيد أنّ هذا أقل من نصف راتبهم الشهري".

وتتابع: "لقد نجونا من الحرب والاحتلال ولكن هل يمكننا النجاة من هذا؟"

كييف

 

"أزمة أوكرانيا وثيقة الصلة بالعالم"

 

تردد قصة لوبوف صدى عدد لا يحصى من القصص الأخرى في جميع أنحاء أوكرانيا المدمرة إثر غزو الرئيس بوتين الذي شنه في فبراير. في الواقع، هذه الأزمة ليست حرجة بالنسبة إلى أوكرانيا فحسب، بل أيضاً للعالم أجمع. ويحذر المسؤولون الأوكرانيون والأمم المتحدة من أنه إذا استمرت الحرب، فسوف ترتفع أسعار الغذاء عالمياً، ما يطلق العنان لـ "موجة غير مسبوقة من الجوع والعوز".

وتلفت وزارة الزراعة الأوكرانية إلى أن هذا قد يؤدي لاحقاً إلى هجرة جماعية وحتى حروب أخرى.

وهذا يعود إلى مكانة أوكرانيا الفريدة في سوق الغذاء العالمي. وفقاً لماركيان دميتراسيفيتش، نائب وزير الزراعة الأوكراني، فإن أوكرانيا تسد رمق 400 مليون شخص في جميع أنحاء العالم. وهي خامس أكبر مصدّر للقمح، ومصدّر رئيسي للذرة والشعير. كما أنها مسؤولة عن 50 في المئة من سوق زيت دوار الشمس العالمي.

ويقول الخبراء لصحيفة اندبندنت إن أوكرانيا تمثل حوالى ستة في المئة من التجارة الزراعية في جميع أنحاء العالم. لكن غزو بوتين قوض هذا القطاع إلى حد بعيد [وقلص هذه النسبة].

وبطريقة موازية، يشير دميتراسيفيتش إلى أن الأضرار المباشرة التي لحقت بقطاع الزراعة، مثل المعدات والمستودعات المدمرة وكذلك الحقول المفخخة بالألغام،  كلفت البلاد 4.5 مليار دولار (3.8 مليار جنيه إسترليني). لكن الأضرار غير المباشرة، على غرار انخفاض الإنتاج، وتعطيل الخدمات اللوجستية وهبوط أسعار التصدير، قد تصل إلى 20 مليار دولار (16.9 مليار جنيه إسترليني).

ويقدّر أن نحو ربع الأراضي الزراعية في أوكرانيا لا يمكن الوصول إليها الآن أو لم عد صالحة للاستعمال لأنها خاضعة لاحتلال القوات المدعومة من روسيا، أو مزروعة بالألغام، أو تقع بالقرب من خطوط المواجهة المتعددة.

ولكن هناك مشكلات حتى بالنسبة إلى الأراضي التي يمكن الوصول إليها.

في الحقيقة، تصدر أوكرانيا 95 في المئة من الحبوب والزيوت النباتية عبر موانئها البحرية. والحصار الروسي المفروض على جزء كبير من البحر الأسود وبحر آزوف، جنباً إلى جنب مع زراعة أوكرانيا للألغام الدفاعية في المياه حول الساحل الذي ما زال تحت سيطرتها، يعني أن عجلة الموانئ الأوكرانية لا تدور، حتى لو ظل بعض منها بأمان نسبياً.

وقد أجبر ذلك أوكرانيا على التحول إلى نقل منتجاتها بالقطار ونهر الدانوب، وهي عملية أغلى بخمس مرات وفق دميتراسيفيتش، ولا يمكنها ببساطة أن تضاهي سعة الطرق البحرية.

وهكذا، يقول إن أوكرانيا، التي كانت تصدّر قبل الحرب ما يصل إلى ستة ملايين طن من الحبوب والزيوت النباتية شهرياً، لم تتمكن سوى من تصدير ثلاثة ملايين طن خلال الأشهر الأربعة الماضية بأكملها منذ بدء الحرب.

وترتب على ذلك النقص تأثير عالمي [ارتدادات عالمية] بالفعل: فقد ارتفعت أسعار القمح في جميع أنحاء العالم، على سبيل المثال، بنحو 60 في المئة هذا العام.

ويوضح دميتراسيفيتش من مكاتبه في كييف: "في أوكرانيا لدينا ما يكفي من الحبوب للاستهلاك الداخلي، لكن التأثير على السوق العالمية والأسعار والتضخم سيكون بارزاً [فادحاً وحاسماً] بشكل خاص بالنسبة إلى أفقر البلدان".

"أعتقد أن العالم يجب أن يقلق حيال ذلك. إذا كنت تعاني من الجوع، فستنشب صراعات وهجرة".

كذلك، دق مسؤولو الأمم المتحدة ناقوس الخطر. وحذر الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش في يونيو (حزيران) من أن الحرب في أوكرانيا تهدد بإطلاق "موجة غير مسبوقة من الجوع والعوز، تاركة في أعقابها فوضى اجتماعية واقتصادية".

وفي كييف، حذر بيير فوتييه، من منظمة الأغذية والزراعة التابعة للأمم المتحدة (الفاو)، من أن هذا قد يلحق الضرر [يصيب أشد ما يصيب] بشرق أفريقيا وغربها، وكذلك آسيا بشكل خاص، في وقت كان فيه الجوع العالمي يتزايد أصلاً بعد الجائحة. وتقدّر الفاو أن الحرب الروسية في أوكرانيا قد تؤدي إلى ارتفاع عدد الذين يكابدون غياب الأمن الغذائي الحاد بأكثر من 47 مليون شخص هذا العام.

"على الأرجح لن تكون أوكرانيا في وضع يمكّنها من استئناف تصدير محاصيلها حتى في عام 2023. وسيقود ذلك إلى زيادة أكبر في الأسعار في المستقبل."

ويضيف: "أزمة أوكرانيا وثيقة الصلة بالعالم".

وأبرم يوم الجمعة اتفاق يسمح باستئناف تصدير الحبوب عبر البحر الأسود، وهو اتفاق يمكن أن يساعد في منع تعرّض ملايين الأشخاص للجوع في جميع أنحاء العالم. ووقعت عليه أوكرانيا وروسيا وتركيا والأمم المتحدة. وعلى الرغم من اعتباره بصيص أمل ضئيل يدعو إلى التفاؤل، سبق أن ظهرت شكوك في القدرة على تنفيذ أي اتفاق بالكامل.

دونباس

" ستفقد أوكرانيا لقب سلة خبز العالم إلى الأبد"

في الوقت عينه، رأينا بوضوح تام قذيفة تدمر الحقل خلفنا، في نفس اللحظة التي كان المزارع فاديم مارتوف يشرح فيها مخاوفه بشأن خط الجبهة الذي يتغير ويقترب بسرعة.

إنّه الريف خارج مدينة دوبروبيليا، في منطقة دونيتسك التي أصبحت الآن محور الهجوم الروسي. في الواقع، استولى رجال موسكو والقوات التابعة لهم على آخر البلدات المتبقية في إقليم لوهانسك المجاور في يونيو (حزيران). وهدفهم الآن هو الاستيلاء على دونيتسك وبالتالي السيطرة على كامل منطقة دونباس الإستراتيجية الغنية بحقول القمح  والشعير ودوار الشمس المتموجة القابعة تحت سماء الصيف، وكأنها علم على لوني راية البلاد الأزرق والذهبي.

من هنا، يقع خط المواجهة على بعد 35 ميلاً فحسب، وبالتالي، فالأراضي الزراعية تقع ضمن نطاق نيران المدفعية. وهكذا، يقطع دوي القصف العرضي وضجيج إطلاق النار هدوء الحقول الخادع.

واستكمالاً، يمتلك السيد مارتوف، البالغ من العمر 55 عاماً، 300 هكتار من الأراضي حيث يزرع دوار الشمس والذرة والشعير والقمح التي تلمع سنابلها [وزهورها] تحت ضوء الشمس الساطع. في المخزن، لديه كمية 200 طن من القمح من محصول العام الماضي ولم يتمكن حتى الآن من نقلها. وقد بدأ موسم الحصاد الجديد للتو ويتوقع إنتاج كمية 800 طن إضافية لا يمكنه تخزينها الآن.

 

 

 

كان مارتوف يأمل في الاعتماد على مخزن كبير للحبوب في دوبروبيليا تديره شركة إنتاج خبز على مستوى البلاد. بيد أنّ صوامع الحبوب تلك تعرضت للقصف من قبل القوات الروسية ثلاث مرات في الأسابيع القليلة الماضية، كان آخرها اليوم السابق لوصولنا إلى هناك. وهكذا انسحبت شركة الخبز، التي يقع مقرها في كييف، من دونباس بالكامل.

ويقول المزارع بيأس: "أصلّي ألا يصل خط المواجهة [ميدان المواجهة] إلى هنا، ولكن في الحقيقة لا يمكنني التوكّل إلا على الله".

في الحقيقة، تعدّ مساحة التخزين مشكلة كبيرة في أوكرانيا، ستؤثر على العالم بأسره. وفي ذلك الإطار، تقدّر وزارة الزراعة أنه بحلول نهاية موسم الحصاد هذا، سيكون لدى البلاد كمية 78 مليون طن من المحاصيل عالقة في أوكرانيا وسوف يحتاجون إلى تخزينها.

لكن في الوقت الحالي، بسبب فقدان صوامع الحبوب والمستودعات حيث يدور القتال أو التي تخضع للاحتلال، لا يتمتّع الأوكرانون سوى بالقدرة على تخزين 65 مليون طن لا غير. ولا تزال كييف تبحث عن طريقة لتخزين كمية الـ 13 مليون طن المتبقية.

بالنسبة إلى السيد مارتوف، فهو لا يملك سوى خيار البيع، لكن هذا أيضاً شبه مستحيل، إذ قال إن ثمن الأسمدة منذ بداية الحرب قد ازداد خمسة أضعاف وارتفعت أسعار الوقود ثلاثة أضعاف تقريباً، ما يعني أن إنتاج الحبوب صار باهظ التكلفة. ولكن في الوقت نفسه، بسبب زيادة المخزون وصعوبة التصدير، انخفضت أسعار الحبوب داخل أوكرانيا.

حالياً، يقول إن التجار لن يدفعوا أكثر من 100 دولار لكل طن من القمح الذي يكلّف إنتاجه ضعف ذلك المبلغ تقريباً.

ويتابع وهو يشعر بالعجز أمام كثبان الحبوب الضخمة في مستودعه الرئيسي: "في الواقع، سأدفع لتاجر حبوب لكي أتخلص من مخزوني".

"أنا قلق من الإفلاس. ولا أدري الآن ماذا ينبغي أن أفعل. ماذا عن الموسم المقبل، هل أزرع أم لا؟ ".

وما تقدم يشير إلى  بوادر الأزمة المرتقبة التي تلوح في الأفق.

بعد الحصاد، يأتي موسم الزراعة ويحتاج المزارعون إلى المال لشراء البذور للقيام بذلك. إذا لم يتمكنوا من بيع ما جنوه للتو، فلن يكون هناك محصول في العام المقبل، وهو احتمال خطير يتهدد أوكرانيا والعالم.

"نحن نتحدث عن خسارة محتملة لثلاثة محاصيل على الأقل"، وفق ما قاله نائب وزير الزراعة دميتراسيفيتش بتجهّم.

"لا يمكننا بيع محصول العام الماضي. وفي ما يتعلّق بحصاد هذا العام: انسوا بيعه، لا يمكننا حتى تخزينه. ولن يحدث الحصاد التالي حتى، إذ إنه لا يوجد حافز يدفع المزارعين ليزرعوا".

وفي سياق متصل، قال روديون ريبشينسكي، رئيس اتحاد المطاحن الأوكراني، لصحيفة "اندبندنت" إن منظمته تتوقع أن تلك المحاصيل المفقودة ستعني إفلاس 40 في المئة من المزارعين في البلاد واضطرارهم إلى محاولة العثور على عمل جديد.

وأضاف أن ذلك قد يغير طبيعة البلد إلى الأبد.

وأشار بإحباط إلى أن "أوكرانيا يمكن أن تتوقف عن كونها دولة زراعية، وذلك سوف يغير بشكل أساسي البلد وأسواق المواد الغذائية في العالم".

ستفقد أوكرانيا لقب سلة الخبز. وسيكون الأمر كما لو أننا تراجعنا 30 عاماً إلى الوراء.

 دنيبرو

"ماذا نستطيع ان نفعل؟ لم تعد هناك أماكن آمنة في أوكرانيا"

يبدو أن دوي صفارات إنذار الغارات الجوية، التي تحذر من نيران [ضربات] قادمة، خارجة على بهاء حقول دوار الشمس.

ويظهر فجأة صاروخ في السماء، وكأنه يذكرنا بمكان تواجدنا، ويسقطه قصف نظام دنيبرو للدفاع الجوي فوق رؤوسنا مباشرة.

وتؤكد الأنباء العاجلة أن عدة صواريخ روسية أُطلقت على المنطقة وجرى اعتراضها بنجاح.

وبلا مبالاة، يتجاهل أولكساندر شيبانوف، المزارع المحلي البالغ من العمر 49 عاماً، مالك هذه الأرض التي تبلغ مساحتها 200 هكتار، سحابة الدخان الأبيض المتبددة.

"ماذا نستطيع أن نفعل؟ لم تعد هناك أماكن آمنة في أوكرانيا. يمكن للصواريخ الروسية استهداف أي شيء، ويمكن أن يطال القصف أي مكان في أي وقت كان".

ثم اتجهنا نحو حقول القمح حيث بدأ عمّاله الحصاد البطيء الذي لن تصرّف محاصيله في أي مكان يذكر.

ويقول شيبانوف بمرارة: "لا يمكنني بيع هذا بأكثر من نصف تكلفة صنعه".

سأنتظر حتى يعاد فتح الموانئ، ويصبح بإمكاننا التصدير بحرية.

"ولكن إلى متى سيستمر هذا؟ ربما لسنوات".

ويتابع أنه محظوظ بما يكفي لوجود حل للتخزين، لكن زملاءه المزارعين، المعرضين لخطر الاحتلال مع تقدم خطوط المواجهة نحو الأمام، قلقون للغاية.

"حتى لو تمكنوا من الحصاد والتخزين، فهل ستُسرق المحاصيل؟"

وتتهم وزارة الزراعة الأوكرانية الروس بسرقة ما يقدر بنحو 600 ألف طن من الحبوب من المناطق التي يحتلونها الآن مع القوات التابعة لهم.

 

 

لم تتمكن صحيفة اندبندنت من التحقق من سرقة الحبوب، لكنّ وسائل الإعلام بما في ذلك "بي بي سي" أجرت تحقيقاً وتعقبت الحبوب المسروقة التي تمر عبر الأراضي المحتلة إلى شبه جزيرة القرم، نحو روسيا ومن ثم إلى تركيا للبيع.

وقد طلبت كييف من أنقرة التحقيق في ذلك. وفي الحقيقة، يخشى عدد من منتجي الحبوب الذين عملوا في الشرق من أن تُسرق محاصيلهم.

واستطراداً، تقول تيتيانا ألافيردوفا، مديرة المبيعات في "هارف إيست" HarvEast، التي كانت قبل الحرب واحدة من أكبر الشركات الزراعية القابضة في البلاد، إنها فقدت القدرة على الوصول إلى 70 في المئة من أراضيهم منذ بداية الحرب، إذ إن أكبر حقولها، الذي تصل مساحته إلى 90 ألف هكتار، يقع في مناطق محتلة الآن في دونباس.

وقد فقدت الشركة سابقاً نصف مساحة أراضيها الأصلية بعد اندلاع الحرب الأولى في عام 2014، بما في ذلك كمية هائلة من المعدات الزراعية وبنكاً للبذور.

وتصرّح ألافيردوفا أن إجمالي خسائرهم من هذه الحرب سيصل إلى أكثر من 100 مليون دولار، لكنهم لا يستطيعون إجراء تقييم لأنهم لا يستطيعون الوصول إلى ممتلكاتهم.

إنهم قلقون على مصير مئات الموظفين في المناطق المحتلة والمحاصرة مثل ميناء ماريوبول الإستراتيجي. وحاولت الشركة إجلاء عمالها من دون جدوى، ولكن أصبح الأمر متعذراً حين جرى قطع خطوط الهاتف والكهرباء والطرق المؤدية إلى داخل المدينة وخارجها. هم لا يعرفون عدد الذين تمكنوا من الخروج أو عدد الذين ما زالوا عالقين هناك. ولا يملكون أدنى فكرة أيضاً عما حدث لمعداتهم ومخازنهم.

في الوقت الذي اقتحمت فيه القوات الروسية ماريوبول لأول مرة، كانوا يملكون 3000 طن ، أي ما يوازي مليون دولار، من القمح على متن سفينة شحن عامة ترفع علم جامايكا كانت متجهة إلى إسبانيا.

وأفادت تقارير إعلامية أوكرانية بأن الطاقم المؤلف من أشخاص سوريين، وقعوا في قبضة انفصاليين روس ومصيرهم مجهول.

كما أن مصير القمح الموجود على ظهر السفينة غير معروف أيضاً.

وتضيف: "ليس لدينا أي فكرة عما حدث، ونجهل مكان السفينة، لقد اختفت ببساطة [فقد أثرها]".

خاركيف

بالعودة إلى خاركيف، تُواسي لوبوف ماشيتها الجريحة التي جعلتها الألغام الأرضية والقصف وإطلاق النار عرجاء. وتتبعها تلك القطعان مثل الحيوانات الأليفة: وكأنها تملك قوة مغناطيسية لا تقاوم تجذبها إليها.

وتقدّر لوبوف أن القتال واحتلال أرضها كلفها حوالى نصف مليون دولار، وهو مبلغ لا تستطيع توفيره ببساطة.

لقد قام عمّال حكوميون مولجون بإزالة الألغام وبطهير الحقول من الألغام الأرضية والذخائر غير المنفجرة، وهكذا يمكن المضي قدماً في الحصاد.

بيد أنّها تتساءل: "ولكن ما الهدف من ذلك، إذا لم نتمكن من البيع؟".

 

"نحن نتحدث عن خسارة ثلاثة محاصيل محتملة"

في كييف، قال نائب وزير الزراعة إنهم يعملون على مخططات إبداعية جديدة لإخراج الحبوب بما في ذلك إحياء خط سكة حديدية يعود إلى الحقبة السوفياتية ويتّجه نحو جنوب رومانيا. هم يريدون أيضاً بناء محطات [صوامع] حبوب عبر الحدود مع الدول الأوروبية مثل بولندا، في محاولة لجعل عملية التفريغ وإعادة التحميل في قطارات الحبوب أسهل وأقل تكلفة.

ولكن في النهاية، لا وجود لعربات سكك حديدية كافية في أوروبا أو سعة في موانئها لكي تتلقى جميع صادرات أوكرانيا أيضاً.

وفي ذلك السياق، يقول دميتراسيفيتش: "بالنسبة إليّ، الحل الأفضل والوحيد هو هزيمة روسيا، ثم إزالة الألغام من الموانئ".

"وفي انتظار حدوث ذلك، تُعدّ هذه المشكلة عالمية".

وعلى نحو مواز، تتوسط تركيا وروسيا لإقامة صفقة تهدف إلى فتح البحر الأسود مرة أخرى أمام الصادرات الأوكرانية. وقال وزير الدفاع التركي خلوصي أكار هذا الأسبوع إن الجانبين اتفقا على سبل لضمان سلامة مسارات الشحن التي ستسلكها السفن المحملة بالحبوب.

لكنّ الأوكرانيين يشككون في نجاحها. فالثقة مفقودة تقريباً.

إذاً، كل ما يمكن للمزارعين فعله هو الانتظار.

"صرّح عدد كبير من المزارعين منذ اليوم الأول في الحرب أن ميدان الحرب يدور في عقر دارهم: في حقولنا. نحن نحمي الأمن الغذائي في أوكرانيا والعالم. ويقول شيبانوف في دنيبرو، وهو محاط بكميات هائلة من دوار الشمس: "إذا لم يتمكن أحد من بيع محصوله، فلن يستطيع أحد أن يزرع، وهذا بدوره يعني أن لا أحد سيحصد".

"في الوقت الحالي، بدأ العالم يرى عواقب ما يحدث. في الواقع، ازدادت أسعار المواد الغذائية، والجوع آخذ في الارتفاع ".

"وهذه كارثة إنسانية علينا وعلى العالم بأسره".

© The Independent