Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

بارك تشان ووك يضلل جمهور "كان" وكروننبرغ يصدمه

الشرطي يعشق امرأة قتلت زوجها والأم تخنق طفلها آكل البلاستيك

الشرطي والقاتلة في الفيلم الكوري الجنوبي (الخدمة الإعلامية)

شهد مهرجان كان السينمائي (17 - 28 مايو - أيار) بعد ظهر أمس، عرض فيلمين في المسابقة لسينمائيين من العيار الثقيل، هما مشاكسان ومختلفان عن السائد: الكوري الجنوبي بارك تشان ووك والكندي ديفيد كروننبرغ الأشهر من أن يُعرّف. كل الأنظار كانت متوجهة إلى فيلمهما المنتظرين جداً، واللذين اكتشفنا تفاصيلهما في يوم واحد. لكل من ووك وكروننبرغ عالمه الخاص، هواجسه، تيماته المتكررة وأسلوبه في الحديث عن البشر. إلا أن ثمة ما يجمعهما: العنف والحاجة الدائمة إلى النهل من ينبوعه للحديث عن الطبيعة البشرية والدخول في أعماقها.

في "قرار المغادرة" لبارك تشان ووك الذي سبق أن فاز بجائزتين في "كان"، نتابع قصّة في منتهى الغرابة تحظى بسرد "مضلل" لدرجة أننا نتوه في تفاصيلها الكثيرة والمتكررة والشديدة التعقيد. من الصعب جداً زج الفيلم في تصنيف سينمائي جاهز، لا بل يتعذر إيجاد ما يشببه حتى إذا نبشنا في فيلموغرافيا المخرج نفسه. لا هو ثريللر نفسي كالذي اعتدناه ولا هو فيلم بوليسي من النوع الكلاسيكي. يدور الفيلم حول شرطي متمرس ومخضرم (بارك هاي إيل) يحقق في جريمة قتل رجل وقع من أعلى صخرة. هل هي حادثة أو انتحار أو قتل متعمد؟ بالرغم من تاريخه الطويل في كشف الملابسات ولو أحياناً على حساب صحته وراحته النفسية وسلامه الداخلي، فيجد نفسه أمام حالة جديدة ومعطيات غير مسبوقة. وتتعمق المشكلة عندما يقع في حب زوجة القتيل (تانغ وي) التي يشتبه بوقوفها خلف مقتل زوجها، لكونها لم تعبّر عن أي حزن عندما تلقت الخبر. لقطة بعد لقطة، نتعرف على هذه الزوجة التي تملك ماضياً هو مصدر للشكوك، علماً أنها صينية تعيش في كوريا ولا تتكلّم لغة البلد، وعليها أن تلجأ إلى برنامج ترجمة فورية على هاتفها، أي الجهاز الذي يحمل في داخله براهين إدانتها. 

اللغز الغامص

هذا كله سيتسبب للشرطي بحالة من الإرباك والإصرار على فك اللغز. لا يفهم ماذا يحل به وكيف يضع حداً لهذا الانجذاب الذي يقف عائقاً بينه وبين ضميره. هذه ليست المرة الأولى يغرم فيها شرطي بمشتبه بها في جريمة قتل لدرجة  أن يحاول طمس معالم الجريمة. هناك أفلام تتناول هذا الموضوع، خصوصاً في السينما السوداء الأميركية. لكن ما يفعل هنا ووك بالحكاية، مختلف على مستويات عدة. نراه يفكك كل شيء من الداخل والخارج في معالجة سينمائية بصرية وسردية فريدة تضع الاضطراب النفسي والقلق الوجودي والغموض في مقدمة الأحداث. أهمية الفيلم في إخراجه، لا في الفكرة، وفي قدرته على الإمساك بالمشاهد لا في الحبكة التي سرعان ما تغرق في التطويل والإعادة. في المقابل ثمة جماليات ورؤية أخرى للسينما تحمل خصوصية كورية. نحن الذين من خارج هذه الثقافة وهذه العادات وهذه الكودات الإجتماعية والأخلاقية، هناك ما يجعلنا ننجذب إلى الخصوصية الثقافية الكورية ونبتعد عنها في آن واحد.

كان العرض العالمي الأول لفيلم ووك في الساعة الرابعة والنصف بعد الظهر واستمر ساعتين ونصف ساعة، بعده بساعتين دخلنا إلى الصالة مجدداً لاكتشاف "جرائم المستقبل" لكروننبرغ. يحتاج المرء إلى قلب فولاذي ليتحمل كل ما يضعه مخرج "وعود شرقية" على الشاشة من دون أن يشيح بنظره بعيداً عنها. فهو كان حذّر قبل أيام أن كثراً سيغادرون الصالة بعد ربع ساعة فقط من بداية الفيلم. لم ألمح شخصاً غادر الصالة، لكن المَشاهد الأولى تحمل فعلاً جرعتها المعتادة من القسوة التي قد لا يتحمّلها البعض، ونرى فيها أماً تخنق ابنها بالوسادة للتخلص من هذا الذي تعتبره وحشاً بشرياً، بسبب أنه يلتهم كل شيء حتى البلاستيك. نعم، لقد قرأتم جيداً، فالولد يلتهم البلاستيك، وهذا ليس غريباً على جو كروننبرغ الذي يعود إلى سينما صنعت شهرته، مع أفلام مثل "فيديودروم" و"الذبابة" و"اكزيستنس" و"عنكبوت". بعد سلسلة أفلام كان ابتعد فيها عن غرائبياته الآثرة، يعود إلى نفسه، وهو على مشارف الثمانين من العمر، ليعانق من جديد سينما علم الخيال المقلقة التي لا تعرف أي حدود لأي شيء، وتأخذ من جسم الإنسان مادة للإختبار والتجارب الأكثر عنفاً وسقماً، مع هذا الميل الدائم إلى التحولات والأجساد المثقوبة والإنحرافات النفسية الحادة. هل هناك أكثر من قصة رجل يتحول إلى ذبابة؟ لقد سبق لكروننبرغ أن صوّرها. 

تحولات بيولوجية

المخرج الذي سبق أن صدم المهرجان برائعته "كراش" قبل نحو ثلاثة عقود، يمضي في ما يمكن تعريفه بحكاية وجودية فلسفية بيولوجية عن مصير الإنسان في المستقبل القريب، عبر الدخول إلى أحشائه والخروج منها. طبعاً، رؤية كروننبرغ لا تخلو من سياسة لكن ليس بشكل مباشر. شخصيتان يلعبان دوريهما فيغو مورتنسن وليا سايدو، هما محور الفيلم. إنهما فنانان يستئصلان الأعضاء البشرية ليحولا العملية إلى استعراض فني. هذا أقرب تعريف لما نراه على الشاشة، إذ ليس كل ما نشاهده يصلح للشرح. شيئاً فشيئاً، نفهم مشهد البداية القاسي: فالأحداث تجري في المستقبل، حيث البشر يعانون من تحولات بيولوجية. الألم والاصابة بعدوى باتا من الماضي. في المقابل، ظهرت عند ملايين الناس أعضاء جديدة. هذا الشيء يفتح المجال لممارسات جديدة بعضها يتسم بالراديكالية. "الجراحة نوع جديد من الجنس"، تقول كريستن ستيورات (التي تعمل في مجال الأعضاء) لفيغو مورتنسن في واحد من أظرف مشاهد الفيلم، فيسألها الأخير: "هل نحتاج إلى نوع جديد من الجنس؟"، فترد عليه: "أجل، لقد آن الآوان". 

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

سرد فيلم لكروننبرغ مع وضع الكلمات على صور، يختلف جذرياً عن مشاهدته. فالمخرج الكبير، رغم دخوله العقد التاسع من العمر، لا يزال طليعياً في أفكاره عن الإنسان، ومبتكراً في نظرته للمستقبل. قد تحرك سينماه فينا مشاعر متضاربة أو نبقى لامبالين تجاهها، لكن من الصعب التجاهل أننا أمام رجل يعرف دروسه السينمائية وقد حفظها عن ظهر قلب. إتقانه لكل مراحل صناعة العمل لم يعد موضوع شك منذ زمن بعيد. من التأطير إلى التقطيع فالحفاظ على مستوى الإيقاع وإشاعة جو القلق… كل شيء مشغول بحرفة وصنعة معلّم. لا يوجد خلل واحد أو زلة أو شيء ليس في محله الصحيح. يبقى أن ننتظر لنرى إذا كانت لجنة التحكيم سترى في كروننبرغ أهلاً لـ"السعفة"، هو الذي لم ينلها يوماً رغم مشاركاته المتعددة في المهرجان.   

المزيد من سينما