طالب لجوء إلى بريطانيا اعتقل 5 سنوات ثم ترك في العراء

بعد فراره من التعذيب في زمبابوي، انتهى الأمر بكريغ بيدزاي البالغ من العمر 36 سنة رهن احتجاز كان يفترض ألا تتجاوز مدته شهرا – ولكنه طال لأربع سنوات ونصف. اليوم هو متشرد وحلمه بالقدرة على إعالة ابنته الصغرى صار أبعد من أي وقت مضى

كريغ بيدزاي وابنته (الاندنبندنت) 

ترتجف يدا كريغ بيدزاي وهو يرفع فنجان قهوة سوداء إلى شفتيه المتشققتين. وعلى الرغم أنه يرتجف بعد ثلاثة أيام لم يتذوق فيها طعام، رفض عرض تناول الغداء قائلاً بإنكليزية واضحة "لا أستطيع تناول الطعام الآن، أعاني من الكثير من الضغط". 

يبدو هذا المتحدر من زيمبابوي مرهقاً لكنه يقظ للغاية وهو يجلس على مقعد في مركز مدينة برمنغهام يحكي قصة السنوات الـ 18 التي قضاها في المملكة المتحدة. أمضى الليلة الماضية في الشارع بعد أن أطلق سراحه من مركز احتجاز المهاجرين من دون توفير مأوى له، لكن ذلك ليس إلا صفعة صغيرة مقارنة مع المعاناة التي تعرض لها. فبعد أن رُفِضت طلبات اللجوء التي تقدم بها مراراً وتكراراً، واحتجازه في مركز للترحيل لما يقرب خمس سنوات، صار يتوقع مثل هذه المعاملة.

يقول كريغ وهو ينظر إلى الأرض "في بعض الأحيان أقول لنفسي لماذا لا أتوقف؟ لقد تعبت، وجسمي منهك. لا أرى نفسي قادراً على الذهاب أبعد من ذلك. كل ما كنت أريده هو الحصول على وظيفة والبدء بالعمل من أجل ابنتي. لكنني الآن أتسكع في الشوارع من دون مأوى".

قد لا تعرف أن الرجل البالغ 36 من العمر متشرد. فشعره قُص حديثاً كما أن بقع الأوساخ على بدلة الرياضة التي يرتديها لا يمكن رؤيتها إلا عند تفحصها عن قرب. وشرح لنا أن حلاقاً قص له شعره مجاناً بعد أن قبل كنس أرضية محله، وأنه يقلب بدلته إلى الداخل عندما ينام في الليل. وفي هذا يقول "أريد أن أندمج مع الناس، لا أريد أن يعرف الناس أنني نمت في الأحراش الليلة الماضية. لا أريد أن يطلعوا على مشاكلي أبداً".

لكن يداه المرتعشتان وعيناه الغائرتان كلها علامات تشي بمحنته، كما أن الندوب على معصميه تكشف العذاب النفسي -العقلي الذي تعرض له.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

بدأت مشاكل كريغ عام 2001 عندما فرّ إلى المملكة المتحدة وهو في السابعة عشر من عمره بعد أن كان مستهدفاً في بلده الواقع في إفريقيا الجنوبية بسبب دعمه لحزب "الحركة من أجل التغيير الديموقراطي المعارض". وقد تم فعلا اعتقال والديه – أقرب أقربائه بسبب نشاطهما السياسي. واعتقلته الشرطة هو أيضاً بعد مشاركته في مسيرة.

وفي هذا الصدد قال وهو يبدو عليه ألم تذكر التعذيب النفسي والبدني وحتى الجنسي الذي تعرض له على أيدي الشرطة "أخذونا إلى الأدغال ووضعونا هناك. ضربونا ضرباً مبرحاً، ومارسوا علينا أشياء فضيعة. ما زلت أحمل ندوباً إلى اليوم. أحرقوا منزلنا وكل شيء نملكه، الذكريات والصور".

نجا بعد أسبوع من الضرب، وهو اليوم مطلوب للسلطات. لذلك وجب عليه الفرار من البلاد. وبمساعدة قريب له، تمكن من مغادرة زيمبابوي من دون أن يلاحظه أحد على متن رحلة متجهة إلى المملكة المتحدة يوم 5 أغسطس (آب) 2001.

ويتذكر قائلا "وصلت إلى المطار، ختموا جواز سفري وقالوا 'تأشيرة ستة أشهر' أو شيء كهذا. خرجت من المطار، والشخص الذي قال عمي إنه سيستقبلني لم يكن هناك. انتظرت هناك بضع ساعات ولكن لا أحداً جاء. كان الجو بارداً. ولم يسبق لي في حياتي أن سافرت إلى الخارج".

"لم أكن أعرف أي شيء عن الهجرة أو أشياء من ذلك القبيل. كنت أظن أنني سأمكث هنا لبعض الوقت فحسب. كان تفكيري مشتتاً. لم أخطط أبدا للمجيء إلى هنا، أو للمجيء لتقديم الأدلة لإثبات ما تعرضت له، كنت هاربا".

وبما أن كريغ لم يكن يعلم أنه يمكنه تقديم طلب اللجوء، فقد طلب تأشيرة طالب رفضت. بعدها طلب حق اللجوء في يوليو (تموز) 2003، لكن طلبه رفض لغياب الأدلة، وهو رفض يعزوه المحامي اليوم لضعف دفاعه القانوني.

بعدها صار مشرداً في ليدز. وانتقل للسكن في غرفة داخل منزل شخص مدمن على الكحول منحها إياه مجاناً مقابل تنظيف البيت وأخذه في جولات بالسيارة.

ويقول كريغ "قال إنه سيساعدني، فقط ليحتجزني داخل المنزل. عندما يغادر البيت يقفل عليّ الأبواب، ولا أستطيع الأكل عندما لا يكون في البيت. وكان يقول لي "لا تنظر إلى الخارج من النافذة الأمامية. وكان يريد أن يكون البيت نظيفاً للغاية".

في تلك المرحلة، أدين كريغ أكثر من مرة بتهمة قيادة سيارة مسروقة وتحت تأثير الكحول، وحكم عليه لاحقا بالسجن لستة أشهر قضى منها ثلاثاً. ثم أطلق سراحه بعد ذلك من دون توفير مأوى له، وأدين بسلسلة من المخالفات الصغيرة بعد سنوات من إطلاق سراحه. وقال إنه أجبر على السرقة ليأكل وإنه في لحظة من اليأس وفي سبيل انهاء تشرده والخروج من الشارع، كسر نافذة من أجل العودة إلى السجن.

وفي سن الحادية والعشرين ارتبط كريغ بعلاقة مع فتاة تبلغ 19 من العمر في هادرسفيلد وانتقل للعيش معها ومع والديها. بدأت الأمور تتغير. رزق هو وعشيقته بطفلة، وأعاد تقديم طلب اللجوء بمساعدة والدها. عندها قرر الانتقال إلى مكان إقامة طالبي اللجوء.

وقال "كانت ابنتي تكبر، وكان عليّ توفير شيء لها. لم يُسمح لي بالعمل لذلك كنت أجلس فقط في البيت. طلبَتْ مني العودة، لكنني شعرت أنه يتعين عليّ أولاً ترتيب أموري، ووجب أن أساهم في إعالة أسرتي".

مرة أخرة رُفِضَ طلب اللجوء الذي تقدم به كريغ وقُطعت عنه المساعدات. وبما أنه لم يكن يرغب في إخبار حبيبته وعائلتها بما حصل معه، عاد إلى النوم في الشوارع، وفي تلك الأثناء انخرط في عراك وحُكم عليه بالسجن لأربعة أشهر بتهمة الاعتداء البسيط.

في 2011، أُعلم كريغ في اليوم المقرر لإطلاق سراحه من السجن أنه سيخضع للاعتقال بموجب قانون الهجرة. في البداية اعتقل في سجن ليفربول بعدها نقل إلى مركز ترحيل المهاجرين مورتون هول حيث ظل محتجزاً لأربع سنوات ونصف على التوالي.

وفي هذا الشأن يقول "قالوا إنهم سيرحلونني عندما كانوا يعرفون طوال الوقت أن الترحيل إلى زيمبابوي غير مسموح به. إذا كنتم سترحلونني، رحلوني. دعوني أذهب لأموت، عوض إبقائي في السجن لشيء لم أرتكبه وقتلي ببطء طوال سنوات وسنوات".

وقال وهو يتذكر الأثر الجسدي للاحتجاز طيلة تلك المدة الطويلة "لن تخرج أبداً من ذلك المكان سليماً. إذا كنت مريضاً، يعطونك مسكن الباراسيتامول، وإذا كسرت قدمك، كذلك تحصل على الباراسيتامول. كنت شاهداً على انتحار اشخاص هناك. إنهم يجنون المال على حساب حيوات الناس".

مَـرَّ كريغ بأوقات فكر فيها بالانتحار عندما كان في الاحتجاز، وصار يخطط لكيف يقتل نفسه في زنزانته ليلاً. "كنت أقول لنفسي أن ثمة قضيباً حديدياً في غرفة النوم. تعلقت به ويمكنني القول إنه كان قادراً على حمل وزني. فالحراس لا يراقبون بين التاسعة مساء والثامنة صباحاً. وكنت أعرف كيف أفعل ذلك".

في 2015، تم إطلاق هذا المواطن الزيمبابويي لأسباب تتعلق بالصحة النفسية - العقلية. لكنه احتجز من جديد في يناير (كانون الثاني) 2019، وآنذاك شرع في عملية تقديم مزيد من طلبات اللجوء. وفي 24 من ماي (أيار) الماضي رُفِضَت طلباته كلها.

قبلت وزارة الداخلية التقرير الطبي الذي يثبت تعرضه للتعذيب، غير أنها ادعت أنه بسبب عدم اتصاله بمكاتب الحزب السياسي الذي كان يؤيده في زيمبابوي، فإنه "لم يعانِ من مشاكل بسبب رأيه السياسي أو الرأي المنسوب إليه." كما صرحت "أنه مجرم يعاود ارتكاب الجنح"، ودعت الى الموازنة بين المصالح العليا للطفل مع العوامل الأخرى ذات الصلة بما فيها المصلحة العامة في ترحيل المجرمين الأجانب".

أُطلِق سراح كريغ الشهر الماضي بعد أن تقدم بطلب جديد يشكو فيه من التشرد في الشوارع. فبعد تدخل محاميه، وضعته وزارة الداخلية في نزل ببرمنغهام يقول إنه وجد نفسه فيه ملزماً بتقاسم سرير واحد مع شخص غريب. وسرق أخيراً شخص في النزل الكيس البلاستيكي الذي يجمع فيه أغراضه. ولذا، يستسيغ اليوم النوم في العراء.

حالياً على الرجل البالغ 36 سنة أن يراجع وزارة الداخلية مرة في الأسبوع في لوبارو على الرغم من بُعدها عن برمنغهام بأربعين ميلاً. ويقول محاميه نيك هيوز من دانكان لويس، أنه خلال جميع مراحل القضية، كانت معاملة وزارة الداخلية لكريغ "فضيعة جدا".

ويقول نيك أن كريغ "يعاني من اضطراب ما بعد الصدمة، واكتئاب شديد وسوابق في إيذاء النفس والتفكير في الانتحار. فهو شخص مصاب بمرض نفسي حاد. وعلى الرغم من كونه يعاني مرضاً نفسياً ومن توفر أدلة تثبت تعرضه للتعذيب عندما كان في زيمبابوي، فهم سعوا الى ترحيله واحتجزوه لأربع سنوات ونصف، والآن يتركونه في العراء من دون مساعدة ويتركونه لمصيره".

"بالنسبة لشخص تعرض لمعاناة كبيرة في المملكة المتحدة، فذلك سيُشعره أنها صفعة أخرى يتلقاها. وهو صار يتوقع هذه المعاملة. فهو مصدوم بسبب كونه متشرداً، لكنه يعتقد أن عليه التكيف مع حاله والمضي قدماً وقبول الطريقة التي عومل بها في مراحل القضية".

" لقد عومل بطريقة فظيعة منذ أن حط الرحال هنا، ولسوء الحظ هذه خطوة مؤلمة أخرى في مسيرته".

من جهتها تقول سيليا كلارك، مديرة المؤسسة الخيرية "الإفراج عن محتجزي الهجرة" التي تدافع عن المهاجرين المحتجزين، إن حال كريغ مرآة "قسوة أو عنف أُلحق بشخص ضعيف يحتاج للحماية والرعاية عوض الأوضاع التي أُخضِع لها والتي كانت لتضر بمن يملك كامل قواه العقلية النفسية".

وتضيف "أربع سنوات ونصف من الاحتجاز كافية وحدها لجعل أي شخص يفقد صوابه. كما أن الانفصال عن طفله خلال تلك المدة يعصى التحمل. وبعد ذلك فإن قرار إطلاق سراحه من دون توفير مأوى له يظهر تجاهلا قاسياً وكاملاً لرفاهيته، لسعادته، أو، فوق ذلك كله، استخفافاً بالأثر الذي سيخلفه ذلك عليه".

يمشي كريغ وهو يعرج بتثاقل قائلاً إنه أصيب في رجله الليلة الماضية أثناء فراره من مجموعة من الفتيان. فعيشه في الشارع يجعله هدفا للناس الذين يبحثون عن المشاكل، ويعرضه لخطر التأذي أو ارتكاب مخالفات صغيرة مرة أخرى.

وفي هذا الصدد يقول "أنا لست إلا طيف انسان يهيم في المدينة. وأنا أنام في الشارع، يحاول الفتيان اليافعون مهاجمتي وسرقتي. فالأمر يشبه محاولة وزارة الداخلية استدراجي الى شجار ليكون لهم مبرر إرجاعي إلى مركز الاحتجاز".

"فكل الأحلام التي راودتني للعمل بجد من أجل ابنتي وتوفير حياة جيدة لها. من المؤلم أن ترى الناس يذهبون إلى العمل كل يوم. أنا الآن أبلغ 36 من العمر ولكنني أمشي في الشوارع من دون أن يكون لي مكان آوي إليه. حاولت مراراً الانتحار. تعبت. لا أريد إيذاء ابنتي، لكن لا يمكنني الاستمرار في العيش على المنوال هذا".

من جهته قال ناطق باسم وزارة الداخلية "بما أن الإجراءات القضائية لا تزال جارية في هذه القضية، فإنه من غير المناسب التعليق عليها".

© The Independent

المزيد من