Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

ألم تستخلص الحكومة البريطانية أية عبرة مما حدث مع مو فرح؟

وزيرة الداخلية بريتي باتيل وزملاؤها يمعنون في الدفاع عن الكذبة القائلة بأن اللاجئين ليسوا سوى مهاجرين بدوافع اقتصادية يسعون إلى مستقبل أكثر إشراقاً في المملكة المتحدة

اكتسبت منصته الاجتماعية العامة مزيداً من الأهمية سيما أنها أتاحت للناس الاطلاع على قصته (غيتي)

شكلت الرواية التي كشف عنها مؤخراً العداء الأولمبي سير مو فرح، عن طريقة وصوله إلى المملكة المتحدة، صدمة لنا جميعاً. فقد قال إنه تم إحضاره من جيبوتي بشكل غير قانوني، وأنه أعطي اسماً جديداً، وأجبر على العمل من أجل تأمين قوته.

ومذلك الحين، اكتسبت منصته الاجتماعية العامة مزيداً من الأهمية سيما أنها أتاحت للناس الاطلاع على قصته، وتخصيص الوقت الكافي لفهم معاناته وتفاصيل حياته. سير مو يعد من الأفراد الأخيار والطيبين، فلا الصحافة ولا الرأي العام (ولا حتى وزارة الداخلية) يكنون له نيات أو سوءاً.

إنه في الواقع لأمر مخز ألا نتمكن من قول الكلام عينه للمهاجرين الآخرين الذين يصلون إلى بلادنا وهم في حال من اليأس والإحباط، بحثاً عن ملاذ آمن لهم.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

أعتقد أننا، نحن البريطانيين، يجب أن نتحمل جزءاً من الملامة، وأن نوجه أصابع الاتهام إلى أنفسنا، لأننا ببساطة لا نملك المعرفة الكافية. فإلى أي حد يا ترى ندرك طبيعة الأنظمة السائدة في أنحاء مختلفة من العالم؟ وفي حال عززنا معرفتنا بهذه الأنظمة، فهل يتغير موقفنا من أولئك الذين يبحثون عن ملاذ لهم عندنا ويلتمسون اللجوء إلى المملكة المتحدة؟

بالتأكيد، أنا لست بخبير في هذه الأمور. لكنني في محاولة لمعرفة مزيد عن الموضوع، قمت في شهر مايو (أيار) بزيارة مدينة كاليه الفرنسية، وأمضيت وقتاً في التحدث مع بعض الشبان السودانيين. كانوا يعيشون في شوارع المدينة، على أمل الوصول إلى المملكة المتحدة لطلب اللجوء.

الفكرة الغامضة

الأرقام الحكومية تظهر أن 81 في المئة من طالبي اللجوء السودانيين إلى المملكة المتحدة يتم قبولهم كلاجئين، ويمنحون الحق في البقاء في بريطانيا. بعبارة أخرى، لقد ثبت أنهم تعرضوا للاضطهاد في بلادهم أو أنهم سيكونون عرضة لخطر الاضطهاد إذا ما عادوا إليها. ومع ذلك، فقد لاحظت قليلاً جداً من التعاطف تجاههم من جانب معظم الناس.

لقاءاتي مع هؤلاء اللاجئين السودانيين دفعتني إلى التفكير لمعرفة السبب وراء ذلك. هل لدينا تلك الفكرة الغامضة والنظرة المتعالية إلى حد ما بأن إفريقيا هي قارة مريعة يرغب قاطنوها في مغادرتها، ثم نفترض أن جميع هؤلاء "المهاجرين بدوافع اقتصادية" يريدون فقط المجيء إلى المملكة المتحدة؟ هذا ليس صحيحاً، فأرقام وزارة الداخلية البريطانية تثبت عدم صحة هذا الاعتقاد، لأن 81 في المئة من طالبي اللجوء السودانيين هم لاجئون وليسوا مهاجرين لدواعٍ اقتصادية.

ولسبب ما، لم تقتنع الوزيرة بريتي باتيل بالأمر متمسكة بحقائقها الخاصة. وفيما تمعن وزملاؤها في الدفاع عن الكذبة القائلة بأن "هؤلاء الأفراد" ما هم إلا مهاجرون بدوافع اقتصادية يسعون إلى التنعم بحياة أكثر ازدهاراً عندنا، قد تكون قادرة على الإفلات بفعلتها، لأننا لا نعرف ما يكفي عن تلك القضايا بما يمكننا من دحض أقوالها بحجج مضادة.

قد نذكر في هذا السياق أن السودان كان في واجهة الأحداث والتغطيات الإخبارية قبل بضعة أعوام، لكن لا يمكننا أن نتذكر التفاصيل. ويبدو أن الصحافة والحكومة في بريطانيا راضيتان عن تقديم الدعم للمهاجرين من أوكرانيا أو من سوريا أو من أفغانستان. أعتقد أنني توصلت إلى معرفة السبب، ألا وهو أنه يوجد في كل من تلك الدول الثلاث شخص في السلطة، متفق ومجمع عليه بأنه سيئ وشرير. سواء كان ذلك بوتين أو الأسد أو طالبان. في هذه الحالات، قد يعتبر الهاربون منهم مهاجرين مقبولين ومحتملين، لأنهم ضحايا أولئك الأشرار.

"الرجل السيئ"

إضافة إلى ذلك، لقد وصلت أخبار الفظائع التي يرتكبها بوتين والأسد وطالبان إلى مسامع الناس، ما يجعلهم يتفهمون الأسباب التي قد تدفع بالسكان إلى الفرار من بلدانهم، ونحن - في الغالب - نتعاطف معهم.

لكن الواقع دائماً ما يكون أكثر تعقيداً. ففي كثير من الأوقات، لا يكون دائماً "الرجل السيئ" واضحاً للعيان. كذلك "الأخيار"، فهم ليسوا دوماً مثاليين في سلوكياتهم. فإذا ما تعرض فرد ما لضغوط مماثلة تدفع به إلى الاعتقاد أن مغادرة بلاده وكل شيء مألوف لديه هو الخيار الأفضل، فربما يجدر به التفكير في طريقة تعامله مع هذا الوضع. قد يضطر إلى اللجوء إلى الغش والتشاجر والسرقة من أجل البقاء على قيد الحياة. وقد يصاب باضطرابات عقلية خطيرة يصعب عليه التعامل معها. بالتالي يجب على المسؤولين المعنيين ألا يسارعوا إلى التعبير عن سخطهم وغطرستهم، إذا كان اللاجئون الذين نستقبلهم يبدون بلباس ملائكي أقل مما يتوقعون.

هل لمجرد أن الإعلام لا يغطي ما يحدث في السودان أو إريتريا على سبيل المثال، فلا نتعاطف نحن إلا قليلاً مع الهاربين من هاتين الدولتين؟ هل لأنه فقط لا يمكن تسمية الأشرار بأسمائهم، أو ربما لأنه من الصعب التعرف على أحدهم، لا يُحسب الفارون ضحايا؟

إن السبب الرئيس لتهجير السودانيين هو اضطهاد غير العرب منهم، إذ لطالما كان النظام السياسي في السودان غير مستقر سياسياً. وقد أدى الانقلاب العسكري في العام 2021 إلى تصعيد دائرة العنف والقتل والضرب والاعتقالات. ويحل السودان في المرتبة الـ 13 على قائمة المراقبة العالمية التابعة لمنظمة "الأبواب المفتوحة" للدول التي تُعد أكثر اضطهاداً للمسيحيين.

من هنا، فإن المواطنين السودانيين الذين يهربون من الإرهاب والعنف اللذين يمارسان في عقر دارهم، ليسوا بالتأكيد أشراراً.

المحنة الحقيقية

خلال تحدثي مع هؤلاء الشبان في مدينة كاليه عن رحلاتهم المؤلمة والشاقة، وعن أسرهم في وطنهم، والآمال التي تحدوهم في الوصول إلى المملكة المتحدة، أدركت أن ثمة مسؤولية تقع على كاهلي لجهة معرفة مزيد عن المحنة الحقيقية التي يواجهونها، وفهم الأسباب التي تجعلهم مستعدين للمخاطرة بكل شيء من أجل الحصول على الأمان الذي ينشدونه في المملكة المتحدة.

في النتيجة، إن لكل فرد الحق الكامل بالتمتع بكرامة مطلقة. وعلى الرغم من أننا نعلم أننا لا نستطيع قبول أي شخص يسعى إلى الإقامة في المملكة المتحدة، إلا أنه تقع علينا مسؤولية بذل مزيد من الجهود لإظهار تعاطفنا مع اللاجئين من دون السماح للتحيز بأن يؤثر في عملية اتخاذ قراراتنا.

ويتمثل أحد مخاوفي الناشئة من سياسة ترحيل طالبي اللجوء إلى رواندا، في أنها ببساطة لن تثني الناس عن السعي إلى الوصول إلى بريطانيا. فالمملكة المتحدة ستظل من أكثر الدول جذباً للمهاجرين، لأنه ينظر إليها في مختلف أنحاء العالم على أنها واحة سلام وحرية. مع ذلك، فإن ما ستحققه خطة الإبعاد إلى رواندا، هو التقليل من احتمال تقدمهم بطلب اللجوء عند وصولهم، بحيث سيعمدون إلى التخفي لمدة طويلة من الزمن، تماماً كما فعل الرياضي مو فرح، والدخول في دوامة السوق السوداء غير القانونية، الأمر الذي يجعلهم أكثر عرضة للاستغلال والعبودية الحديثة. هذا بالطبع لا يتوافق والسرديات التي تواصل الحكومة البريطانية تبنيها ضمن أولوياتها في التعاطي مع هذا الملف، لكن لا بد من أن يحدث ذلك عما قريب.

أخيراً آمل في أن يعمل أي من سيتقلد منصب رئيس الوزراء، على إعادة النظر في نهج الحكومة، وأن يسعى إلى فهم الأسباب الكامنة وراء فرار الأشخاص اليائسين، والاضطلاع بدور قيادي مؤثر أمام الناخبين، لجهة إقناعهم باعتماد سياسة رحيمة وعادلة تجاه اللاجئين تستند على الواقع.

تيم فارون هو نائب في "مجلس العموم" البريطاني عن دائرة "ويستمورلاند أند لونسديل"، وكان زعيم "حزب الديمقراطيين الأحرار" في الفترة الممتدة من العام 2015 إلى العام 2017

© The Independent

المزيد من تحلیل