Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

هل تصعد "عقيدة بوتين" البحرية التنافس الدولي على المحيطات؟

الرئيس الروسي أعاد صياغة "طموحات" بلاده ولوح بإمكانية استخدام القوة العسكرية واعتبر واشنطن و"الناتو" "التهديد الأكبر"

يرى بوتين أن أسطول بلاده قادر على الرد بسرعة البرق على كل من يعتدي على سيادة وحرية روسيا   (أ ف ب)

بجانب المواجهة "غير المباشرة" في الجغرافيا الأوكرانية مع الغرب، دخلت روسيا في "حرب الاستراتيجيات والعقائد" مع خصومها التقليديين بعد أن وقع رئيسها فلاديمير بوتين، الأحد 31 يوليو (تموز)، على مرسومين حول إقرار العقيدة البحرية الروسية وميثاق الأسطول العسكري الروسي، حدد الولايات المتحدة وحلف شمال الأطلسي "الناتو"، على أنهما "التهديد" الأكبر لبلاده، وذلك خلال الاحتفال بيوم "البحرية الروسية" في سان بطرسبرغ، عاصمة الإمبراطورية الروسية السابقة.

وجاء إعلان بوتين عن عقيدة بلاده البحرية الجديدة التي أبرزت الطموحات العالمية لمناطق مهمة واستراتيجية في القطب الشمالي والبحر الأسود بعد أكثر من شهر على إعلان حلف شمال الأطلسي "الناتو" للمفهوم الاستراتيجي الجديد لأعضائه، الذي تحولت فيه روسيا من دولة شراكة إلى "أكبر تهديد مباشر" للحلف العسكري في أول تعديل لمفاهيمه منذ عام 2010، ما عكس التدهور الكبير في علاقات الحلف مع موسكو على مدى العقد المنصرم.

ملامح "استراتيجية بوتين" البحرية الجديدة

وفق ما جاء في العقيدة البحرية الجديدة للأسطول الروسي المكونة من 55 صفحة، فقد نددت بشكل أساس برغبة الولايات المتحدة في "الهيمنة في المياه العالمية" و"اقتراب البنى التحتية العسكرية لحلف شمال الأطلسي من الحدود الروسية"، معتبرة أن هذا يشكل "تهديداً رئيساً" لروسيا الاتحادية.

وحددت الوثيقة الجديدة الأهداف الاستراتيجية الأكبر للبحرية الروسية، التي تشمل طموحاتها بأن تصبح "قوة بحرية عظيمة" يمتد نفوذها إلى العالم كله. ونصت على أن روسيا قد تستخدم قوتها العسكرية بشكل يتناسب مع الأوضاع في المحيطات العالمية في حالة فشل القوى الناعمة الأخرى مثل الوسائل الدبلوماسية والاقتصادية.

وبينما لم يشر بوتين في كلمته إلى الصراع في أوكرانيا، إلا أن العقيدة العسكرية استعرضت "تعزيزاً شاملاً لموقع روسيا الجيو- سياسي" في البحر الأسود وبحر آزوف، كما وضعت منطقة المحيط المتجمد الشمالي الذي قالت الولايات المتحدة مراراً إن روسيا تحاول نشر قوات عسكرية فيها، منطقة ذات أهمية خاصة لروسيا.

 

كذلك تضمنت الوثيقة الجديدة، وفق ما نقلت تقارير روسية، وجود نقاط ضمان لوجستية- فنية في البحر الأحمر، فضلاً عن التأكيد على إمكانية استخدام القوة العسكرية في المحيطات، كما نصت على تطوير مرافق الإنتاج لبناء سفن حاملة للطائرات حديثة للقوات البحرية.

ولفتت العقيدة إلى رغبة روسيا في تطوير ممر بحري "آمن وقائم على التنافسية" من أوروبا إلى آسيا يعرف بـ"الممر الشمالي الشرقي" عبر ساحل المنطقة القطبية الشمالية وضمان تشغيله طوال العام. وأكدت أنه "لا يمكن لروسيا أن تكون موجودة اليوم من دون أسطول قوي... وستدافع عن مصالحها في محيطات العالم بحزم وتصميم".

ويمتد الساحل الروسي الشاسع البالغ طوله 37 ألفاً و650 كيلومتراً (23 ألفاً و400 ميل)، من بحر اليابان إلى البحر الأبيض (شمال غربي سواحل روسيا)، كما يشمل أيضاً البحر الأسود وبحر قزوين.

ولطالما اعتبرت موسكو أن "الناتو" عدوها القديم إبان الحرب الباردة، يشكل تهديداً وجودياً لها، وبررت هجومها على أوكرانيا خصوصاً بطموحات كييف الأطلسية والدعم السياسي والعسكري الغربي لها.

وبحسب الوثيقة الجديدة فقد عُدلت العقيدة البحرية وفقاً للتحديات الجديدة والأوضاع الجيو- سياسية الراهنة في العالم، "من أجل ضمان تنفيذ السياسة البحرية الوطنية لروسيا"، وعليه أصبحت العقيدة البحرية السابقة التي اعتمدت في 17 يونيو (حزيران) 2015، "غير نافذة".

الرد على أي "اعتداء"

وبعد توقيعه المرسومين ألقى الرئيس الروسي كلمة مختصرة تعهد فيها بضم ما وصفها بصواريخ كروز من طراز "تسيركون" الروسية الفريدة للأسطول العسكري، محذراً من أن موسكو لديها القدرة العسكرية على هزيمة أي معتد محتمل.

وبعد أن أشاد بوتين بالقيصر بطرس الأكبر لجعله روسيا "قوة بحرية عظمى"، قال إنه سيتم تسليم صواريخ كروز من طراز "تسيركون"، التي تفوق سرعتها سرعة الصوت إلى فرقاطة الأميرال جورشكوف في غضون أشهر قليلة، وستستند مناطق نشرها إلى المصالح الروسية. وتابع "الشيء الرئيس هنا هو قدرة البحرية الروسية... إنها قادرة على الرد بسرعة البرق على كل من يقرر التعدي على سيادتنا وحريتنا".

وهذه الأسلحة أسرع من الصوت تسع مرات. وأجرت روسيا اختبارات سابقة على إطلاق صواريخ "تسيركون" من سفن حربية وغواصات خلال العام الماضي.

 

وفي معرض حديثه عن العقيدة البحرية الجديدة لبلاده قال بوتين، "لقد رسمنا علناً حدوداً ومناطق المصالح الوطنية لروسيا"، مشيراً إلى أن هذه المناطق تشمل أولاً وقبل كل شيء مياه القطب الشمالي والبحر الأسود وبحري أوخوتسك وبرينغ، ومضيقي البلطيق والكوريل، وقال، "سنضمن حمايتها بحزم وبكل الوسائل".

وفي وقت سابق، قال الناطق باسم الرئاسة ديمتري بيسكوف في تصريحات أوردتها وكالة "ريا نوفوستي"، إن بوتين سيقوم بعملية تفتيش تقليدية لخط عرض السفن الحربية في خليج فنلندا ومنطقة كرونشتاد، إضافة إلى حضوره العرض البحري للأسطول الروسي.

وأقيم حفل "يوم البحرية الروسية"، في مبنى متحف الدولة لتاريخ سان بطرسبرغ، تخلله بالتزامن استعراض للسفن في مناطق فلاديفوستوك وبالتييسك وسيفيرومورسك وكاسبيسك ونوفوروسيسك ومدينة طرطوس السورية.

من جانبه، قال نائب القائد العام للقوات البحرية فلاديمير كاساتونوف، إن 47 سفينة و42 طائرة شاركت في العرض الذي يهدف إلى إظهار قوة البحرية الروسية واستعدادها لأداء مجموعة واسعة من المهمات في أي منطقة من المحيط العالمي. ومن سمات العرض أيضاً مشاركة طاقم نسائي وعدد كبير من المراكب الشراعية والغواصات، إذ انتهى العرض بمرور مهيب لأطقم الاستعراض على طول الجسر المجاور لساحة ميدان مجلس الشيوخ.

هل تصعد العقيدة من "صراع البحار"؟

أحيت الحرب الروسية - الأوكرانية، زيادة التنافس بين موسكو والغرب على البحار والمحيطات، وذلك مع تبادل الاتهامات بشأن مساع للسيطرة عليها لتضييق الخناق على الطرف الآخر.

ومنتصف يوليو الحالي تحرك مشرعون أميركيون نحو وضع استراتيجية عسكرية واقتصادية واستخباراتية شاملة، لكبح جماح التحركات الروسية في البحر الأسود لاعتقادهم على نطاق واسع أن الرئيس الروسي استفاد على الدوام من منطقة البحر الأسود، التي عدها مدخلاً ثميناً لبلاده "للهجوم على دول أوروبية مجاورة".

وبحسب ما نقلت صحيفة "ديلي بيست" الأميركية، حينها، فإن مسؤولين أميركيين رأوا قبل فترة ضرورة وضع استراتيجية شاملة مختلفة للرد على الطموحات الروسية، معتبرة أن تطوير استراتيجية غربية لمنطقة البحر الأسود "من شأنه أن يردع تحركات بوتين في أوكرانيا ووقف تطلعاته للتحرك عسكرياً نحو مزيد من الدول".

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

وذكرت الصحيفة أن الرؤية الأميركية للاستراتيجية الغربية في البحر الأسود، "تشمل خططاً لزيادة قدرات الناتو فيه بما في ذلك القوات البرية والجوية والمساعدات العسكرية لأوكرانيا ورومانيا وبلغاريا وجورجيا، وهي دول مطلة على البحر الأسود"، فضلاً عن العمل على تعزيز التنسيق الاستخباراتي والإعلامي بين دول "الناتو" لتتبع العمليات الروسية في البحر الأسود.

ونقلت الصحيفة عن نائب مساعد وزير الدفاع الأميركي السابق لأوروبا وحلف شمال الأطلسي، إيان بريجنسكي قوله، "لو كانت الولايات المتحدة والحلفاء قد طوروا استراتيجيتهم في منطقة البحر الأسود منذ سنوات ربما كنا لا نواجه حرباً في أوكرانيا الآن"، موضحاً أن "ضعف تلك الاستراتيجية قد أثار بالفعل روسيا ودفع بوتين إلى أن يصبح أكثر عدوانية"، على حد تعبيره.

من جانبه، قال ميت رومني، السيناتور الجمهوري، المرشح الرئاسي السابق للصحيفة، إن "البحر الأسود أصبح حرجاً بشكل متزايد مع استمرار الرئيس بوتين في شن حربه غير المبررة في أوكرانيا. وأصبح من الواضح أنه يجب أن يكون للولايات المتحدة استراتيجية ووجود في المنطقة"، مضيفاً، "التشريعات الأميركية تهدف إلى تحقيق ذلك من خلال مطالبة إدارة بايدن بتطوير استراتيجية لتعزيز التنسيق بين واشنطن وحلف شمال الأطلسي والشركاء في البحر الأسود في محاولة لزيادة الأمن ودعم الازدهار الاقتصادي وتعزيز الديمقراطية".

 

ويرى غربيون أن استفادة بوتين الدائمة من السيطرة على منطقة البحر الأسود دفعته لغزو جورجيا المطلة على البحر الأسود عام 2008، وضم شبه جزيرة القرم عام 2014، فضلاً عن تمكنه من شن الحرب في أوكرانيا التي بدأت في فبراير (شباط) 2022.

كذلك تجلت المنافسة الروسية - الغربية على السيطرة على الممرات الملاحية في أفريقيا وتحديداً في السودان، على وقع الطموحات الروسية لبناء قاعدة عسكرية في ميناء بورتسودان، بحسب ما جاء في مجلة "فورين بوليسي" الأميركية قبل أيام.

وبدأ التفاوض حول تلك القاعدة البحرية عام 2017 بين الرئيس في حينه عمر البشير وبوتين، لكن المفاوضات توقفت بعد الإطاحة بنظام البشير عام 2019. وفي نهاية عام 2020، نشرت موسكو نسخة موقعة من طرف واحد عن اتفاق مدته 25 عاماً لبناء قاعدة بحرية أظهرت سماح السودان لروسيا بالحفاظ على أربع سفن عسكرية على ساحل البحر الأحمر السوداني. وبالمقابل ستزود موسكو الخرطوم بالمعدات العسكرية ومساعدات أخرى. ولكن قائد الجيش السوداني الجنرال محمد عثمان الحسين، قال في يونيو 2021، إن الاتفاق تحت المراجعة، مشيراً إلى أن المجلس التشريعي الموكل بالمصادقة على اتفاقيات كهذه لم يشكل بعد.

ووفق "فورين بوليسي"، فإن الجهود الروسية في الحصول على موطئ قدم لها في البحر الأحمر الذي يمر عبره 30 في المئة من سفن الحاويات كل عام، "فشلت في الوقت الحالي"، ونقلت عن مسؤول استخباراتي أميركي قوله، "نرى أنه من غير المحتمل تمرير صفقة بورتسودان في أي وقت في المستقبل القريب، إلا أن موسكو تحاول في أكبر احتمال البحث عن بدائل لو لم تنجح صفقة بورتسودان".

وفي عام 2018، عقد وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف اجتماعاً مع نظيره الإريتري عثمان صالح، ناقشا فيه إنشاء مركز لوجيستي على الساحل الإريتري من أجل التجارة والزراعة ويمكن أن يقود إلى تعاون عسكري.

ويشار إلى أنه في يونيو الماضي أعلن حلف شمال الأطلسي "الناتو" وثيقته الجديدة للمفهوم الاستراتيجي للحلف، والأولى منذ عام 2010، التي تحولت فيها روسيا من دولة شراكة إلى "أكبر تهديد مباشر".

واتهم الحلف في وثيقته موسكو بالسعي إلى "إقامة مناطق نفوذ والسيطرة المباشرة من خلال الإكراه والتخريب والعدوان والضم"، وقال إن موسكو تستخدم وسائل تقليدية عسكرية وإلكترونية وهجينة لتحقيق هذه الأهداف. كذلك جاء في المفهوم الاستراتيجي للحلف أن "تعزيزات موسكو العسكرية في مناطق البلطيق والبحر الأسود والبحر المتوسط إلى جانب تكاملها العسكري مع بيلاروس، تشكل تحدياً لأمننا ومصالحنا".

وتعهد الحلف في وثيقته الجديدة بالعمل "بشكل كبير على تعزيز وسائل ردع ودفاع رداً على تحركات روسيا".

المزيد من دوليات