Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

كيف قضى بوريس جونسون ليلة "خميس السقوط"؟

حكايات عن "روجر بارلو" وشكسبير وتشرشل وزفاف مرتقب بعد الاستقالة

تمثال من الشمع لبوريس جونسون أمام مقر رئاسة الحكومة البريطانية في 10 داونينغ ستريت مع لافتة تقول أن الوظيفة شاغرة (رويترز)

بإمكاني تصور أن رئيس الوزراء البريطاني الذي لا ندري كيف قضى ليلة الخميس السابع من يوليو (تموز)، قد فكر مثلاً في عبقرية واحد من أهم الشخصيات في التاريخ الإنجليزي، وليام شكسبير، فثمة سيرة معطلة كان يجب على بوريس جونسون أن يكملها في عام 2019، لكن ذلك لم يتم، إذ كان مفترضاً أن يصدر كتاب "شكسبير... لغز العبقرية" في 20 يونيو (حزيران) 2020، وتأخر، ثم كاد يتلاشى، قبل أن تتصاعد بعض الأقاويل أن بوريس يبحث عن شخص ما يمكن أن يكمل هذا المشروع الذي قدر مبدئياً بـ320 صفحة و130 ألف كلمة، تروي لنا ما يمكن أن نتصوره استعادة للمجد والعبقرية والعظمة والجنون، وأشياء من هذا القبيل، ما يمكن أن يعكس بشكل آخر، أو يمثل مرآة سيرى فيها الكاتب صورته الشخصية، فمن المدرك أن كتابة سيرة للآخرين، ليست إلا تأملاً بوعي أو بقدر من الحذر للذات.
عشية الاستقالة هناك أحاديث في الصحف البريطانية عن أن بوريس جونسون قد يتجه إلى بناء شخصيته من جديد من خلال العودة إلى مهارته ككاتب صحافي، وإلقاء المحاضرات، وقد يكون ذلك بدايةً لمرحلة جديدة للرجل الذي طالما كان مليئاً بالثقة بالنفس والغرور الذاتي الذي لا يجعله يشعر بفقدان الأمل، لهذا سيكون الوقوف عند شكسبير في تلك الليلة ممكناً، تأملاً في التراث الثقافي البريطاني والإنساني وأسرار العبقرية التي بقيت حية في الذاكرة البشرية وأثرت في العالم عامة لأربعة قرون متتالية بعد وفاة صاحبها، حيث تحولت إلى ظاهرة أدبية يصعب تجاوزها.

تشير صحيفة "ذا تايمز" في تقرير نشرته، الجمعة الثامن من يوليو (تموز) الحالي، إلى أن بوريس جونسون قد يكسب ما يقدر بثلاثة ملايين جنيه استرليني خلال العام المقبل بعد أن يكون قد غادر منصبه الحالي، وذلك من خلال رهان الكاتب والمتحدث الذي سيلقي المحاضرات ويعرض حكمته على العالم، وفي نظر الصحيفة فإن هذا كله قد يشكل استعداداً للقفز فوق المركب من جديد بعد أن يكون قد رمم صورته أو أعاد رسمها، ولا تأكيد على ما سيحدث في المستقبل، فكل الاحتمالات مفتوحة، ففي صورة دونالد ترمب على الجانب الآخر، ما يشابه ذلك، في أنه خسر الانتخابات الأميركية أمام غريمه الديمقراطي جو بايدن، لكنه لم يفقد الأمل بأن يعود رئيساً من جديد للولايات المتحدة في عام 2024.

الساعات الحاسمة

48 ساعة كانت حاسمة لتضع الرجل الذي شغل "أفضل وظيفة في العالم" أمام الخيار الصعب، إذ يأتي التقدير لكون منصب رئيس الوزراء البريطاني هو "الوظيفة الأفضل" من خلال البيان الذي أعلن فيه بوريس جونسون قرار استقالته من رئاسة حزب المحافظين، وفتح الطريق لسباق جديد يضع سائر الاحتمالات لمستقبل بريطانيا التي عاشت معه فترةً مليئةً بالمصاعب والتحديات الضاغطة على الصعيدين السياسي والاقتصادي، ما انعكس على المجتمع الذي وجد نفسه تحت طائلة الديون والتضخم المتصاعد مع ارتفاع أسعار السلع والطاقة. وكان العبور أولاً بجائحة كورونا التي عقدت الوضع، ومن ثم الحرب الروسية على أوكرانيا التي أثرت على مجمل الخريطة العالمية في احتمالات لا تزال مفتوحة إلى الآن، إلى درجة أن روسيا التي تتباهى بأنها دولة نووية، حذرت من أن أي حرب عالمية ثالثة ستكون لندن فيها هي الهدف الأول لبوتين.
غير أن البداية لم تكن بالاستقالة التي أتت بمثابة الرصاصة الأخيرة الموجعة، بل تلك التي جاءت ما بعد ظهيرة يوم الثلاثاء الخامس من يوليو ودفع بها وزير الصحة البريطاني ساجد جاويد، تلتها استقالة وزير المالية ريشي سوناك، ليتوالى سيل الاستقالات التي فاقت الخمسين خلال تلك الساعات الحاسمة التي وضعت الرجل الذي كان يراهن إلى اللحظة الأخيرة على الملتفين حوله من رجالات المحافظين والثقة الشعبية التي سبق أن جاءت به من قبل. فالضغوط لطالما تتالت من خلال سلسلة من الهزائم والفضائح التي ضعضعت حلم بوريس وجعلته يتخذ في النهاية هذا القرار الصعب والحزين بالنسبة له شخصياً، فما أصعب أن تترك "الوظيفة الأفضل في العالم"، في إشارة إلى استعادة صورة بريطانيا العظمى، "فإذا كان من يشغل منصب رئيس الوزراء هنا هو الأفضل، فالمعنى أننا الدولة الأعظم، البلد الذي لن يعجز عن إنجاب المواهب والقيادات"، وفق ما ما جاء في خطاب الاستقالة الذي أدلى به جونسون.
هكذا في مزيج من محاولة نسج الاعتذارات المغلفة دون تصريح واضح، عما سلف ووضع صورة المستقبل الأفضل للشعب البريطاني، كان رئيس الوزراء يفكر بصوت عالٍ أن ثمة حرجاً قد حدث وأن الثقة التي راهن عليها قد انقطعت عُراها، لكنه في ما جرى، وربما سيجري، هو المسؤول عن كل ذلك، إذ إنه لو كانت الأوضاع على وتيرة أخرى، لربما لو لم تكن هذه الحرب الطارئة في أوكرانيا، وهي ليست كذلك، أو لربما لم يكن ما ترتب من "مأزق" عن الخروج من الاتحاد الأوروبي "بريكست"، وهو ما لن يعترف به بوريس، أو لربما لأسباب أخرى... إذن لكان كل شيء مختلفاً تماماً.

هذه ثلاث قضايا شاغلة، اختصرت فيها وزيرة الخارجية البريطانية ليز تراس نجاحات بوريس جونسون، فقد استطاع أن يخرج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، وأن يوزع اللقاحات، وأن يدعم أوكرانيا، لكن يبقى السؤال ما الذي شعر به البريطانيون مباشرةً وهم الذين على الطرف الآخر ظلوا صامتين لفترة؟ وفي كل الأحوال فإن بوريس اختار "القرار الصائب"، وفق ليز تراس.
لم تخلُ عناوين الصحف البريطانية من لهجة المضاضة، المترتبة عن الإحساس بألم لم ينتهِ بعد، كما جاء في صحيفة "ذا غارديان" التي كتبت أن "الخبر الجيد هو أن أسوأ رئيس وزراء في تاريخ بريطانيا سيرحل، لكن الخبر السيئ أنه لم يرحل بعد"، في حين فتحت بعض العناوين أوجه التشابه بين ترمب وجونسون، وكيف أن كل منهما انتهى إلى مصير مؤلم على الرغم من الطموحات والأحلام التي دخلا بها المعركة في البداية.


تشرشل و"بريكست"

قرابة ثلاثة أعوام بالتمام والكمال مضت، ففي يوم الأربعاء 24 يوليو 2019، تسلّم بوريس جونسون في قصر باكنغهام، مهامه رسمياً على رأس الحكومة البريطانية، بعد أن قدمت تيريزا ماي استقالتها، ودخل بطموح المخلص معتمداً على فكرة "بريكست" التي وضعت التاريخ البريطاني أمام مرحلة جديدة اعتبرها محللون سياسيون الأهم منذ الحرب العالمية الثانية.
من المعروف أن الرجل كان حلقة مهمة في هذا المشروع "المجنون"، إذ إنه منذ عام 2016 برز بوصفه من الشخصيات الأساسية في حملة التصويت الهادفة إلى انسحاب المملكة المتحدة من الاتحاد الأوروبي، كما أن بوريس كان من أبرز المرشحين لمنصب رئيس الوزراء على أثر استقالة ديفيد كاميرون التي أعقبت تصويت البريطانيين على "بريكست" الذي جرى بتاريخ 23 يونيو 2016، بل وصف ذلك الحدث بأنه "يوم استقلال بريطانيا" في دلالة جلية على بهجة لا مثيل لها.

في تلك الأيام كان جونسون يعد نفسه لكي يصبح زعيماً، لولا أن المياه جرت تحت الجسر، ولكن في الاتجاه المعاكس، فقد صارت تيريزا ماي رئيسة الوزراء، إذ تولت منصبها في 13 يوليو 2016. واتخذ بوريس من صورة زعيم بريطانيا العظيم ونستون تشرشل، ليرى من خلالها تصوره الذاتي لفكرة الزعيم الذي يمكن أن يصبح مثله في المستقبل القريب (تولى تشرشل منصب رئيس الوزراء بين عامي 1940 و1945، ومن ثم 1951 و1955). ومهّد بوريس لصناعة صورة الزعيم، من خلال كتابه الذي أصدره في 2 يوليو2015 بعنوان "دور تشرشل... كيف صنع رجل واحد التاريخ؟"، في 432 صفحة، وحقق وقتها مبيعات تجاوزت ربع مليون نسخة، على الرغم من أن النقد الأكاديمي لم يرحم الكتاب الذي رأى فيه تاريخاً كسولاً. وكما يحدث عادةً في كتابة السيرة، فإننا نتحدث عن أنفسنا، وبدا كما لو أن جونسون يفعل الشيء ذاته، ويمهد لنفسه الطريق ليصبح وزير الخارجية أولاً.
وفسر الكاتب جون كاسيدي في مقال له بمجلة "نيويوركر" الأميركية أن بوريس جونسون "يرغب في أن يراه البريطانيون مثل ونستون تشرشل"، في المقابل فقد كان بفهمنا للكتابة على أنها عملية تفكير صريح مع الذات بخصوص فهم العالم، أن بوريس كان يبحث عما سمي دور أو "عامل تشرشل"، وهي النقاط أو المسائل التي صنعت هذا الشخص المميز، وما وراء ذلك ستكون مجموعة من الأسئلة مثل، كيف تصبح زعيماً؟ وكيف تستطيع أن تقود شعباً كالشعب البريطاني؟ هل هو مجرد الذكاء "الاستثنائي"، أم أنه الدأب والإصرار على أن تصنع المجد؟ وفهم أسرار القيادة وفنونها.

لعل المقاربة الثانية تتعلق بأسرار الحكم منذ أقدم العصور، هل يمكن أن يخدم التأمل في مثل هذا الشيء بأن تصنع حلمك باتجاه الطموح لأن تكون قائداً؟ هذا ما بدا جلياً من خلال الكتاب الذي جاء مبكراً في مارس (آذار) 2007 باسم "حلم روما" وركز فيه جونسون على إعادة اكتشاف الطريقة التي عملت بها روما القديمة على بناء أوروبا الحديثة، كذلك سؤال السبب الذي جعل أوروبا الحديثة تفشل في منظومة العمل المتناسق. فأحياناً يكون اللجوء للتاريخ ليس لمجرد أخذ العبر، بل لدروس حقيقية تساعد في تصور المستقبل الممكن بصورة أفضل.

السيد بارلو

بالعودة إلى ليلة الخميس، بعد ساعات من خطاب الاستقالة، فإن مجمل المشهد قد يصور لنا جونسون وهو يضع نفسه في واقع قد يكون نتاج عقلية السياسي الذي لا يخلو من البراغماتية والروائي الذي يريد أن يتصور العالم وفق هواه، ولكن في الخيال، هذا التصور لن يكون غريباً ولا مستحيلاً، فقد كان من اهتماماته أن جمع من البدايات بين التصورات ذات المنحى التاريخي بأن يتاح له رؤية الأحداث والوقائع على علاتها، وفي الوقت نفسه، يحاول أن يضع تصورات للحياة والوجود من حوله تقوم على أنساق التخيل. في هذا الإطار كان لجونسون بداية غير موفقة في كتابة رواية لم تجد شهرة كبيرة، على الرغم من أنها وزعت قرابة 50 ألف نسخة، ذلك في عام 2005، وبعدها توقف عن هذا المسار.

مزج ذاك العمل بين الأدب البوليسي والكوميدي والجريمة السياسية وقضية الإرهاب، في 338 صفحة، حاول فيها أو تأثر بأجواء عهد الرئيس الأميركي جورج دبليو بوش، وما حدث بعد سبتمبر (أيلول) 2011. قام العمل على وصف قصة اغتيال نفذها متشددون ضد رئيس أميركي وجرى ذلك في لندن عندما كان يلقي خطاباً أمام البرلمان البريطاني. فشلت المحاولة وتم احتجاز ثلاث رهائن بفضل ما بذله إعلامي ساعد في ذلك اسمه "روجر بارلو"، تحول إلى بطل قومي، ويبدو أن شخصية بارلو تكاد تتقاطع مع بوريس جونسون نفسه. وهنا سندرك أن أحد شخصيات العمل أو أبطاله قد يمثل في بعض الأحيان الكاتب نفسه، روحه وتطلعه، فهل كان يبحث جونسون أو يتخفى وراء السيد بارلو؟
يكشف التحليل المبدئي لذلك المشروع الأول في كتابة رواية "فاشلة" أو غير مستوفية لشروط العمل الأدبي وفق منظور النقد الأكاديمي، ما يهم بوريس في الأساس، سواء في هذا الكتاب أو في كتاب تشرشل، وربما في مشروع شكسبير الذي لم يرَ النور، أن نزعات الرجل تتوارى خلف النص. في ثناياه. من ذلك الاهتمام مثلاً بالعلاقة البريطانية – الأميركية، لا سيما أن بوريس كان يحمل الجنسية الأميركية أيضاً إلى أن تنازل عنها في عام 2015، إذ إنه من مواليد نيويورك في 19 يونيو 1964. في كل الأحوال فقد لخص الكاتب ديفيد سميث الأمر بأن كتب "فشل بطولي لجونسون كروائي".
وها هو السيد بارلو يجد نفسه الآن بمواجهة الواقع، إذ لا بد أن ليلة الخميس التي شهدت السقوط كانت محتدمة بمزيج من الكوابيس والقصص المتهالكة عما جرى وما لم يجرِ، كما في قصص "أحلام فترة النقاهة" لنجيب محفوظ، حيث يتداخل الخيال مع الواقع مع الأحلام. سقط بوريس جونسون، سقط بارلو في السياسة، كما كان السقوط الأدبي من قبل، لكن هل هي نهاية الطريق للرجل الذي له أكثر من روح يعيش بها وهو يتنقل بين الطموح والحلم والأمل الذي تحقق ثم تلاشى بفعل الممارسات على أرض الواقع في مزيج مع الظروف التي لم يكن لها حسبان؟ كيف تكون مكروهاً مثلاً بعد أن كنت محبوباً كما سطرها قلم بريطاني في صحيفة "ذا غارديان" كيف أنه بات يسرع لتبديل القناة على التلفزيون عندما يرى أمامه "الشعر غير المصقول... لم يعد بإمكاني الاستماع إلى صوته المزعج والنهيق وأنا أعلم كيف أنه خان واجبه تجاهي كمواطن في هذا البلد".

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)


الأصدقاء... الهزل والجد

سيبدو إذاً الرجل الذي كاد يغرق الجميع في السفينة، بعد أن فقد المقربون من حوله في ظل تسلسل الفضائح، غارقاً في الفضيحة، في سيناريو ليس محبذاً أبداً لطموح الرجل، وإن كان قد اختصر القصة في مآلات الديمقراطية كما قيل دائماً... التي سبق أن طرح أسئلة حولها في عام 2002 وهو يكتب كتابه "الأصدقاء... الناخبون والمواطنون"، فهذا الثلاثي هو الذي يحمل الإجابات التي عليه أن يقبل بها مهما كان من نتائج. وقتها قام جونسون بتدوين ملاحظاته طوال فترة عمله كمرشح محتمل خلال الحملة الانتخابية، وكانت النتيجة ما بين الصراحة والتسلية، وهو ما يعكس أسلوب الرجل وشخصيته، الجمع بين الجدية والهزل والكوميديا، كما كان في السياسة وفي كتاب الحوريات من أدب الخيال البوليسي والجريمة، إذ كيف لك أن تقتل الرئيس الأميركي داخل البرلمان البريطاني، بغض النظر عن الحجة المسماة بالخيال.
يطرح جونسون أسئلة بسيطة، حول كيف للمرء أن يصبح عضواً في البرلمان مثلاً، وعن كيفية تفكير الناخبين وكيف تُدار العمليات الانتخابية، وجملة ذلك كان يحمل تصورات أولية عن احتمالات حدثت فيما بعد، عن طموح الرجل الذي بدأ مسيرته صحافياً، وهنا يمكن الاستدلال بكتابه الآخر عام 2004 "أعطني أذنك"، أو "اصغَ إليّ" الذي حمل مقالات حاول فيها تلخيص التجربة الصحافية ليكتب في تنويعات ما بين السياسة والفن وروح العصر، لقد حكى لنا عن سقوط تاتشر ورئاسة بلير، وعلق على أدوار بريطانيا في قضايا عالمية عدة، مثل أحداث كوسوفو، وبيل كلينتون وما ترتب من آثار نتجت عن الحرب الباردة وغيرها، إضافة إلى صورة المشهد المحلي في قضية كبرى كموت الأميرة ديانا، كأنه كان يُسائل تصورات حول نهاية الثقافة ومعنى التعبير عن النفس والحرية.

سنكتشف أن التنظير غير الممارسة وغير ما تنعكس به الشخصية على أرض الواقع، وسيبدأ السؤال عن مكمن الخلل، ما الذي يجعل هذه الأفكار النظرية التي تبدو متماسكة تهتز، إلى أن يصل الرجل إلى الاستقالة التي تصفها إصدارة "ذا كونفرزيشن" التي تعرف نفسها بالصرامة الأكاديمة والذوق الصحافي، بأنها – أي الاستقالة – "لم تأتِ من العدم"، فلا شيء يولد في الفراغ بلا مقدمات، "فقد كان جونسون بالفعل يفقد الدعم من حزبه، ونجا بصعوبة من تصويت الثقة في أوائل يونيو بعد أسبوعين فقط، بدت الأمور أكثر قتامة، بعد الخسارة في مناسبتين انتخابيتين فرعيتين في مقاعد يفترض أنها مُؤمّنة". وتمضي إلى القول إن أحداث الأسبوعين الماضيين كانت هي التي قصمت ظهر البعير، بعد أن حدث مع بروز فضيحة "بينشر" في 30 يونيو عندما استقال النائب المحافظ كريس بينشر على خلفية الاتهام بالاعتداء الجنسي على رجلين في نادٍ خاص بلندن بعد أن أفرط في الشراب. وكان السؤال هل كان جونسون يجهل تاريخ الرجل الذي قيل إن لديه سجلاً مع هذا النوع من السلوك؟

لقد كان أي باب للمراوغة قد أغلق بعد أن توالت الاستقالات وكأن كل ما رسمه بوريس جونسون من أفكار في كتابه "أفكار تهمك" في عام 2008 قد انطوى منسياً في سراب الأيام، حديثه عن القيم البريطانية، والأخلاق السياسية، يضاف إلى ذلك تأصيله "القوي" لهوية لندن العجيبة في ما سماه "روح لندن" الإصدار الذي جاء عام 2012 وهو في منصب عمدة المدينة ذات الطابع الخاص، وهو ما حاول أن يحكي عنه، وثمة ملاحظة أن بوريس قام بتغيير الاسم الأول من "حياة بوريس جونسون في لندن"، وذلك قبل الأولمبياد عام 2012، ليصدر بعد التنقيح باسم "روح لندن"، إذ يرى أن تلك المدينة ليست مجرد المباني المشهورة والعتيقة، بل هي الناس "الذين قدموا، وما زالوا يقدمون، لمحة عن هذه المدينة المبهجة"، في رحلة من زمن الرومان إلى التاريخ الحديث.
إلى صبيحة الخميس كان الرجل يمارس التحدي، لكن العواصف كانت عاتية جداً. كان التاريخ في لندن يسير بطريقة أخرى، بغير ما أراد تشرشل وشكسبير، أو ربما بما أرادوه فعلاً. ولنرى ما سيحدث بعدها!

وها هو جونسون يستعد كما نقل اليوم في الأخبار لإتمام عُرسه، ربما لينسى الأحزان، فقد نقل أنه على استعداد لإقامة حفل زفافه مع زوجته كاري في الشهر الحالي.

وفي إشارة أخيرة، يبقى شهر يوليو حافلاً بالتغيرات في بريطانيا، حدث ذلك مع كاميرون، ومن ثم تيريزا ماي، وأخيراً بوريس جونسون.