Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

مصر "المصدومة" تسأل: لماذا بات القتل وسيلة لانتقام "صغار المحبين"؟

هناك اعتقاد سائد بأن الأنثى ملك للذكر وحين آفاق الرجل على أن المرأة أصبحت تنازعه سطوته شعر بالصدمة وترنّح

قصة حب بين إسلام محمد وسلمى بهجت انتهت بجريمة قتل (مواقع التواصل)

خلطة شيطانية تحوي مكونات غير قابلة للمقارنة، فما بالك بالاندماج لتشكل منظومة قيمية احتار في فهمها الناس وعجز عن تحليلها العلماء؟ عقود من تجريف العقول وتدهور التعليم وانشغال الأسرة بأمور غير التربية والتنشئة واستلاب الدين لصالح مجموعة من البشر هيمنت على العقول وسيطرت على الأفئدة نجمت عنها أجيال شابة معلقة بين سماء القيم المرتبكة وأرض الواقع القريب من أفلام الخيال الهزلي.

ظنت مصر أن أقصى درجات الكوميديا السوداء هو انتفاض البعض عن بكرة أبيهم قبل أسابيع تعاطفاً ودفاعاً عن الشاب محمد عادل الذي نحر زميلته نيرة أشرف نهاراً جهاراً بسبب رفضها له، لكن مصر كانت مخطئة، فقد كان الجميع على موعد مع قدر أوفر من السواد قبل أيام حين أقدم طالب جامعي على طعن زميلته نهاراً جهاراً أيضاً لأنها رفضت الارتباط به ولم تبادله مشاعر الحب.

أن يكون القاتل متديناً

حب الأجيال الشابة لا يقف وحيداً في قفص الاتهام الصادم. سهام "كيوبيد" لم يعد لها وجود إلا فيما ندر، لكن هناك وفرة في سكاكين الغرام ومطاوي الهيام. فمشاعر الحب منذ فجر التاريخ إما متبادلة أو من طرف واحد. منها ما ينتهي، ومنها ما يتعثر، ومنها ما يستمر لحين إشعار آخر، كما أن جرائم القتل معروفة ومدونة أيضاً منذ فجر التاريخ. منها ما يندرج تحت بند الجناية المؤسفة، لكن العادية على اعتبار أن الحياة لا تخلو من جرائم، بما فيها القتل. ومنها ما يشيب له الولدان وتقشعر له الأبدان ويدفع هواة الفهم والتحليل إلى حافة الجنون. أما أن يتحول الحب المرفوض إلى مدعاة لسفك الدماء بسهولة، فهذا أمر عجيب.

أمر عجيب آخر يقف في قفص الاتهام إلى جوار حب الأجيال الشابة. إنه الاستعاذة بالله من الشيطان الرجيم والتوكل على الله قبل نحر الحبيب. المتعاطفون مع قاتل نيرة أشرف قبل أسابيع لا تفوتهم فرصة إلا ودقوا على أوتار "تدين" القاتل، وعدم حجاب المقتولة وعملها في مجال عرض الأزياء على اعتبار أن عدم ارتداء الحجاب والعمل في عروض الأزياء يخففان فداحة القتل، لا سيما حين يكون القاتل "متديناً".

الزج بدرجة التدين التي تبرئ القاتل وتدين المقتول طبقاً لمعايير يطلقها المتابعون عبر التلصص على صفحات الـ"سوشيال ميديا" والبحث عن كلمات مفتاحية في تصريحات أهالي وأصدقاء وجيران القاتل مثل "متدين" أو "حافظ لكتاب الله" أو "يصلي في المسجد" وغيرها باتت تشكل مسماراً مؤلماً في حوادث القتل الصادمة الغريبة الأخيرة.

آخر ما يمكن أن يطرأ على بال هو أن يبادر أحدهم بالقفز خطوة إضافية في منظومة التدين وعلاقتها بنحر أنثى رفضت الارتباط بقاتلها. هذه المرة القتيلة ترتدي الحجاب، وهو ما أغلق الطريق أمام ذريعة عدم التزام المقتولة بغطاء الرأس ما يخفف من فداحة الذبح أو الطعن.

رفض الرفض

طالبة كلية الإعلام سلمى بهجت (20 عاماً) قتلها زميلها إسلام محمد في مدخل عمارة سكنية بمدينة الزقازيق (شرق دلتا النيل) بعد مشادة كلامية لأنها أصرّت على رفض الارتباط به. كتب أحدهم تغريدة مفادها أن ما جرى في الزقازيق ليس النهاية، بل بداية محتومة طالما الناس يصرون على اختلاط الجنسين، وعدم ارتداء النقاب، وعدم فرض رقابة صارمة على الفتيات، وعدم خروجهن إلا مع وجود محرم، وقائمة طويلة من القواعد التي سنها في تغريدته، والتي أطربت عدداً لا بأس به من متابعيه حتى إنهم أعادوا نشرها على سبيل "تعميم الفائدة".

"فائدة" أخرى خرج بها المهتمون برصد وتحليل ما يجري في المجتمع المصري من تغيرات من خلال متابعة ردود الفعل المجتمعية على الجرائم، هذا القدر من "التدين" الذي "أصاب" المجتمع اكتفى في عديد من أوجهه بالملابس وآثار السجود الجلدية على جباه الرجال.

وبحسب ما جاء في دراسة لأستاذة الفلسفة ورئيسة تحرير دورية "رؤى مصرية" إيمان مرعي تحت عنوان "التغيرات الاجتماعية والثقافية في المجتمع المصري"، فإن التدين الشكلي من أبرز ما أصاب المجتمع في العقود القليلة الماضية".

وعلى الرغم من أن "التدين في مصر سمة أصيلة وقديمة قدم الأديان، فإن النمط السائد حالياً من التدين يقترن في كثير من الأحيان بغلبة التصورات الميتافيزيقية والقناعات الخرافية والشعبية، فضلاً عن ازدواجية التمسك المفرط بالعبادات من دون المعاملات. ويبدو أن السمة الأهم في هذا السياق هي نزعة التشدد الديني وانتشار مظاهره في الشارع المصري متمثلة في المبالغة بالمظاهر الدينية على نحو لم يألفه المصريون من قبل، وبما أفضى إلى توترات عديدة شهدها المجتمع".

سبع سماوات

التوتر الأحدث المتمثل في الشاب إسلام محمد قاتل زميلته سلمى بهجت قبل أيام، وهو يمسك بسكين ملطخ بدماء من أحبها ويتحدث في الهاتف المحمول في مدخل العمارة التي طعنها فيه حتى الموت يشي بكثير. فعلى مدار أسابيع دأب الشاب على كتابة تدوينات تشي بمشاعره تجاه الطالبة ورفضها له بعد فترة ارتباط أثناء الدراسة ثم تهديد بما سيحدث لها. وضمن ما كتب، "اضحكي وافرحي إنك طلعتي الثانية على الدفعة وامتياز مع مرتبة الشرف مع إني كنت مسؤول عن كل درجات العملي على مدار سنة ثالثة ورابعة. أتى أمر الله فلا تتعجلوه. أقسم بالسبع سماوات سأزلزل عرش الله نفسه من بشاعة نهايتك. ويومها وبكل قوة سأقول للعالم وبكل قوة: فلتقوموا بالإعدام".

حكم الإعدام الذي صدر قبل أيام في حق قاتل طالبة المنصورة نيرة أشرف على يد زميلها محمد عادل صحبته كلمات تقول كثيراً عما يجري في المجتمع قلما تصدر عن قاضٍ. رئيس محكمة جنايات المنصورة المستشار بهاء الدين المري قال، "دنيا مقبلة زخارفها، وإنسان متكالب على مفاتنها، مادية سيطرت، فاستلبت العقول وصار الإنسان آلة. يقين غاب، وباطل بالزيف يحيا، وبيت غاب لسبب أو لآخر، والمؤنسات الغاليات صرن في نظر الموتورين سلعة، والقوارير فواتير، ونفس تدثرت برداء حب زائف مكذوب، تأثرت بثقافة عصر اختلطت فيه المفاهيم. الرغبة صارت حباً، والقتل لأجله انتصاراً، والانتقام شجاعة، والجرأة على قيم المجتمع تسمى حرية مكفولة، ومن هذا الرحم، ولد جنينا مشوهاً. وقود الأمة صار حطبها".

مفاهيم عجيبة ومنطق أعجب

وقود الأمة من الشباب محاصرون بمفاهيم عجيبة ومنطق أعجب. فالطالب الذي نحر زميلته طالبة المنصورة دأب على محاصرتها برسائل الحب واللين تارة والتهديد والوعيد تارة، لكنها لم تستجب. فبين "محتاج لك جداً، وأعدك أنك سترين إنساناً جديداً. تغيرت جداً في الفترة الماضية. اقترفت كثيراً من الأخطاء لكن أنجزت أشياء أحلى. وحشتيني ووحشني صوتك"، و"أنت ملكي يا... بمزاجك أو غصب عنك، ولن يلمس مخلوق شعرة منك غيري، ولن يقترب منك ذكر. جربي تدعي أحداً يقترب منك، أو أنت تقتربين من أحد! ستسمعينني ولو غصباً" تقول مشاعر "الحب" كثيراً.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

الحب المتعصب أو المتطرف أو المشوه ينتشر بصمت شديد كالخلايا الخبيثة بين الشباب والشابات. أستاذة الفلسفة إيمان مرعي تشير إلى التعصب وأحادية الرؤية اللذين يطلان بقوة في المجتمع. تقول، "يبدو اتجاه التعصب قائماً في حياة المصريين بشكل عام، وجوهر ذلك هو غياب الحوار وعدم التسليم بحق الآخر في الحرية والتفكير والاعتراف بحقه في إبداء الرأي. ومن ثم فإن النظرة الأحادية التي تؤثر في التكوين الثقافي للمصريين غالباً تنهي المناقشات بالخلافات، وربما الخصومة". وعلى الرغم من أن مرعي تشير في ورقتها إلى التعصب السياسي الذي قد ينتهي بالخصومة، فإن كلامها يسري كذلك على التعصب في الحب ورفض الرفض والذي قد ينتهي بالقتل.

أستاذ الطب النفسي محمد مهدي يحلل المشهد في ضوء "نرجسية" الشاب العشريني، أي شاب عشريني يهيم حباً بفتاة ويرفض أن يرفض لأنه يظن أنه الشخص الأهم في الكون. يقول، "مثل هذا النموذج من الشباب يعتقد أن العالم يدور حوله. هو أهم شخص، وأي لعبة كان يطلبها في طفولته يتم شراؤها فوراً. فكيف تأتي فتاة وتقول له (لا) على الرغم من أنها قالت له (نعم) من قبل؟ إما تتزوجه وإما يقتلها"!

هنا دارت المعركة

ويرى مهدي أن "المرأة مرت بمراحل متصاعدة من التحرير، ثم إلى التغليب. وحين آفاق الرجل إلى أن المرأة استقوت وتغلبت وأصبحت تنازعه قيادته وسطوته شعر بالصدمة وترنح وفقد توازنه وراح يستعيد عوامل سيطرته وقوته. وهنا دارت المعركة. وحين سخرت المرأة منه ووقفت أمامه في عناد، لم يجد حلاً إلا القتل حسياً أو معنوياً أو كليهما. عاد الوأد الجاهلي من جديد ليس دفعاً لعار الأنثى، لكن رفضاً لعنادها واستقوائها ورفضها الانصياع لسلطته".

سلطة الذكر تتعرض لهزات عنيفة وإن كانت مكتومة في المجتمع المصري تعبر عن نفسها. المرأة تحقق نجاحات تعليمية ومهنية وابتكارية كبيرة، ناهيك بنسبة لا تقل عن 30 في المئة من البيوت تنفق عليها نساء معيلات، وشعور متصاعد لدى كثيرات بعدم الاضطرار للارتباط السريع أو المريح أو المناسب لأن في الدنيا كثيراً غير الزواج مثل الطموح المهني والترفيه والسفر وغيرها من المتع التي باتت المرأة قادرة على تحقيقها وتمويلها من دون بطاقة ائتمان عليها اسم الزوج.

في دراسة أجراها باحثون في جامعة واشنطن ونشرت في دورية "علم النفس الاجتماعي" (2015) جاء أن الرجال الذين يشعرون أو يعتقدون أن هناك تهديداً ما قد يؤثر على سماتهم الذكورية قد يعوضون ذلك بالقيام بتصرفات عدوانية، أو يعوضون هذا الشعور الدوني بلفتات صغيرة صبيانية صاخبة لجذب الاهتمام وتعويض ما يفتقدونه، وقد يفرطون في رفض كل ما يصدر عن الأنثى لمجرد فرض سطوتهم في حدود ما يملكون.

مفهوم الملكية

أبعاد ما يجري في المجتمع لا يبتعد كثيراً عن مفهوم الملكية. اعتقاد شعبي سائد بأن الأنثى ملك للذكر. الزوجة يملكها الزوج، والابنة يملكها الأب والأخ والأعمام، وفي ضوء التغيرات المجتمعية، المحبوبة يملكها المحبوب. ولأن المالك يقبع عادة في منزلة أعلى من المملوك، فإن المجتمع – بما فيه الفئات الرافضة للعلاقات العاطفية قبل الزواج - يعتبر المملوكة دائماً مخطئة. فهي إما لا ترتدي الحجاب لذلك فتنت المحبوب وقتلها، أو أنها وعدت المحب ولم تف بوعدها، وبحكم كونه مالكاً فإنه معذور فيما فعل.

الكاتب الصحافي حمدي رزق كتب تحت عنوان "حبيبتي سلمى"، "قبل أن تجف دماء سلمى، خرجت الأفاعي من جحورها تلتف حول جثمان المغدورة بفحيح كريه: أصله كان يحبها، حتى شوفوا كاتب اسمها (سلمى حبيبتي) مرتين، مرة على صدره الذي يحتوي على قلبه المذبوح يرفرف بحروف اسمها، ومرة على ذراعه التي كان يحميها بها من الذئاب المنفردة" في إشارة إلى ميل قطاعات في المجتمع لتبرئة القاتل الذكر المسكين المحب المطعون في كرامته.

ويضيف، "القاتل حبيب مخلص، والمغدورة خائنة حكت أنفه وذبحته بالرفض. وتوالياً، كان يساعدها ويساندها، ولكنها... ولكنها، ولكنها ودور صعبانيات من قرشانات (فيسبوك)، وتنويعات (فقه القفة) من إصدارات (جماعة الشوال)، و (البسي قفة يا بت وانتي خارجة من بيتك). بالمناسبة سلمى محجبة"، وذلك في إشارة لنصيحة عميد كلية الدراسات الإسلامية الأسبق و"نجم" التلفزيون والـ"سوشيال ميديا" مبروك عطية للفتيات والنساء بارتداء شوال قبل الخروج من البيت لحماية أنفسهن.

حماية الأنثى لنفسها عبر الملابس مفهوم حديث نسبياً في المجتمع المصري، وهو وارد موجة التدين الذي غمر البلاد والعباد في سبعينيات القرن الماضي ووصلت أوجها هذه الآونة. وقد تحولت منظومة الملابس النسائية من منظومة حماية من التحرش والاعتداء إلى منظومة لتبرئة الساحة من اتهامات الفجور أو تلميحات إثارة الفتنة لدى الذكور مسلوبي الإرادة.

الرجولة والذكورية المريضة

أصوات قليلة، لكنها عالية، تغرد خارج سرب القاعدة المريبة الباحثة عن تبريرات قتل النساء تارة باسم "مسكين إنه يحبها"، وأخرى "لم تكن ترتدي الحجاب أو النقاب"، وثالثة "الرجل مسلوب الإرادة أمام الفتنة والإغواء". أحد هذه الأصوات الكاتب سامح عسكر الذي يرى عواراً كبيراً في مفهوم الرجولة. كتب، "في ضوء عمليات القتل الأخيرة للنساء، يجب أن يعرف الجمهور الفرق بين الذكورية المريضة وبين الرجولة. التعليم الديني والشعبي جعلهما واحداً. وبات كل شاب كي يحقق الرجولة، عليه أن يضرب الأنثى ويقهرها ويؤذيها بشتى الطرق بدعوة الخوف عليها. والأسرة تسهم للأسف بجهلها في هذا الانهيار. الرجولة هي أن تحصل الأنثى بوصفها الحلقة الأضعف في المجتمع بدنياً ومالياً وسلطوياً على قدر كبير من الاهتمام والدفاع. أما الذكورية المريضة فتعني الهيمنة والسيطرة، وأن على المرأة أن تدفع من حريتها وكرامتها ودمائها ثمن الرجولة المزعومة لهذا المجرم".