وأخيراً... انتصر سلمان رشدي على نظام الملالي بإيران

التاريخ لا يرحم أبداً... فها هو يتجاهل فتوى الخميني ويصدر حكمه ضد أعداء الحرية

لا يزال سلمان رشدي حذراً في تنقلاته حتى اليوم (أ.ب)

النظامُ الثيوقراطيّ الإيرانيّ يُحاصَر من كل الجهات، من الداخل والخارج، والروائي سلمان رشدي ينشر تباعاً روائع رواياته في كل أركان العالم، وتُترجم إلى لغات الدنيا جميعها أو تقريباً، يستقبلها آلاف القراء على اختلاف عقائدهم بكثيرٍ من المتعة.

يتنفّس سلمان رشدي الحرية بعد الحكم عليه بالإعدام شيئاً فشيئاً، وفي المقابل يختنق النظام الثيوقراطي الإيراني شيئاً فشيئاً. هو حكم التاريخ الذي لا يخطئ، وإن تأخّر قليلاً أو كثيراً. التاريخ، في نهاية الأمر، مع الحرية وجنود الحرية، وهو ضد الظلامية ومغتصبي حق الإنسان في العيش الحر.

حين أطلق الخميني على أمواج إذاعة طهران فتواه، كان ذلك في الرابع عشر من فبراير (شباط) العام 1989، ضد الروائي البريطاني ذي الأصول الهندية سلمان رشدي مطالباً برأسه، لم يكن يتصوَّر ما يحدث الآن، إذ القراء يلتحمون بنصوص الروائي والشعب الإيراني الباحث عن الحرية ينفصلُ عن الأفكار المحنَّطة التي تريد العودة بالمواطنة الإيرانية إلى زمن "الأمة".

حين أصدر الخميني فتواه مطالباً بإهدار دم الروائي سلمان رشدي على خلفية صدور رواية (آيات شيطانية) 1988، كان ذلك في عز تألق نجم "الخميني" الذي صنعه الغرب بدقة، إذ بهذه الفتوى أملى على "الجميع" قراءة خاصة للرواية التي أُوِّلَتْ من قِبل المتدينين المتطرفين، واعتبروها استهزاءً بالنص القرآني وبشخصية الرسول محمد، وأخرجوها من حيزها الفني، ولكي يعطي لنفسه حجماً من خلال إثارة "غوغاء الدين" ضد الروائي رصد لـ"قطف رأسه" قيمةً ماليةً كبيرةً وصلت إلى ثلاثة ملايين والنصف مليون تقريباً (3.3  مليون دولار).

جراء ذلك انتشر "الهبل الديني" المتطرف عالمياً، وجراء ذلك عاش الروائي جحيماً مستمراً، التهديدات تنزل عليه من كل الجهات، الشرطة تحرسه وتراقبه حتى في سريره ومطبخه، الدهماء المسيرة بالدين قادرة على ارتكاب كل شيء، واستطاع بهذه الفتوى أن ينظم الجالية الإسلامية المتطرفة في أوروبا وأميركا، ويجعل منها عاملاً يهدد سلامة شعوب هذه المنطقة من العالم.

لقد كرَّست الفتوى وبشكل واضح تدخل الفقهاء في رقابة الأدب، وأخذ كل من هبّ ودبّ يحرم ويحلل، يمنع أو يحرق، يحلل دم كاتب أو يطالب بسجنه، يقرؤون الأدب في مستواه الأول فيحكمون على الرواية التي لها منطقها الفني الخاص بها، معتمدين ثنائية "الحلال والحرام".

وتبعاً لذلك قامت تظاهرات ضد الكاتب والرواية في كثيرٍ من البلدان الإسلامية، مع أن لا أحد قرأها، أو القلة القليلة، لقد كرَّس الخميني بهذه الفتوى "ذهنية التحريم".

وانتقلت عدوى التحليل والتحريم جراء تلك الفتوى لتصل إلى المؤسسات الثقافية الأخرى التي طالها التخريب، كما اُغتيل مترجمو أدب سلمان رشدي وتهديد ناشريه.

اليوم وبعد أكثر من ثلاثين سنة من صدور هذه الفتوى، ها هو النظام الإيراني يجد ظهره إلى الحائط، محاصَراً من كل الجهات، من قوى التغيير بالداخل، قوى تنويرية مكوّنة من النساء والنقابات والصحافيين والسينمائيين والكتاب.

في المقابل، وبعد ثلاثين سنة، يبدو الكاتب سلمان رشدي الذي كان محاصَراً من كل الجهات وفي كل الجغرافيات يتحرَّك الآن بحرية ويواصل إبداعاته بوتيرة متميزة، وآخر ما نشره روايته بعنوان (عامان... ثمانية أشهر وثمانية وعشرون ليلة) 2016، التي حاور فيها الفضاء الإسلامي متأثراً بسحر أسلوب (ألف ليلة وليلة)، حتى إن العنوان (عامان... ثمانية أشهر وثمانية وعشرون ليلة) هو تعبيرٌ عدديٌّ آخر لـ(ألف ليلة وليلة)، فـ(عامان وثمانية أشهر وثمانية وعشرون ليلة) تساوي (ألف ليلة وليلة) عدّاً، وهي لعبة أدبية للقياس على عنوان كتاب (ألف ليلة وليلة)، الكتاب الذي يعدُّ من أشهر الكتب في تاريخ السرد البشري، ها هو يفاجئ قرّاءه بروايات تخلَّصت من بقايا حكم الخميني، وتحرر القارئ في قراءتها والاستمتاع بها دون أي وصاية من أي فقيه.

في الوقت الذي يواصل فيه النظام الإيراني الثيوقراطي تكميم الأفواه وغلق كل متنفس للحرية في إيران، يواصل الروائي سلمان رشدي معركته من أجل الدفاع عن الحريات الفردية والجماعية، حرية الرأي وحرية المعتقد وحرية الإبداع من على أكبر المنابر العالمية في الشرق والغرب.

بعد أن كانت الأمواج البشرية من الدهماء التي حرّكتها الديماغوجية الدينية الإيرانية في نهاية الثمانينيات التي تميَّزت بظاهرة "الجنون الديني" و"الهلوسة الجماعية" تلاحق الروائي سلمان رشدي ليل نهار في البلدان الإسلامية وفي أوساط الجاليات الإسلامية بأوروبا وأميركا، باحثة عن "شرب" دمه، الذي أهدرته فتوى الخميني، ها هو النظام الإيراني يواجه التظاهرات ضده، وربما أبناء أولئك الذين ساروا في تظاهرات ضد سلمان رشدي ها هم يسيرون اليوم ضد ورثة الخميني.

وظل النظام الإيراني يعتبر قضية الفتوى بالإعدام وهدر دم الكاتب سلمان رشدي "بقالية" سياسية، فحين شعر النظام الإيراني باختناق اقتصادي وسياسي مارسه الغرب عليه طلب خامنئي وريث الخميني من الروائي الاعتذار كي ترفع الفتوى.

لقد ظل سلمان رشدي متخفياً عن أنظار مجانين دهماء الدين حتى العام 2002، بعيداً عن المهرجانات واللقاءات العامة، تحت حراسة مستمرة ليل نهار، محاطاً بأربعة من رجال الشرطة، وفي تلك الفترة اُغتيل هيوتشي إيغارشي مترجم روايته (آيات شيطانية) إلى اليابانية، واُعتدي على المترجم الإيطالي، وبأعجوبة ينجو المترجم التركي عزيز نسين من محاولة اغتيال. أحداث متلاحقة أثارت موجة من الرعب الدولي. 

وها هي الأنظمة الأوروبية التي احتفلت بالخميني طويلاً، وصنعت منه نبياً جديداً، لا تدري بأنها بصنيعها هذا رفعت للتوحش الإسلاموي سقفاً في ديارها، وهو ما تعانيه شعوبها اليوم، ها هي أوروبا، وفرنسا على وجه الخصوص، التي اختارت أن تستقبل الخميني وتحميه وتعيده على متن شركتها "إير فرانس" ليحطّ بطهران في شكل "نبي"، ها هي اليوم تعيش ثمرة ما جنته من هذا التحالف الذي أفقدها جزءاً من صورتها، بل وكأننا نشعر بأن فولتير ومونتسكيو وسارتر ودريدا وألتوسير يتقلبون في قبورهم من أثر ما أصابهم من خيانة فكرية.

مع ذلك ها هي الأنظمة الأوروبية، وبالأساس طبقتها السياسية ومثقفوها، يعيدون حسابات الماضي القريب، ليكتشفوا أن ما رمى إليه سلمان رشدي من خلال كتاباته لم يكن "تشويها للإسلام"، بل كان الترمومتر لمعرفة سقف الحرية التي تشدّق بها الخميني طويلاً وهو في المنفى.

كانت قضية الفتوى ضد سلمان رشدي هي من أنتجت مصطلح (الإسلاموفوبيا)، الذي كانت إيران من خلاله تسعى إلى إشاعة الفكرة التالية: "إن كل نقد للإسلام السياسي هو إسلاموفوبيا"، وبالتالي كل من يدافع عن سلمان رشدي يصنّف في باب "الإسلاموفوبيا"، كل ذلك حتى تمنع حرية نقد نظامها السياسي الذي صادر "الإسلام" لصالحه، إسلامه هو، وقد تلقف الإخوان المسلمون فكرة "الإسلاموفوبيا" التي أطلقها النظام الإيراني، واستعملوها لحسابهم السياسي لصد ما يتلقونه من نقد لسياستهم، وبالتالي أصبح كل من ينقد توجههم السياسي يعتبرونه "إسلاموفوبيا"، وهي الحيلة السياسية التي كممت، ولا تزال، أفواه كثيرٍ من المثقفين التنويريين من العرب والمغاربيين والأوروبيين، وجعلتهم يتراجعون عن نقد الإسلاميين أو إن كان ذلك يستعملون خطاباً غامضاً حتى لا يثيرونهم.

اليوم، يعود سلمان رشدي المثقف والأديب إلى حياته العادية، يعود إلى رأسماله من القراء في كثيرٍ من اللغات، يعود بعد أن أنصفه التاريخ لأنه كان إلى جهة الحرية والحق في إبداء الرأي، وفي المقابل نشاهد اليوم الورثة السياسيين لمن أصدر الفتوى وعمل على تكميم الكاتب وإحراق الكتاب واغتيال ناشريه ومترجميه وملاحقة حتى قرائه، يعيشون حالة حصار يشتد حبلها عليهم يومياً أكثر فأكثر.

إن التاريخ لا يرحم أبداً، فها هو يتجاهل (فتوى) الخميني ويصدر (فتواه) ضد أعداء الحرية من ورثة هذا الأخير.

المزيد من آراء