Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

من وراء العنف الطائفي في "غوندر" الإثيوبية؟

إذا كانت إثيوبيا تعاني مظاهر التمييز على أساس إثني فإن الطريق معبد أمام انتشارها من منطلق ديني

نازحون من مدينة "غوندر" الإثيوبية (الموقع الرسمي لليونيسيف)

على الرغم من طغيان الصراع الإثني في إثيوبيا، التي تضم أكثر من 90 مجموعة عرقية، على صورة الصراعات العامة، إلا أنها تتداخل في تشابك، تختفي وتظهر إلى السطح بين وقتٍ وآخر مع الصراع الديني. ولا تكتفي بذلك بل تلتحم بالصراع السياسي الذي ظل وقوداً لها في أغلب الحقب السياسية.

تفاقم الصراع أخيراً بين المسيحيين والمسلمين في أجزاء عدة من إثيوبيا، كان أكثرها توتراً الهجوم على مدينة "غوندر"، التي تقع على بعد 772 كيلومتراً من العاصمة أديس أبابا، الرابضة على المرتفعات الشمالية لإثيوبيا، حيث القلاع العريقة، ومنها ما أنشئ منذ أكثر من ثلاثة قرون. ووفق الرواية الرسمية فإن أحداث العنف التي شهدتها المدينة ووقعت في مقبرة بين مسجد وكنيسة أرثوذكسية وهي موضع خلاف بين الطائفتين، "اندلعت عندما أخذ بعض الشبان المسلمين حجارة من الكنيسة المجاورة لمقابر المسلمين التي كان يشيع فيها أحد علماء المدينة، فرشقهم بعض الشبان المسيحيين بالحجارة، ما أحدث فوضى ومواجهات بين الجانبين".

عُرفت غوندر باسم "كاميلوت أفريقيا"، وبحسب ما ورد فهي تيمناً بالقلعة الأسطورية "كاميلوت بريطانيا العظمى" التي ارتبط اسمها بالملك الأسطوري آرثر، ولارتباطها أيضاً بمناطق أثرية من قصور وقلاع كنسية تعود لأكثر من ثلاثة قرون، ومحميات جعلت منها وجهة سياحية تاريخية. وكانت "غوندر" مركزاً للإمبراطورية الإثيوبية حينما كانت تقاليد الأمهرة هي المحدد الأساسي لها.

ومن واقع هذه الأهمية، وكونها أقدم مدن إقليم أمهرة، لفتت الأنظار إلى التوتر بين أهم عنصرين ومكونين للشعب الإثيوبي، حيث خلفت أعمال العنف الطائفية، بحسب الأمم المتحدة، حوالي 30 قتيلاً و100 مصاب في 26 أبريل (نيسان) الماضي. وانتقل الغضب إلى العاصمة الإثيوبية أديس أبابا، بخروج تظاهرات من كنائس ومساجد من مدن أخرى، منددة بأعمال العنف الطائفية. تلت تلك الهجمات أعمال انتقامية، حُرق خلالها رجلان مسيحيان حتى الموت، وقُتل آخر بفأس، وحُرقت خمس كنائس في جنوب غربي البلاد، كما أُشعلت النيران في بحر دار، عاصمة إقليم أمهرة، ومحليات أخرى.

جذور العنف الطائفي

أما الصورة لجذور العنف الطائفي في إثيوبيا عموماً فهي تؤطر في مجملها لانتعاش الظاهرة الدينية، ما صاعد من صراع الهويتين الإسلامية والمسيحية الأرثوذكسية، وهو صراع ترسخ بوضع محددات للتفاعل بين العلاقات غير المتكافئة بينهما منذ القدم، لكنه ظل مكبوتاً في محاولات أن يكون طبيعياً على المستوى الشعبي، على رغم محركاته المرتكزة على العلاقة بين الدين والإثنية. ويشكل المسيحيون الأرثوذكس الغالبية في إثيوبيا وفي أمهرة، بينما يشكل المسلمون حوالي ثلث سكان إثيوبيا البالغ عددهم 110 ملايين نسمة، وهم أقلية صغيرة في أمهرة، ثاني أكبر منطقة في البلاد من حيث عدد السكان، ويهيمن عليها المسيحيون الأرثوذكس.

ويُعدُّ الهجوم على المقبرة في "غوندر" هو أحد تجليات ظهور الدين في الصراعات الإثيوبية الأخيرة، من ناحية خصوصية المنطقة التي شهدت في أوقات سابقة نزاعات أخرى بين المسلمين والمسيحيين الأرثوذكس الذين يشكلون غالبية سُكان المدينة، ويعدونها مدينة مقدسة.  بينما ظهرت أحداث في مناطق أخرى، منها أديس أبابا، حين منع مكتب وزارة التربية هناك الطلاب المسلمين من أداء صلواتهم في المدارس، ما أسفر عن حالة احتقان شعبي.

وفي عام 2019، نشب نزاع في منطقة "ديسي" شمال شرقي أديس أبابا حول أرض حاول مسيحيون بناء كنيسة عليها، بينما قال مسلمون إنها تابعة لهم؛ ما أسفر عن مقتل عدد منهم، كما أحرق خمسة أشخاص أربعة مساجد في "ديسي" نفسها، ما أدى إلى موجة عنف ديني.

وتبدو الحكومة الإثيوبية متباطئة إزاء تفشي الظاهرة؛ ما ينذر بتوقع مزيد من العنف الذي سيكون ملازماً لمنطقة غوندر، وعدم تحركها والاكتفاء بالإشارة إلى دور الدين باعتباره محركاً للعنف، وتجاهل معالجة العوامل الأخرى. ومع ذلك أكدت الحكومة أن الجهات المحرضة التي تدبر هذه الحوادث غير معلومة لديها، بينما يتردد أنّها جهات متشددة من الطرفين.

أسباب النزاع

هناك جملة أسباب تقف وراء استفحال النزاع بين المكونين الإسلامي والمسيحي الأرثوذكسي، لعل أكثرها وضوحاً هو تركيز الدولة على الصراعات الإثنية التي اتخذت سمة سياسية وارتبطت بحركات انفصالية ومتمردة على الحكومة الفيدرالية، إذ تخشى السلطة تقسيم الدولة، وإن تحقق ذلك فستصير إلى دويلات تنهي إرث الإمبراطورية الإثيوبية. وهناك أيضاً التحول في المشهد الاجتماعي الإثيوبي بنزوع بعض الجماعات نحو التدين، ليس الإسلامي أو المسيحي الأرثوذكسي فقط، وإنما هناك قوميات أنعشت هويتها الدينية مثل قومية "القيمانت" ذات الجذور اليهودية، هروباً من الواقع وبحثاً عن هوية بديلة بعد فشل احتواء الدولة لهم، ما يعبر عن تطور جديد يسهم في تفاقم التوتر.

وبعد المرور ببعض الأحداث، يمكن الوصول إلى تمثُّل النزاع بين المكونين الدينيين في ثياب أخرى، مثل النزاع الإثني وحول الأرض، أبطأ ذلك من وضع اليد على أساس المشكلة وكيفية التعامل معها، وعدم تدخل الحكومة المركزية وتركها لإدارات الأقاليم، مثلما عهدت بقضية "غوندر" إلى إدارة إقليم أمهرة وبلدية المدينة. فبعد الأحداث هناك، أعلنت قوة الأمن والاستقرار الإثيوبية المشتركة المكونة من جهاز الأمن والاستخبارات، وشبكة أمن المعلومات الوطنية والشرطة الفيدرالية والجيش الإثيوبي، اعتقالها 280 مشتبهاً بهم بسبب تورطهم في تلك الأحداث، وذكر البيان أن "هناك قوى تعمل بغطاء ديني لزعزعة استقرار البلاد وتفكيكها".

هذا البيان أحال القضية إلى كونها سياسية، وهو ما يبرر المحاسبة المباشرة. ولعل السلطات تشير إلى ما دار في "غوندر" في وقت سابق، بعد القبض على الضابط العسكري السابق المتمرد على النظام، ديميكي زودو، الذي أثار سكان "ولقايت" وهي منطقة إدارية في تيغراي على الحدود مع أمهرة، أُخرجت من سيطرة "غوندر" من قبل جبهة تحرير شعب تيغراي في عام 1992، عندما قُسمت إثيوبيا إلى اتحاد على أسس عرقية ولغوية، واشتعلت الاحتجاجات في أمهرة منذ عام 2016 مطالبة بإرجاع "ولقايت" إلى "غوندر" ضمن القوميات المعترف بها رسمياً في الإقليم. وهذا ما يكشف جانباً من الصراع بين إثنيتي الأمهرة والتيغراي كأحد أسباب العنف في "غوندر".

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

التحام النزاعات

منذ اندلاع النزاع المسلح في تيغراي الذي بدأ منتصف 3 نوفمبر (تشرين الثاني) عام 2020 بين حكومة الإقليم بقيادة جبهة تحرير تيغراي الشعبية، والقوات الإثيوبية الفيدرالية، تغير مجرى السياسة الإثيوبية بشكل كبير. وبإضفاء جانب آخر على النزاع في إثيوبيا، من حالة النزاع الإثني إلى الديني، فإنه لا بد من القبول بواقع احترام القوانين الدولية لشمولية القضية، وتفعيلها بالمواءمة مع القوانين المحلية. وما حدث في "غوندر" يحدث بشكل أو بآخر في أنحاء عدة من إثيوبيا، وتوصف "غوندر" بأنها نموذج مصغر لإثيوبيا من حيث التنمية غير المتكافئة والتاريخ المتنازع عليه، والتوترات الإثنية والدينية، والمعارضة المنقسمة والحكومة القابضة.

يدخل العامل الديني في النزاع الإثيوبي في "غوندر" بطريقةٍ أخرى، إذ اتهمت السلطة الإقليمية في أمهرة جبهة تحرير تيغراي بدعم "حركة قيمانت العرقية القومية" من خلال توفير السلاح والمال وتحريضها بغرض المطالبة بحكم ذاتي داخل منطقة أمهرة، حيث تفاقم النزاع بينها وبين حكومة الإقليم في ظل أزمة تيغراي. كان يحيط بهذه القومية بعض الغموض إلى أن تصاعدت التوترات بين الحكومة الفيدرالية و"جبهة تحرير تيغراي"، إذ أشار بعض المؤرخين إلى أن هذه القومية "عبارة عن اندماج بين مجموعة مواطني إثيوبيا، وفِرَق من اليهود يعود إلى القرن التاسع عشر، وأن هناك صلة بينهم وبين قومية الفلاشا (بيتا إسرائيل) اليهودية الإثيوبية". وانبثقت منها "لجنة قيمانت لتقرير المصير والهوية" و"حزب قيمانت الديمقراطي"، ونشط التنظيمان في الدعوة إلى قدر أكبر من الحكم الذاتي لقوميتهم داخل ولاية أمهرة الإقليمية. ومن مطالبهم التي أججت النزاع لسنوات أن تُستعمل لغتهم في التعليم، لكن ظلت حكومة إقليم أمهرة تقابل هذا الطلب بالرفض.

وبوجود أقلية "قيمانت" بمنطقة "غوندر"، في شمال إثيوبيا وإقليم أمهرة تحديداً، يعني أنها بؤرة قابلة للاشتعال. وعلى الرغم من لجوء أعداد كبيرة منهم بسبب حرب تيغراي إلى شرق السودان، إلا أن معظم أبناء القومية يتمسكون بأرضهم أملاً في تحقيق حكم ذاتي، يضمن لهم التصدي لحركة الإدماج القسري في القوميات الإثيوبية الأخرى، خصوصاً الأمهرة.

علاقات متشابكة

يبرز الدين باعتباره مكوناً أساسياً للهويات الطائفية في إثيوبيا، وعلى الرغم من أن إثيوبيا ذات غالبية مسيحية أرثوذكسية، إلا أن تعيين الهوية لا يختص بدين معين؛ إذ تحكمها أيضاً الجذور الإثنية للقوميات المختلفة ومدى تواؤمها أو اختلافها مع بعضها، ما يكشف عن العلاقة المتشابكة القائمة بين الدين والإثنية في إثيوبيا. وبينما وُضع اعتراف دستوري واضح بالحقوق الإثنية في النظام الفيدرالي، إلا أن التركيز عليها جعلها تطغى على بقية عوامل الانتماء المشتركة الأساسية المبنية على احترام الاختلافات بما فيها بين الأديان، كما تحولت المطالبة بالحقوق الإثنية إلى سيادة موجة تعلي من قيمة التجانس الإثني على حساب التجانس القومي. وعليه ظهرت بعض الأصوات المنادية بإبدال الفيدرالية الإثنية التي حرمت الأقليات العرقية من حقوقها وعززت من تهميشها، بالفيدرالية الإقليمية ليتمتع سكان الإقليم متعدد الإثنيات بحقوق متساوية.

 ويمكن اتضاح الصورة من واقع أحداث "غوندر" الأخيرة، بأنه إذا كانت إثيوبيا تعاني من تفشي مظاهر التمييز والتهميش واختلال العدالة والمساواة القائمة على أساس إثني، فإن الطريق سيكون معبداً أمام مظاهر تفشيها على أساس طائفي، لما ظهر من دور للدين في إنتاج خطاب ينادي بهوية مستقلة، تترجمه الحركات السياسية إلى نشاطات تفضي إلى العنف والعنف المضاد. وتسلط هذه الأحداث المختلفة ذات الجذور الدينية، ضوءاً جديداً على الصراع القائم على أساس إثني.

وعلى الرغم من تطبيق الحكومة الإثيوبية "هدنة إنسانية مفتوحة" منذ مارس (آذار) الماضي، في حربها مع تيغراي لإفساح المجال لوصول المساعدات الإنسانية إلى مناطق النزاع، وعدم اتضاح أمد لهذه الحرب؛ فقد بات من الواضح أن أعمال العنف الأخرى مثل أحداث "غوندر"، والتي تتخذ أشكالاً مختلفة، ربما يحيل واقع النزاع إلى مواجهة شاملة بين السلطات والشعب الإثيوبي، تارة على أساس إثني وتارة أخرى على أساس ديني، وما بينهما، ما يتعذر معه التوصل إلى تسوية ما. وعندما يتعلق الأمر بمسؤولية العنف الطائفي في "غوندو" وإثيوبيا بشكل عام، تطفو هذه العوامل المتضافرة إلى السطح، مع الاحتفاظ بإكساب الصراع زخماً إثنياً ربما تؤثر جميعها على وحدة الدولة الإثيوبية.

المزيد من تحلیل