Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

ماذا تبقى من منظومة الدعم في مصر؟

الحكومة تستثني ثماني فئات جديدة من بطاقة التموين ومحللون يرونه برنامجاً إصلاحياً جديداً ومطالب بفتح باب التظلمات

الحكومة المصرية لم تترك الفئات الأكثر احتياجاً يواجهون التداعيات السلبية للإصلاح بمفردهم  (رويترز)

بدأت سفينة الدعم الإبحار في مصر بحمولة خفيفة قبل نحو 100 عام أو يزيد مع اندلاع الحرب العالمية الأولى، لتزداد أثقالها عقداً بعد عقد، حتى أضعفتها ثقوب الأزمات، وقبل أن تغرق تخلصت من حمولتها الزائدة رويداً رويداً لتلقي بأغلب من لا يستحقون دعمها في الأسواق الحرة لتعود خفيفة كما بدأت.

وقبل 118 عاماً لم تعرف الدولة المصرية الدعم بالشكل الرسمي، فإن ما كان يتم قبل الحربين العالميتين الأولى والثانية على فترات لم يرتقِ إلى مسمى الدعم بمعناه المعروف. فعلى سبيل الذكر تصدى الملك فاروق لمشكلة دعم أبناء الطبقات الفقيرة عام 1941، وخصص 2000 جنيه (نحو 108 دولارات أميركية) لحل هذه الأزمة، وكان هذا المخصص أولى حلقات الدعم في مصر، لكن بشكل غير مباشر وفقاً لدراسة أعدها المركز المصري للدراسات السياسية والاقتصادية.

وأكدت الدراسة أن الدعم في مصر دخل في منحنى جديد بعد اندلاع الحرب العالمية الثانية، التي نشبت بين دول الحلفاء في مواجهة دول المحور في سبتمبر (أيلول) 1939 وحتى سبتمبر 1945 التي تسببت في إيقاف تبادل السلع بين دول العالم، وهو ما دفع الدولة إلى التدخل بشراء بعض السلع الأساسية، مثل القمح والدقيق والكيروسين وغيرها من السلع على نفقتها وضخها في الأسواق مجاناً لتعبر تلك الأزمة لتلافي الآثار السلبية الناجمة عن الحرب، ومعها دشنت وزارة للشؤون الاجتماعية التي تحولت تدريجياً، لتصبح وزارة التموين والتجارة الداخلية في ما بعد.

توسع في الدعم

وتقول الدراسة إن الحكومة المصرية توسعت في عهد الرئيس الأسبق جمال عبد الناصر، في تقديم الدعم بطرق متعددة، وكان في صدارتها ما عرف آنذاك بـ"الإصلاح الزراعي"، علاوة على توفير خدمات اجتماعية تتضمن الصحة والتعليم، وإصدار البطاقات التموينية للمرة الأولى لعدد محدود من السلع، بهدف توفير السلع الأساسية للمواطنين، كإجراء لمواجهة النقص فيها.

وتضخمت أعباء السفينة رويداً رويداً لتتخطى حاجز الـ20 مليون جنيه (مليون دولار) في عام 1970 بعد التوسع في قائمة السلع المدعومة، لتصل إلى 18 سلعة أساسية بعد ضم الفول، والعدس، والدجاج، واللحوم، والأسماك المجمدة، وللمرة الأولى دعمت الحكومة المصرية الكهرباء وخدمات النقل الداخلي، والبنزين، علاوة على أن الدعم خلال حقبة السبعينيات شمل جميع المصريين من دون تحديد فئة بعينها من المستحقين.

وتأثرت الموازنة العامة للدولة بشكل كبير عقب انتهاء حرب أكتوبر (تشرين الأول) عام 1973، لتقوم الدولة في أول محاولة جادة لتقليص الدعم حين قرر الرئيس الأسبق أنور السادات، بعد الاتفاق مع صندوق النقد الدولي على تنفيذ حزمة إصلاحات اقتصادية، بدأت عام 1976، لتخفيف التداعيات السلبية لحرب 1973.

ومع إعلان الحكومة قرارات رفع الدعم في يناير (كانون الثاني) 1977، اشتعل الشارع المصري غضباً بعدما رفعت الدولة يدها عن دعم السكر، والدقيق، والشاي، والأرز، وخرجت شريحة كبيرة من المصريين للاحتجاج في شوارع القاهرة عرفت إعلامياً بـ"أحداث يناير" ما أجبر الحكومة على التراجع عن قرارات رفع الدعم.

 

 

مبارك جمد الدعم

وجمد الرئيس الراحل مبارك ملف إعادة هيكلة الدعم نهائياً عندما تولى مقاليد الحكم، ولم تقترب الحكومة من هذا الملف على الإطلاق حتى اكتظت الموازنة المصرية بالديون والأعباء، مما دفعها إلى الاتفاق مع صندوق النقد الدولي في مطلع التسعينيات على تنفيذ برنامج أطلقت عليه "إصلاح نظام دعم السلع الغذائية"، خفضت تدريجياً من خلاله عدد السلع المدعومة، التي بلغت نحو 20 صنفاً، فرفعت بذلك الدعم عن الأسماك، والدجاج، واللحوم، والشاي، والأرز، اعتباراً من عام 1992، حتى وصل عدد السلع المدعومة في عام 1997 إلى أربع سلع فقط هي: الخبز البلدي، والدقيق، والسكر، وزيت الطعام، علاوة على تقليص عدد الأشخاص الذين يحملون بطاقات تموينية من مستحقي الدعم الغذائي قبل أن تنفذ برنامج الإصلاح الاقتصادي، في عام 2016، لعلاج تشوهات منظومة الدعم كأحد الشروط التي اتفقت عليها القاهرة مع صندوق النقد الدولي لتهبط بالدعم السلعي خصوصاً الكهرباء والمياه ودعم المحروقات.

وأكد محللون لـ"اندبندنت عربية"، أن الدعم السلعي أحد أبرز الملفات الشائكة التي تواجه الدولة منذ ستينيات القرن الماضي، فبعضهم بارك خطوات الدولة في علاج التشوهات، وآخرون أكدوا ظهور أعراض جانبية لهذا العلاج، في حين اعتبر رأي ثالث أن الطريق لا يزال صعباً في ظل اتجاه الحكومة لتنفيذ إصلاحات قوية مرتقبة مع صندوق النقد الدولي.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

رفع دعم الخبز تدريجياً

وقال رئيس قطاع البحوث بالجامعة الأميركية بالقاهرة، هاني جنينة، إن الحكومة "بدأت في التمهيد لإجراءات جديدة تخص ملف الدعم السلعي منذ يناير (كانون الأول) الماضي، عندما ألمحت إلى رفع الدعم عن رغيف الخبز"، لافتاً إلى أن هذا البند "لم يمس منذ أكثر من 30 عاماً نظراً إلى الحساسية الشديدة في معالجته".

وأضاف أن "دعم رغيف الخبز أبرز البنود المتبقية من المنظومة، إلى جانب دعم الأسمدة للمزارعين والمحروقات بصورة تدريجية بعد التخلص من دعم الكهرباء والمياه"، مشيراً إلى أن الدولة "نجحت نسبياً في علاج تشوهات المنظومة". مستدركاً، "لكن ارتفاع سعر صرف الجنيه المصري مقابل الدولار الأميركي يعصف بتلك النجاحات، علاوة على ارتفاع أسعار النفط والغاز والخامات والسلع الأساسية".

"التظلم" طريق المستبعدين

وتابع أن أحد أبرز اشتراطات صندوق النقد الدولي في كل البرامج التي أبرمتها مع القاهرة إلى جانب البرنامج الجديد المزمع توقيعه قريباً هو "استبدال الدعم النقدي بالدعم العيني فيما يخص الخبز، إلى جانب تنقيح منظومة البطاقات التموينية حتى يصل الدعم إلى المستحقين الفعليين"، مشيراً إلى "أن وزارة التموين تصدر كل فترة اشتراطات جديدة لاستحقاق دعم البطاقات التموينية كان آخرها الأسبوع الماضي"، مطالباً الدولة بـ"فتح باب التظلمات للمواطنين المستبعدين من المنظومة لأسباب متعددة حتى تتسم الإجراءات بالعدل".

وأكد رئيس قطاع البحوث بالجامعة الأميركية أن "توقيت رفع الدعم عن رغيف الخبز صعب للغاية، نظراً إلى ظروف التضخم والغلاء". متوقعاً أن "تتوصل القاهرة مع الصندوق إلى تطبيق الإجراء على شرائح لمدة ثلاث سنوات على غرار رفع دعم الكهرباء"، مستبعداً رفع الدعم عن رغيف الخبز دفعة واحدة.

وقبل أربعة أشهر، ألمح الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، إلى وقف إصدار بطاقات تموينية للمقبلين على الزواج أو المتزوجين حديثاً، وعدم زيادة المستحقين في "بطاقات التموين القديمة" لأكثر من فردين، مشيراً خلال افتتاح بعض المشاريع التنموية في يناير الماضي إلى أن "ثقافة المواطن يجب أن تتغير".

 

 

مطالب بحوار مجتمعي

من جانبه، قال الرئيس السابق للجنة الخطة والموازنة بمجلس النواب، حسين عيسى، إن "علاج تشوهات الدعم خلال الفترة الماضية جرت بشكل غير كامل أو غير دقيق". مضيفاً أن "الدولة كانت تخفض من مخصصات الدعم بطرق عشوائية من دون علاج الاختلالات الهيكلية، أحد الأمراض المزمنة بالموازنة"، موضحاً أنه "في الوقت الذي كانت تخفض مخصصات الدعم كان العجز الكلي للموازنة في زيادة تخفيض بنود الدعم يجب أن يقابله تحسن في المؤشرات العامة بالموازنة".

وحول اشتراطات وزارة التموين للحصول على دعم البطاقات التموينية، قال عيسى، إن "وضع الاشتراطات من دون دراسة ومعايير يفقدها أهميتها". مطالباً الحكومة بـ"فتح حوار مجتمعي حول تلك الاشتراطات والأسس والمعايير التي تحدد الدولة من خلالها استبعاد مواطن، وضم آخر للوصول إلى العدالة الاجتماعية الكاملة".

ترشيد الدعم السلعي

في المقابل، بارك وكيل لجنة الخطة والموازنة بمجلس النواب، مصطفى سالم، خطوات الدولة لترشيد الدعم السلعي منذ عام 2016 بعد تطبيق برنامج الإصلاح. مؤكداً أن الحكومة عندما بدأت البرنامج "لم تترك الفئات الأكثر احتياجاً يواجهون التداعيات السلبية للإصلاح بمفردهم". وأضاف، "الحكومة ترفع أجور ورواتب الموظفين بالدولة سنوياً منذ خمس سنوات تقريباً علاوة على ضم 450 ألف أسرة جديدة للمستفيدين من برنامج (تكافل وكرامة)، وكذلك زيادة حد الإعفاء الضريبي بنسبة 25 في المئة". مشيراً إلى "أن الحكومة نجحت في التخلص من نسبة كبيرة من الدعم الجاثم على جسد الموازنة بأعبائه الثقيلة طوال السنوات الست الماضية".

وشدد وكيل لجنة الخطة والموازنة على أن "الصورة الذهنية المرتبطة برفع الدعم عن المواطنين يجب أن تتغير، فليس معنى ذلك ترك الفقراء يواجهون صعوبات الحياة. ترشيد الدعم يعني تحقيق أكبر استفادة ممكنة من مخصصات الدولة لدعم الفئات الأكثر احتياجاً والتأكد من وصول الدعم إلى مستحقيه".

ويستفيد أكثر من 71 مليون مواطن ضمن البطاقات التموينية بالحصول على سلعة أساسية مدعومة، بينما يستفيد نحو 82 مليون مواطن من منظومة دعم الخبز.

استبعاد فئات جديدة

وقبل أيام، أعلنت وزارة التموين تنقيحاً جديداً لمنظومة البطاقات التموينية بعد الإعلان عن استبعاد ثماني فئات من المنظومة بداية من مايو (أيار) المقبل، وضمت تلك الفئات ملاك سيارات ملاكي موديل 2018 أو أحدث إلى جانب أصحاب الشركات التي تبلغ قيمتها عشرة ملايين جنيه (538 ألف دولار)، إضافة إلى المواطن الذي يزيد راتبه الشهري على 9600 جنيه (517 دولاراً)، إلى جانب المواطن الذي تصل قيمة ضرائبه 100 ألف جنيه (5380 دولاراً) فأكثر.

كما شمل القرار الأسر التي تدفع مصروفات مدرسية لأبنائها تصل إلى 20 ألف جنيه (1076 دولاراً) أو أكثر، وكذلك المواطن الذي تتخطى فاتورة الكهرباء الشهرية الخاصة بمسكنه مبلغ 800 جنيه (43 دولاراً)، وملاك الأراضي الزراعية التي تبلغ مساحتها عشرة أفدنة، وأخيراً أصحاب المناصب العليا والرفيعة في البلاد.

استنكار شعبي

وفي المقابل، عبر بعض المواطنين عن سخطهم ضد الاشتراطات الجديدة التي وضعتها وزارة التموين المصرية للبقاء ضمن منظومة البطاقات التموينية. يقول تامر محسن، صاحب سيارة موديل 2019، إنه "ورث سيارته الحالية عن والده المتوفى قبل شهور قليلة"، مضيفاً "أعمل موظفاً بإحدى شركات القطاع الخاص، ولا يتخطى راتبي حدود الخمسة آلاف جنيه (269 دولاراً)"، مشيراً إلى أنه "يعتمد بشكل كبير على السلع التموينية التي يحصل عليها من خلال البطاقة لأسرته المكونة من ستة أشخاص". متسائلاً، "كيف يجري استبعادي بسبب السيارة التي ورثتها عن والدي؟".

وقالت إيمان سمير، ربة منزل، "الفواتير الشهرية للكهرباء تتخطى الـ1000 جنيه (54 دولاراً) منذ عام تقريباً بعد زيادة أسعار الشرائح المتتالية منذ أربع سنوات، لماذا أستبعد من المنظومة؟ على الرغم من أن التغير الذي حدث على فواتير الكهرباء ليس ذنبي بل ذنب الخدمة التي زادت شرائحها في ظل اعتماد أولادي على الوسائل التكنولوجية من إنترنت وغيرها لأكثر من 15 ساعة متفاوتة للدراسة التي من دون شك تحتاج إلى الكهرباء، هل من المعقول أن يرفعوا الشرائح والفواتير وبعدها يخرجوني من منظومة البطاقات التموينية، وأنا العائل الوحيد لأبنائي بعد زوجي المتوفى؟".

5.8 مليار دولار لدعم السلع

يبلغ الدعم السلعي في موازنة العام المالي 2021-2022 نحو 108 مليارات جنيه (5.8 مليار دولار) يتوزع بين 87 مليار جنيه (4.6 مليار دولار) لدعم السلع التموينية و18 مليار جنيه (969 مليون دولار) للمحروقات و665 مليون جنيه (36 مليون دولار) للمزارعين و2.5 مليار جنيه (135 مليون دولار) لدعم الأدوية وألبان الأطفال، بينما تخلصت الحكومة من دعم الكهرباء والمياه منذ عامين ليصبح صفراً.

وقلصت الدولة الدعم السلعي بنحو 54 في المئة خلال خمس سنوات، إذ سجل في العام التالي لبدء تطبيق برنامج الإصلاح الاقتصادي 232 مليار جنيه (12.4 مليار دولار) في العام المالي 2017-2018، قبل أن يتراجع إلى 108 مليارات جنيه في العام المالي الحالي، بعد أن خفضت القاهرة مخصصاته تدريجياً ليصل إلى نحو 191 مليار جنيه (10.2 مليار دولار) خلال عام 2018-2019، قبل أن تخصم نحو 90 مليار جنيه (4.8 مليار دولار) دفعة واحدة في العام المالي 2019-2020، ليسجل 101 مليار جنيه (5.4 مليار دولار).

وعلى الرغم من الارتفاع الطارئ بسبب الجائحة العالمية في العام المالي الماضي 2020-2021 مسجلاً 114 مليار جنيه (6.1 مليار دولار) عادت الحكومة إلى خفض القيمة بنحو ستة مليارات جنيه (322.8 مليون دولار) خلال هذا العام.