Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

بحثا عن الخطر... أن تقرأ لوليتا حيثما تكون

آزار نفيسي كاتبة أميركية من أصول إيرانية تسجل منذ نحو عقدين تجربتها مع قراءة الأدب الغربي وتدريسه في طهران

الكاتبة الأميركية من أصول إيرانية آزار نفيسي   (أ ف ب)

عقب هجرتها من إيران إلى الولايات المتحدة فراراً بروحها وحريتها، تبادلت آزار نفيسي مع أبيها رسائل مطولة حكت له فيها كل شيء عن وطنها الجديد، فكان مما حكته له مدى روعة "الفرجة على الأفلام من دون رقابة، وقراءة الكتب من دون رقابة".

ولا أحسب أن يكون قد خطر لها في تلك الأيام الأولى أن يأتي يوم تكتب فيه هذه السطور، "لم أتخيل قط أن يعتريني من الخوف واليأس وأنا أعيش في الولايات المتحدة مثل ما كان يعتريني في ظل حكم الجمهورية الإسلامية، لكن المفزع أنه مثله. المجتمع في أميركا على الرغم من اختلافها الهائل عن إيران، يتحول بسرعة إلى الاستقطاب، ثمة كثير من الأيديولوجيا وما لا يكفي من الحوار، وهذا ما يذكرني في بعض الأحيان بالجمهورية الإسلامية".

لم يكن قد انقضى على وجود نفيسي في الولايات المتحدة إلا ما يربو قليلاً على 20 سنة حين كتبت هذه السطور، لكن هذه السنوات هي التي شهدت زلازل غيرت لا وجه أميركا وإنما جوهرها وربما ضميرها، فلعل أبلغ حوادث تلك الفترة  أثراً أحداث الـ 11 من سبتمبر (أيلول)، لكن لا يمكن إغفال الأثر العاتي للأزمة المالية الطاحنة (2007 - 2008)، وللحروب الخارجية طويلة المدى باهظة الكلفة الإنسانية والمادية والأخلاقية في العراق وأفغانستان، والانتقال من جورج بوش الابن إلى باراك أوباما إلى دونالد ترمب، بكل ما يمثله كل منهم على حدة، وبكل ما يمثله التنقل بينهم من تخبط، وقد ينبغي أن يضاف إلى ذلك كله التحول الكبير الذي طرأ على الغرب كله فطفت على السطح نزعات شعبوية ويمينية متطرفة، قللت المسافة إلى حد فضائحي بين الحكم الثيوقراطي في أسوأ أشكاله والحكم الديمقراطي في أرسخ نماذجه.

"أن تقرأ لوليتا في طهران"

آزار نفيسي كاتبة أميركية الجنسية إيرانية الأصل، تكتب منذ نحو عقدين عن تجربتها مع قراءة الأدب الغربي وتدريسه في إيران، فكتابها الشهير "أن تقرأ لوليتا في طهران" يروي سيرة اصطدامها بواقع ما بعد الثورة الإسلامية، وفصلها من الجامعة التي كانت تدرس فيها لرفضها الالتزام بارتداء الحجاب، وتكوينها ما يشبه نادي قراءة لبضع من طالباتها كن يلتقين أسبوعياً في منزلها لمناقشة أعمال من الأدب الغربي، منها رواية "لوليتا" لفلاديمير نابوكوف، وقد ظل هذا الكتاب في قائمة جريدة "نيويورك تايمز" لأكثر الكتب مبيعاً نحو 100 أسبوع.

وأصدرت نفيسي منذ أن هاجرت إلى الولايات المتحدة سنة 1997 عدداً آخر من الكتب بمثل خلطة كتابها الأشهر أو بخلطة قريبة منه، فهي أعمال سيرية ونقدية، وهي مدائح لقدرة الأدب على مد طرق عابرة للثقافات، وفضل الكتب عليها في أوقات الشدة والصدمة وإمداد القراءة لها "بعيون جديدة للنظر إلى كل من الوطن الأصلي والوطن بالتبني"، وها هي في كتابها الأخير "اقرأوا في خطر: قوة الأدب التخريبية في أحلك الأوقات" الصادر قبل أسابيع عدة في 240 صفحة عن دار "دي ستريت بوكس" تعترف أن الأدب في الولايات المتحدة أيضاً في خطر، وأن الخوف قائم في الوطن الجديد مثلما في القديم وإن اختلفت الأسباب.

تكتب نفيسي، "في إيران، كحال كل الدول الشمولية، يولي النظام اهتماماً فائقاً بالشعراء والكتاب، فيتحرش بهم ويحبسهم بل وقد يقتلهم، والمشكلة في أميركا أن الاهتمام بهم قليل للغاية، فإخراسهم لا يكون من خلال التعذيب والحبس وإنما من خلال الاستخفاف والتجاهل. المشكلة الأساس في الولايات المتحدة تكمن فينا، في الشعب، فيمن يعدون وجود الأدب المشاغب أمراً مفروغاً منه، أو يرون القراءة محض سلوى أو لا يطلبون من الكتب والنصوص إلا ما يثبت لهم افتراضاتهم المسبقة ويوافق أهواءهم، فلعل فكرة التغيير ذاتها خطرة بالنسبة إلينا، فنجتنب القراءة في خطر".

تساوي آزار نفيسي في كتابها هذا بين "العظمة" و"الخطورة"، فـ"الأعمال الأدبية العظيمة، أي الأعمال الخطرة بحق، تسائل الدافع الطغياني وتفضحه، سواء على الصفحات أو في المجال العام".

ولئن بدا الربط بين العظمة الأدبية والخطورة بحاجة إلى شيء من التوضيح فإن نفيسي لا تبخل به، "إنني أقول منذ سنين إن بنية الأدب العظيم تقوم على تعدد الأصوات، على ديمقراطية وجهات النظر المختلفة حيث يكون للشرير نفسه صوت، أما الأدب الرديء فيختزل جميع الأصوات في صوت واحد، هو صوت الكاتب الذي يخنق، خنق الطاغية، جميع الشخصيات ليفرض رسالته وأجندته".

لعل هذا التعريف لـ "العظمة" ينطوي على شيء من التضييق، ويحتمل شيئاً من التشكيك، لكن حسبه هنا أنه يبرر تناول الكتاب لأعمال معينة ربما كان بعضهم ليختلف على جدارتها بصفة "العظمة".

توقيت ربما لم تتوقعه الكاتبة

تقول هاناه جوينر في استعراضها المنشور بواشنطن "اندبندنت" في الثامن من أبريل (نيسان) 2022، إن كتاب نفيسي الجديد يصدر في وقته بصورة ربما لم تتوقعها الكاتبة نفسها، فـ "الأخبار تمتلئ بعناوين عن محاولات حظر الكتب بل وإحراقها في شتى أرجاء البلد، وترى نفيسي أن جذر هذه النزعة [إلى الحظر والإحراق] يكمن في ثقافة اجتناب الألم".

تشير نفيسي في "اقرأوا بخطر" إلى مشكلة مركزية واجهها المجتمع الأميركي على مدى تاريخه "هي رغبته في الراحة الثقافية والروحية، واجتنابه الألم بأي ثمن"، فهذا الدافع إلى الراحة هو السبب الجذري، في ما ترى نفيسي، في ما يعتري المجتمع الأميركي من حاجة دائمة إلى الترفيه واحتقار للتاريخ والفكر والتأمل واستقطابات سياسية وثقافية وإزاحة للخيال والأفكار لحساب الأيديولوجية.

"وقد بلغ مقت الألم الآن ذرى ملحمية في أميركا حتى بتنا نحظر أي شيء ينطوي على ألم، ونعلّم أبناءنا في المدارس أن يغمضوا فلا يروا أي شيء يؤلمهم، وأن يصرفوا أنفسهم عن مرارة الحقيقة. لا نريد أي إقلاق لراحتنا".

وهنا تكمن أهمية القراءة، فهي كما توضح نفيسي على وجه التحديد "إقلاق الراحة" اللازم الذي لا غنى عنه، هي البحث عن الخطر، هي التنقيب عن الأدب العظيم، ثم التنقيب في الأدب العظيم عما يزيد الفجوة بين القارئ وبين الواقع المشوه، ويقلل المسافة بين المجتمع وما ينبغي أن يكون عليه، وبين الفرد وإنسانيته، فـ "قد لا تقود القراءة"، بحسب ما تكتب نفيسي، "إلى فعل سياسي مباشر، لكنها تنشئ ذهنية تسائل وتتشكك ولا تقنع بالقائم والمستقر. الأدب يثير الفضول، وهذا الفضول، بل هذا القلق، بل هذه الرغبة في المعرفة هي التي تجعل القراءة والكتابة فعلين شديدي الخطورة".

"اقرأوا في خطر"

لا ينقسم كتاب "اقرأوا في خطر" إلى فصول أو أبواب أو أي من التقسيمات الشائعة، وإنما قوامه رسائل، موجهة جميعا إلى أبيها، "بابا الحبيب"، وموقعة جميعا بصيغة "مع حبي، ابنة بابا" أو ربما "بنت أبيها" إن تحرينا السلاسة.

وفي ما بين حميمية الاستهلال والختام كثير من الكلام، فهو حيناً عن الأدب، عن أفلاطون وسلمان رشدي وزورا نيل وتوني موريسن وديفيد غروسمان ومارغريت آتوود وتوني موريسن وجيس بولدون وغيرهم، وهو في أحيان كثيرة عن أشياء أخرى بدءاً بـ "كوفيد-19" ووصولا إلى مشكلات الاتصال عبر الإنترنت بين الكاتبة وصديقتها في إيران.

 

 

في حوار طويل مع مجلة "كولمبيا جورنال للنقد الأدبي" قالت نفيسي إنها اختارت من بين عشرات الكتب التي قرأتها ما يعالج جانباً واحداً من ثيمة الذهنية الاستبدادية في مقابل الذهنية الديمقراطية، "فكتاب سلمان رشدي" الذي تتناوله في الرسالة الأولى "أرجع به إلى بداية الصراع بين الشاعر وصاحب السلطة، فيرجع بي هذا إلى 2000 سنة مضت، أيام لم تكن الأمور تجري على ما يرام بين الشاعر والحاكم الفيلسوف في جمهورية أفلاطون"، أما الرسالة المخصصة لزورا نيل وتوني موريسن فموضوعها العنصرية والجنسية وكيفية مواجهتهما، والرسالة الثالثة من الكتاب موضوعها الحرب، وهي "أشد أشكال الاستقطاب تطرفاً"، وفي هذه الرسالة تتناول أعمال جندي المارينز السابق في العراق وأفغانستان والروائي الحالي إليوت أكرمان والروائي الإسرائيلي ديفيد جروسمان الذي فقد ابنه في حرب إسرائيل سنة 2006 في لبنان، والروائي اللبناني إلياس خوري في روايته (باب الشمس)، ثم تتناول الرسالة المخصصة لمارغريت آتوود "الحياة في مجتمع استبدادي" من خلال تناول روايتها المترجمة إلى العربية بعنوان "حكاية جارية"، وتختتم الكتاب برسالة عن الكاتب الأفرو-أميركي جيمس بولدوين الذي تشعر نفيسي "أنه شديد الاتصال بما يجري اليوم، إذ حارب العنصرية وشارك في حركة الحقوق المدنية، لكنه في الوقت نفسه لم يسمح للكراهية أن تستولي عليه".

نقد أدبي عبر فن الرسائل

هذه إذاً هي الثيمات العامة التي يتناولها الكتاب، وتجتمع جميعاً تحت مظلة كبيرة هي بحسب ما تقول نفيسي في حوار "كولمبيا جورنال" ثيمة الصراع بين "العقلية الاستبدادية والعقلية الديمقراطية"، ولعلنا إذا ما حذفنا كلمة العقلية فقط من هذه العبارة لوجدنا أنفسنا وجهاً لوجه أمام التسبيحة نفسها التي لم يتوقف الإعلام الأميركي، ومن ورائه الغربي، عن ترديدها منذ شهور في وصف حرب أوكرانيا بوصفها صراعاً بين الاستبداد والديمقراطية، وكأنما فرغت قوى العالم الكبرى من شواغلها وحققت كل مطامحها ومطامعها، ولم يبق لها إلا أن تحارب ترسيخاً للمثل العليا وتوسيعاً لما يصفونه بـ "العالم الحر".

في مقدمتها للكتاب تبرر أزار نفيسي قالب الرسائل الذي ارتضته بقولها إنها ووالدها درجا منذ طفولتها على تبادل الرسائل حتى وهما يعيشان تحت سقف بيت واحد، ثم حينما سافرت في صباها للدراسة، وأخيراً حينما هاجرت نهائياً إلى الولايات المتحدة لم تحل وفاة أبيها العام 2004 دون أن تواصل الكتابة إليه في هذا الكتاب، ولكنها في حوار مجلة "كولمبيا جورنال" تحكي حكاية أخرى فتقول، "لم أشأ أن أكتب محض مقالات أدبية. كان الوقت غريباً أيضاً ولا يتواءم مع المقالات الأدبية. كنا في الوباء وفي ظل حكم الرئيس السابق والاستقطاب العميق في المجتمع، وشعرت أني بحاجة إلى الحديث عن ذلك كله. كانت الحاجة ملحة لكنني لم أرد أن يكون الكتاب منشوراً سياسياً. بدأت كتابة رسائل إلى عدد من الناس في الماضي والحاضر، من أبي ودونالد ترمب إلى جيمس بولدوين، ولكن هذه الرسائل العشوائية لم تشكل كتاباً فجربت توجيه الرسائل إلى مؤلفي الكتب التي كنت أقرأها وأعيد قراءتها، فجاءت شديدة الاصطناع لأن الرسالة قالب حميمي وأنا لم أكن أعرف أولئك الكتاب معرفة جيدة، ثم إنني ما كنت لأكتب إلى مؤلف لكي أحكي له عما يتناوله كتابه، وإلا لكان جنوناً، وفيما أحدّث صديقة لي عن ورطتي تلك سألتني لم لا أكتب لشخص ثالث، ووجدتها فكرة عظيمة".

إذاً كانت النية مبيتة منذ البداية على ألا يكون الكتاب كتاباً في النقد الأدبي، ولا بأس في أن نصدق نفيسي حين تقول إن السبب في نيتها تلك هو أن الواقع فرض عليها تناول قضايا ملحة كثيرة ما كان النقد الأدبي ليتسع لها، ولكن تصديقنا لذلك لا يمنع أيضاً الظن بأنها عرفت أن فرصة النقد الأدبي في الوصول إلى القارئ العام تقل إلى درجة العدم إذا أصر النقد الأدبي أن يكون نقداً أدبياً، غير مختف مثلاً في ثنايا رسالة حميمية من ابنة إلى أبيها الميت.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

كُتبت رسائل الكتاب على مدى الشهور الممتدة من خريف 2019 وصيف 2020، أي خلال رئاسة ترمب، حين تسبب وباء "كوفيد-19" ومقتل جورج فلويد، بحسب استعراض جايوترا بهادور في واشنطن بوست بتاريخ الـ 29 من أبريل 2022، في زعزعة الفرد الأميركي سياسياً وروحياً، تضاف إلى ذلك التظاهرات التي اجتاحت إيران خلال نوفمبر (تشرين الثاني) من العام 2019.

 تقول نفيسي، "تركز رسائلي على الأحداث التي صاغت حياتنا في فترة حاسمة مضطربة من تاريخنا الحديث، ابتداء بتظاهرات نوفمبر 2019 الدامية التي زعزعت جمهورية إيران الإسلامية، وانتهاء بتظاهرات صيف 2020 احتجاجاً على قتل جورج فلويد في أميركا. لقد قضيت سنوات رئاسة ترمب الأربع أقرأ وأعيد القراءة وأتأمل في أعمال أدبية تتناول الصدمة، الشخصية منها والسياسية، ومن خلال هذه الكتب التي تشكل عماد رسائلي إلى أبي، حاولت أن أفهم اللحظة التي نعيشها، وأن أستعمل هذه القصص في شرح شيء شديد التعقيد عن أميركا".

أتاح قالب الرسالة لنفيسي هذه الحرية المطلقة تقريباً في التطرق إلى ما تشاء التطرق إليه من مواضيع، وما كان قالب المقالة النقدية ليسمح بمثل تلك الحرية، ولكن لعل من أهم ما أتاحته "الرسالة" لنفيسي هو أن تكمل بتجارب حياتها ما تقصر عنه أفكارها أو ملكاتها النقدية، فالحقيقة أن بضاعة نفيس النقدية تبدو غير شديدة الوفرة، وانظروا مثلاً إلى دفاعها عن رواية "الآيات الشيطانية" لسلمان رشدي.

رواية "الآيات الشيطانية" هي الرواية التي صدرت بسببها الفتوى الإيرانية في حق سلمان رشدي، فتغيرت حياة الرجل إلى الأبد، وعاش مطارداً متخفياً متنقلاً من مخبأ إلى مخبأ في حماية الأمن البريطاني، وقد سجل هذه الرحلة في كتابه المترجم حديثاً إلى العربية "جوزيف أنطون". حظيت الرواية في ذروة جدل الفتوى بدفاع وهجوم واسعي النطاق، وها هي نفيسي تنبري للدفاع عنها في رسالة قد تكون موجهة إلى أبيها كما هو ظاهر، لكنها موجهة إلى النظام الإيراني الحاكم كما هو مضمر.

وقد يتوقع المرء من كاتبة إيرانية تقرر الدفاع عن "الآيات" بالذات أن يكون لديها جديد ما، فإذا بما تقدمه لا يعدو البسيط مما سبق أن قاله رشدي وغيره، فهي لا تتجاوز التأكيد على أن المقاطع الخلافية في الآيات الشيطانية إنما هي من هلوسات شخصية فيها، ولا ينبغي أن تنسب إلى الكاتب، وإن هذه الشخصية بالذات شخصية رجل سكير فصامي مجنون، وإن الرواية ليست عن الإسلام بل عن الهجرة، ولا تقدح في الدين بل في مادية الغرب، وإن ملالي إيران لم يغضبوا للنبي إنما غضبوا لسخرية الرواية من شيخ رأوا فيه أنفسهم، فهذا تقريباً كل ما لدى نفيسي عن "الآيات الشيطانية":

"بابا الحبيب، طالما شعرت أن كُتاب إيران وشعراءها أقدر من أمثالهم في أي بلد آخر على الإحساس بما عاناه رشدي، لأن النظام الحاكم الذي أصدر ضده الفتوى هو الذي فرض عليهم الرقابة والحبس والتعذيب وربما القتل أيضاً.

قضيت وقتاً عظيما في قراءة الرواية متذوقة لعب رشدي المزعج بالكلمات، ونفخه الروح فيها مثلما ينفخ طفل فقاقيع الصابون ليشاهدها من بعد تمضي في كل اتجاه. كنت يا بابا الحبيب لتحب هذا الكتاب. هو ليس بكتاب كليشيهات مريحة، وإنما كتاب أفكار تُسائل وتزعج وتحاول تغيير العالم، فلا يجعل الكتابة وحدها، بل والقراءة أيضاً، بالغة الخطورة، وهذا ما يجعله كتاباً لا تطيقه العقليات الطغيانية".

"ليتك قرأت الكتاب، إذاً لرأيت ما غاب عن آية الله حينما شجب رواية رشدي وعدها منافية للإسلام، إن أجزاءها الكريهة في واقع الأمر هي هلوسات [شخصية] جبريل وأحلامه، وليست آراء رشدي".

"لقد صدق رشدي حينما قال إن الآيات الشيطانية ليست عن الإسلام وإنما هي عن الهجرة والتحول والذوات المنقسمة والحب والموت ولندن وبومباي، وهو يزعم أنها رواية احتوت نقداً للمادية الغربية والنبرة فيها كوميدية".

"الكتاب في حقيقته ليس انتقاداً للإسلام أو النبي، إنما هو انتقاد لا لمادية الغرب واستهلاكيته وحسب، وإنما للشيوخ أيضاً من أمثال آية الله الخميني. في الرواية شيخ هو إمام ملتح معمم شبيه بآية الله الخميني، يعيش منفياً في لندن ويسافر إلى وطنه حينما تقوم الثورة ".

لعل من أغرب ما في دفاع نفيسي عن كتاب رشدي أن تنزلق إلى مثل العقلية الطغيانية التي تشجبها حينما تقطع بأن من لا يطيق الكتاب لا بد من أن يكون من ذوي العقليات الطغيانية، وكأنما لا يوجد مثلاً من يمقتون الواقعية السحرية عند رشدي بالذات، ناهيكم عمن يرفضونها عموماً أو غير ذلك من الأسباب المحتملة، لكن ما لدى نفيس عموماً عن "الآيات الشيطانية" ليس بكثير أو جديد، لأن كتابها ليس كتاباً في النقد الأدبي، ولأن ما يعول عليه هو خلطة نفيسي المؤلفة من القليل جداً والسهل من النقد، والكثير جداً من السيرة والمعهود المكرور من كليشيهات الثناء على الأدب والقراءة، لدرجة أن  يُوصف الكتاب في "راديو أميركا الوطني" بأنه رسالة غرامية للأدب والقراءة.

على خطى "بولدوين" و"كوتس"

تلاحظ جايوترا بهادور أن نفيسي تقتدي في اتخاذها قالب الرسالة بكاتبين تناولتهما أيضاً في الكتاب هما جيمس بولدوين وتانهيسي كوتس، فكلاهما تناول صدمة العنصرية في أميركا من خلال كتابة الرسائل، فالأول إلى ابن أخيه والثاني إلى ابنه، وها هي ذي رسائل نفيسي إلى أبيها. لكن بهادور تلفت أنظارنا إلى أن رسائل بولدوين وكوتس كانت تستهدف جيلاً قادماً، "فلعل نفيسي كانت لتحذو حذوهما وتكتب مثلاً إلى حفيديها اللذين ولدا وهي تؤلف هذا الكتاب، فلماذا اختارت بدلاً من ذلك أن توجه كتابها إلى أبيها الميت منذ قرابة عقدين؟"

لعل بهادور وهي تطرح السؤال كانت تفكر في كتاب آخر غير الذي أرادته نفيسي، كتاب أكثر اهتماماً بمستقبل أميركا منه بماضي مؤلفته في بلد بعيد هجرته أصلاً منذ أكثر من 20 سنة، بخاصة أنها سبق أن كتبت هذا الكتاب وعرضته من زوايا مختلفة، لكن سؤال بهادور يحتمل ويستوجب في الحقيقة بعض التأمل، فالكاتبة التي عاشت شطراً كبيراً من عمرها في إيران وخاضت هناك تجارب حياتها الأساس، لا يسهل أن تتخلص من إرثها هذا، بل من جراحها وندوبها، ولا تملك إلا أن تبقى تعيد النظر إلى التجربة كلما أتيحت لها زاوية جديدة أو مستهلكة للنظر، فلربما يكون هذا الاجترار للتجربة هو أحد الروابط القليلة الباقية بين نفيسي ووطنها الأم، لكن ربما أيضاً يتعلق الأمر بـ "خط الإنتاج" المربح الذي يبدأ من الثورة الإيرانية والنظام الحاكم الاستبدادي، ويمر بالخلاص عبر الأدب لينتهي آمناً مطمئناً راسخاً في قائمة "نيويورك تايمز" لأكثر الكتب رواجاً. ربما تكمن إجابة سؤال بهادور في سوق النشر الأميركية المتأهبة في ما يبدو لنشر أي كتاب لآزار نفيسي، شرط أن يكون بصورة أو بأخرى، "أن تقرأ لوليتا في طهران".

المزيد من كتب