Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

جورج شامي جدد القصة وكتب رواية الحرب من وجهة يمينية

رحل عن 91 عاما وأصدر في سنواته الاخيرة كل مخطوطاته ومقالاته الصحافية

القاص والروائي اللبناني جورج شامي (صفحة الكاتب - فيسبوك)

دأب القاص والروائي جورج شامي في السنوات الأخيرة، وكان شارف على نهايات الثمانين، على جمع كل ما كتب خلال نحو سبعين عاماً ولم ينشره، وكل ما تناثر من نصوص له ومقالات غير سياسية، عطفاً على الحوارات التي أجراها والمقالات التي كتبت عنه في الصحافة، وراح يصدرها كتاباً تلو كتاب. ربما كان يشعر أن الوقت حان للاستعاضة عما فاته في حياته الصحافية الطويلة، وترميم صورته بصفته قاصاً وروائياً بارزاً، بدءاً من منتصف الخمسينيات عندما أصدر مجموعته القصصية الفريدة "النمل الأسود" (1955)، وكان له من العمر أربعة وعشرون عاماً. واللافت أن الشاعر أنسي الحاج كتب لها مقدمة بديعة وكان في الثامنة عشرة، تناول فيها مفهوم العبثية كما تجلى في قصص المجموعة. ومما قال الحاج في مقدمته: "لماذا الإنسان مهدد دائماً في قصص جورج شامي؟ لماذا هو خائب حتى في نجاته؟ لماذا هو مشروع مخنوق؟ لأن جورج شامي قصاص معاصر. أي لأنه هو نفسه في أبطاله في قلق العصر".

تميزت هذه المجموعة بجوها السوداوي الذي لم تكن ألفته القصة اللبنانية القصيرة، المتحدرة من مناخ الأدب القروي والريفي عبر أقلام الرعيل الأول والثاني، ومن روادهما مارون عبود وخليل تقي الدين وتوفيق يوسف عواد وفؤاد كنعان الذي لم يلبث أن أحدث نقلة في فن القصة القصيرة. أصر جورج شامي على الفن القصصي على الرغم من نفسه السردي الطويل، الذي تجلى في مجموعاته اللاحقة التي صدرت خلال الحرب الأهلية. إلا أن الصحافة السياسية سرقته فترة غير قصيرة من عالم القصة، ليعود من ثم وكأن القطيعة ما كانت يوماً.

رحيل صامت

رحل جورج شامي قبل أيام عن 91 عاماً بما يشبه الصمت، ولم يلقَ رحيله ما يجب أن يلقاه رحيل قاص طليعي واستثنائي، وروائي يملك أعمالاً عدة بينها رواية مهمة فعلاً هي "ماذا بقي من القتال؟" وتنتمي إلى رواية الحرب اللبنانية. ربما لا يعرف الجيل الجديد من هو جورج الشامي، وغالب الظن أن صفة الصحافي السياسي طغت عليه، وأخفت وجهه الأدبي. فهو بدأ العمل في الصحافة عام 1951 وغرق فيها طوال سنواته اللاحقة حتى السبعين من عمره، لكنه خلال هذه المهنة لم يتوقف عن الكتابة القصصية، فأصدر مجموعات مهمة حظيت باهتمام جلي آنذاك ومنها "ألواح صفراء" (1959)، و"أعصاب من نار" (1963)، و"زهرة الرمال" (1963). وفي قصصه هذه بدا جورج شامي صاحب صوت أصيل وحديث وصاحب لغة خاصة تضرب جذورها في أديم الأدب اللبناني من غير أن تنوء بأي ثقل أدبي صرف. فالقاص عرف تماماً كيف ينفتح على تقنيات القصة المعاصرة انطلاقاً من خلفيته الأدبية وثقافته. وكان التحق بـ"حلقة الثريا" التي ضمت جيلاً من الأدباء الشباب (1952-1960)، وشارك في مجلة "شعر" الشهيرة التي أسسها الشاعر يوسف الخال، ناقداً يتابع بعض الإصدارات الشعرية. وشغل وظيفة سكرتير لـ"الندوة اللبنانية" التي أسسها المفكر ميشال أسمر، وكانت بمثابة وزارة ثقافة صغيرة، حرة ومستقلة.

 

عندما وقعت الحرب الأهلية عام 1975حدث تحول في حياة جورج شامي، هو الذي وجد نفسه في المنطقة الشرقية من بيروت، ممثلاً صوت هذه المنطقة قصصياً وروائياً. بدا جورج شامي حينذاك، كأنه يكتب قصة الحرب الأهلية ولكن من وجهة يمينية. وكانت قصصه الغائصة في وحول الحرب تمثل أبرز تجليات أدب الحرب "الشرقي" (إذا جاز التعبير) الذي يُكتب في بيروت الشرقية، في مواجهة أدب حرب آخر، يساري وطليعي كان يكتبه في بيروت الغربية، روائيون وشعراء لبنانيون وفلسطينيون وعراقيون... علاوة على بعض الأدب الذي كان يصعب تصنيفه "مناطقياً" أو سياسياً، وكان بدوره غرق في وحول الحرب نفسها (يوسف حبشي الأشقر، فؤاد كنعان، غادة السمان، وسواهم). إلا أن صدور أدب شامي في المنطقة الشرقية لم يعنِ يوماً أنه كان بوقاً للأحزاب اليمينية أو مبشراً بالأفكار الطائفية و"الانعزالية". فقصصه كانت على قطيعة تامة مع الفكر اليميني المناضل على الرغم من انتمائها "الشرقي"، وعلى خلاف مع الرؤية الطائفية إلى الصراع القائم. بل إن قصصه راحت تفضح عبثية هذه الحرب منذ بدايتها، وتشكك في غاياتها وتدين صانعيها، مميزة بين الجزارين والضحايا، ولكن انطلاقاً من أرض الواقع التي صدف أن كانت بيروت الشرقية.

وبرز في قصصه للمرة الأولى أبطال سلبيون ينتمون إلى الأحزاب اليمينية المعروفة، وهؤلاء الأبطال لم تعهدهم القصة اللبنانية التي راجت خلال الحرب وخصوصاً في بيروت الغربية. وكان أبطال القصص اللبنانية الطليعية غالباً ينتمون إما إلى اليسار وإما إلى المقاومة الفلسطينية تبعاً لصعود نموذج البطل - المناضل أولاً وللهيمنة اليسارية على الأدب أو الثقافة عموماً. وفي أوج الحرب أصدر شامي مجموعتين بارزتين هما "أبعاد بلا وطن" و"وطن بلا جاذبية"، ولقيتا ترحاباً في الصحافة الثقافية حتى الوطنية منها أو اليسارية.ولعل النزق الذي كثيراً ما تميز به أدبه القصصي ظل يلازمه في هاتين المجموعتين، نافخاً في قصصه روحاً من القلق والشغف والحماسة، ومانحاً لغته عصباً متيناً لا يلين.

رواية العودة

لم يلبث جورج شامي بعد سنوات الحرب أن هاجر إلى باريس ولندن ليعمل في الصحافة العربية المهاجرة، فغاب عن ساحة النشر طويلاً، ليعود من ثم إلى بيروت في عام 1998. عاد شامي إلى الحياة الأدبية بعد أن انقطع عنها زهاء خمسة عشر عاماً. إلا أن تواريه عن المعترك الأدبي بُعيد هجرته الباريسية لم يعن انقطاعه عن الكتابة القصصية، فأصدر في العام نفسه مجموعة قصصية جديدة حملت عنواناً غريباً هو "قديشات آلوهو"، وهي عبارة يرددها الموارنة في القداس. وشاء جورج شامي أن يعيد طبع مجموعاته القصصية السابقة التي رسخت موقعه في الحركة الأدبية اللبنانية المعاصرة، كقاص طليعي ومجدد. وتبنت دار الجديد التي كان أسسها الكاتب لقمان سليم وشقيقته رشا الأمير، المجموعات وأصدرتها في حلة جميلة.

في عام 2003 أصدر جورج شامي رواية بعنوان "ماذا بقي من القتال؟" (دار رياض الريس)، وكان كتبها خلال فترة زمنية تقارب عشرين سنة. فهو بدأها في 1982 في بيروت ثم أكملها في لندن 1999 وأنهاها في باريس 2002، لكن قارئ القصة لا ينتبه إلى حال التبعثر الزمني هذا وإن بدت القصة تدور في المناخ الذي دارت فيه المجموعتان اللتان صدرتا إبان الحرب "أبعاد بلا وطن" و"وطن بلا جاذبية". وضع الناشر وربما الكاتب، على الغلاف جملة "قصة طويلة"، لكن النص الذي يناهز المئة والخمسين صفحة بدا رواية حقيقية ولو قصيرة. فهو يتضمن كثيراً من التقنيات السردية (التقطيع، الفلاش باك، الحوار، الوصف، التداعي...)، مما يتيح وصفه بالرواية القصيرة أو "نوفيلا" كما بالإنجليزية.

يفتتح شامي روايته عبر صوت بطله "بلعام" الذي تدور القصة على لسانه (أنا الراوي) مع بعض التدخلات: سعيد عندما يروي بعض مشاهد الحرب، وكذلك الكاتب نفسه عندما يصف نهاية بلعام وسواها... ولحظة الافتتاح هي من اللحظات الأخيرة التي يعيشها بلعام مدمراً، مصاباً بمرض "النهايات الزرقاء"، الذي جعل لونه شاحباً وترك البرودة الدائمة في يديه ورجليه. ويستهل بلعام لحظة استعادته الماضي مخاطباً إحدى عشيقاته "حذاؤك في فمي يا رجوى..."، لكنه سرعان ما يسترجع حكاية حبه للفتاة ليا التي أصبحت زوجته وكذلك ذكريات الكاتدرائية، وهو كان جاء إليها اتفاقاً مع بعض رفاق الأمس في الحرب، ليحيوا قداساً يكفرون فيه عن آثامهم وعن ماضيهم المفعم بالذنوب والقتل والعنف. جاؤوا يكفرون عن ماضيهم العسكري في الحرب الأهلية، بعد أن شملهم قانون العفو و"طهرهم" كما يعبر بلعام الذي ما برحت "دخائله تنتفض كدجاجة مذبوحة"، وما زال "الشك" يلاحقه كسوط.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

تتمثل بداية الرواية في لقطة مفتوحة على الماضي والحاضر في آن واحد: حاضر مدمر يتجلى عبر الإعاقة النفسية والجسدية التي يعيشها بلعام، وقد أدرك أنه أصبح عبئاً على الآخرين وعلى الحياة نفسها، وماض يتوزع إلى أكثر من ماض: الماضي القريب (ماضي الحرب)، الماضي البعيد أو الماضي الشخصي (ذكريات الحب، ذكريات الكاتدرائية، الأب، العائلة...).

يعتمد جورج شامي في قصته لعبة التوازي بين أزمنة عدة وأمكنة عدة ومواقف و"ذاكرات". فهو إذ يكتب قصة بلعام الذي يخوض مع رفاقه اليمينيين أو المسيحيين معارك "الفنادق" و"القنطاري" و"المقاطعة الرابعة"، يكتب قصة الكاتدرائية، وهي كاتدرائية ما جرجس الواقعة على خط التماس في بيروت المقسومة، كمكان وزمن وجماعة، كواقع وماض. وتمكن حقاً من الدمج بين التواريخ المتعددة والأمكنة والشخصيات، في نسيج سردي مشرع على التوثيق والتخييل، كما على الواقع والحلم والكابوس.

في هذه الرواية أعاد جورج شامي القراء إلى مرحلة هي من أشد مراحل الحرب اللبنانية غموضاً واهتزازاً، فاتحاً من جديد جرح "حرب السنتين" الذي يصعب أن يلتئم، على الرغم من النهاية المزعومة للحرب، ومشككاً في حوافز تلك الحرب ونتائجها.

ومن كتب جورج شامي: "أول الذهب"، "ذكريات عارية"، "عصير الزنزلخت"، "كلب النافذة"، "المحارة الباكية"، "في قفص الإتهام" وسواها.

المزيد من ثقافة