Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

"حرب الإشاعات" تضرم نيرانها على الحقائق في أوكرانيا

شهدت الأزمة صنوفاً جديدة من التهم المتبادلة لا تتوقف عند "اغتصاب الرجال" و"المعامل البيولوجية" وتوظيف "أشباه بوتين"

حروب طاحنة تدور هناك تحت جنح الظلام بين فرقاء القارة العجوز (رويترز)

حين سألت صحافية غربية في أواخر فبراير (شباط) 2020 الرئيس الروسي فلاديمير بوتين قبل بدء الحوار معه "هل أنت بوتين الحقيقي؟"، أجاب ضاحكاً "نعم، أنا بوتين الحقيقي" قبل أن يفند بعد ذلك مزاعم وإشاعات قالت إنه يستعين برجال يشبههم ويشبهونه.

الحقيقة أن سؤال الصحافية التي أرادت التأكد من هوية سيد الكرملين لم يكن عبثياً لأنه جاء نتيجة ماكينة من الإشاعات الغربية على مدى سنوات، وهي التي كانت تقابلها إشاعات مضادة أخرى من روسيا الباردة الواقعة أقاصي شمال الكرة الأرضية.

وللمصادفة أنه وبعد عامين وفي نفس الشهر، فبراير (شباط) 2022 حين بدأت شرارة الحرب الروسية على أوكرانيا، كانت الإشاعات ونظريات المؤامرة التي ظلت لعقود تحت الرماد تشتعل مرة أخرى كما لم تستعر من قبل، على نحو "المليار الذهبي، والمعامل البيولوجية، وأشباه بوتين"، وإشاعات ونظريات أخرى حديثة العهد جاءت مواكبة للحرب التي مضى عليها اليوم نحو شهرين وخلفت مئات الآلاف من المهجرين والقتلى والمصابين. 

 

غداة دنو الدبابات الروسية التي تحمل الحرف "Z" المثير للتكهنات من منطقة دونباس شرق أوكرانيا، بدأت آلة جديدة من آليات المؤامرة ونظرياتها، وهي لم تكن تقل شأناً عن أصوات المدافع والبارود، بل كانت أقوى وأكثر انتشاراً وتأثيراً، فالرصاصة التي تخترق جسد جندي أوكراني أو روسي في شمال الكرة الأرضية، ولم يكن يسمع بصداها أحد، تقابلها هناك مئات من الرصاصات الافتراضية والأخبار المضللة التي يتردد صداها في كافة أقطار الكرة الأرضية، تلك وسيلة قديمة في أعراف الحروب ومبادئها، لكن التقنية الحديثة أسهمت في نشرها بوتيرة أسرع.

من كورونا إلى أوكرانيا

يقول المؤمنون بالمؤامرات، إن الحرب محاولة لصرف الانتباه عن كورونا ولقاحاتها المميتة، فيما يذهب آخرون أكثر قرباً من تضاريس الحرب، إلى إنها حيلة لتمكين الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون من الفوز بولاية رئاسية ثانية الشهر المقبل.

لم تفت تلك الأقاويل خبير نظريات المؤامرة في فرنسا "تريستان مينديس" الذي قال حين التقاه صحافي من "وكالة الصحافة الفرنسية" "إن بعض الأشخاص الذين شاركوا إشاعات بشأن كورونا، يقومون بالأمر ذاته الآن بالنسبة لحرب أوكرانيا". وأضاف "الأمر ليس مفاجئاً، عالم المؤامرات هذا عبارة عن قشرة فارغة تنمو حول أخبار اللحظة".

 

لم يكن هذا وحسب، يذهب تريتسان إلى أن بعض أصحاب نظريات المؤامرة يقولون إن أوكرانيا ستكون "القاعدة الخلفية لشبكة دولية لاستغلال الأطفال جنسياً" أو إنها ستستضيف "مختبرات أميركية سرية" تعد نسخة جديدة من فيروس كورونا من أجل "نظام عالمي جديد".

المليار الذهبي 

ولربما أن الحديث عن "النظام العالمي الجديد" يرمي إلى نظرية عتيقة يطلق عليها "المليار الذهبي"، وهو مصطلح شائع في روسيا والبلدان الناطقة بالروسية، يرمي بالتهمة نحو الدول الصناعية الغنية (دول العالم الأول)، ويشير إلى أنه لا بد من موانع تكبح نمو السكان وتناقص أعدادهم، وقد تأخذ ذلك الشكل الإيجابي والأخلاقي كالعفة والزهد والرهبنة، إلا أن ذلك لا يكفي، فالناس لا يملكون الثقافة والمعرفة والبصيرة، ولا بد من تدخل عوامل خارجية كالحروب والإفقار والمجاعات والأوبئة لتحقيق هذا التوازن".

تقول النظرية التي لا تزال تلاحق البشرية منذ نهاية القرن الثامن عشر، "إن النخبة التي تحكم الدول المتقدمة، تسعى لتقليص عدد سكان العالم ليصبح مليار نسمة فقط، وبالطبع تنص النظرية على أن هؤلاء الذين يشملهم مصطلح المليار الذهبي هم سكان هذه الدول المتقدمة التي تشمل أوروبا الغربية، والولايات المتحدة الأميركية. ويدعي المؤمنون بنظرية المليار الذهبي، أن النخب التي تحكم الدول المتقدمة، تستخدم كل الوسائل المُمكنة لتحقيق ذلك الهدف".

وعلى الرغم من إنجليزية مبتكر النظرية العرقية "توماس روبرت مالتوس"، إلا أن القيصر الروسي فلاديمير بوتين من المؤمنين بها والمبشرين بأنها "بدأت تنهار"، كما قال ذلك في خطاب متلفز قبل نشوب الحرب بأشهر، حين وجه لأعداء اليوم الغربيين كلمات بدأها بالقول، "أريد أن يسمعني المواطنون العاديون في الدول الغربية". ليواصل عاقد الحاجبين حديثه الغاضب، "إنهم يحاولون جاهدين إقناعكم بأن كل الصعوبات التي تواجهكم، هي نتيجة أعمال عدائية من قبل روسيا، وإنكم مضطرون لتدفعوا من جيوبكم ثمن محاربة التهديدات الروسية الخيالية، كل هذا كذب. كذب".

 

لم يكن فلاديمير بوتين الذي قضى آخر عقدين من عمره الذي ناهز السبعين في السلطة رحيماً في خطابه، حين قال للعاديين من الناس " الحقيقة أن المشكلات الحالية التي يواجهها الملايين في الغرب، ما هي إلا نتيجة تصرفات النخبة الحاكمة لدولهم على مدى سنوات عدة، بسبب أخطائهم وقصر نظرهم وطموحهم، هؤلاء المسؤولون لا يفكرون في كيفية تحسين حياة مواطنيهم في الدول الغربية، بل هم مهووسون بمصالحهم الأنانية و الأرباح الزائدة، والدليل على ذلك هو بيانات المنظمات الدولية، التي تتحدث بشكل مباشر عن تفاقم المشكلات الاجتماعية حتى في الدول الغربية الرائدة في السنوات الأخيرة، عدم المساواة والفجوة بين الفقراء والأغنياء في ازدياد، والصراعات العرقية والقومية بدأت تظهر". 

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

ولم يغفل الرئيس الروسي "نظرية مالتوس" التي آمن بها في خطابه حين قال، "أسطورة رفاهية المجتمع الغربي وما يسمى بالمليار الذهبي بدأت تنهار.. وأنا أكرر اليوم أن الكوكب كله يدفع ثمن طموحات الغرب، لمحاولاته بشتى الطرق الحفاظ على هيمنته المتلاشية".

لا يمكن الجزم أن ذلك الخطاب الذي يعزز من صدقية نظرية "المليار الذهبية" والذي سبق الحرب كان بمثابة تمهيد لها، لكن يمكننا الجزم أنه بمثابة البذرة التي باتت نبتة اليوم لخلق حالة من كسب التأييد للحرب والعداء أيضاً بين شعبه وأنداده الغربيين، وهو الشعب الذي لم يكن متعاطفاً مع النيران المشتعلة في ماريوبول المحاصرة ومئات الآلاف من الأوكرانيين الفارين نحو بولندا و المتكدسين على أبواب جورجيا، ففي الوقت الذي كان يحدث كل هذا الدمار كانت هناك طوابير طويلة من الروس تقف أمام محلات "أيكيا" لشراء الأرائك والأدوات المنزلية المريحة. 

قد تكون تلك المشاهد مبهجة لبوتين ولافروف وسيرغي شويغو وبقية رجال السلطة الذين قد يواجهون تأنيب الضمير بالملايين من الأنصار الحالمين بعودة أمجاد اتحادهم السوفياتي وهم يجلسون على أرائك "أيكيا" غربية الصنع.

 

بوتين وإصابته بالسرطان

لم تنتهِ حرب الإشاعات بعد، فالصحف الغربية المضادة للهجة الكرملين وأدواته الإعلامية، تقول إن بوتين "مصاب بالسرطان"، وإن طبيباً خبيراً في جراحة سرطان الغدة الدرقية زاره 35 مرة خلال 4 سنوات في مقر إقامته على ضفاف البحر الأسود، تلك أنباء ومزاعم نقلتها "التايمز البريطانية". 

وكتبت، أن "الجراح العالمي يفغيني سيليفانوف زار الزعيم الروسي مئات المرات حين كان يقضي أيام النقاهة في شوتسي... وأن بوتين تحول إلى الطب البديل وانغمس في ممارسة الاستحمام في الدم المستخرج من قرون الغزلان المقطوعة".

كانت تلك أقاويل لم يؤكدها الكرملين الذي سئم إشاعات السرطان الذي يقال إن بوتين أصيب به، وفق محلل سياسي أميركي، يقول "إن الإشاعات عن مرض بوتين بالسرطان حقيقية، بخاصة في ظل العزلة التي يضع نفسه فيها، وإن هذا الأمر كان يسبق حتى ظهور جائحة كورونا، إذ جرت العادة إجراء فحوصات للمسؤولين قبل مقابلته".

 

ويوضح تحليل مجلة "تايم" أيضاً أن "هناك إشاعات تشير إلى أن المسؤولين الروس عليهم إجراء فحوصات براز للتأكد من خلوهم من الأمراض، ومنذ جائحة كورونا عليهم عزل أنفسهم أياماً عدة قبل رؤية القيصر".

ورداً على بعض المتخصصين الذين زعموا أن "بوتين مريض ويستخدم الكورتيزون"، اعتبر الكرملين ذلك إشاعات لا صحة لها، وهو يصر بانتظام على "الصحة المثالية" للرئيس الروسي.

حقن البوتكس

ودفعت ملامح القيصر الروسي الثابتة على الرغم من التقدم في العمر لإطلاق إشاعات حول أخذه أخيرا حقن "البوتكس"، وفقاً لصحيفة "لوبوان" (Le Point) الفرنسية، التي قالت في نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي "يبدو وجهه متجمداً تماماً كالقناع" وتواصل الجريدة الفرنسية القول "يشعر بوتين بالقلق الشديد بشأن صورته، وهو الأمر الذي جعله يلجأ بانتظام إلى حقن البوتكس للحفاظ على وجه ناعم، مثل نهر الفولغا".

اغتصاب الرجال 

وتتواصل قذائف الإشاعات المتبادلة نيرانها بين فرقاء القارة العجوز، حين ذكرت صحف مناهضة لبوتين ورجاله أن "الروس يغتصبون الرجال أيضاً". وتقول جماعات حقوقية وناشطون في مجال حقوق الإنسان، إن القوات الروسية استخدمت الاغتصاب "كأداة حرب" في أوكرانيا، ولم تقتصر على النساء فقط، بل شملت رجالاً وأطفالاً.

وهو تقرير نقلته شبكة "سي أن أن" عن مجموعات حقوق إنسان وعلماء نفس أوكرانيين، قالوا إنهم يعملون على مدار الساعة للتعامل مع عدد متزايد من حالات الاعتداء الجنسي التي تورط بها الجنود الروس. وتزعم الشبكة الأميركية، أن "الجنود الروس يبذلون كل ما في وسعهم لإظهار هيمنتهم، والاغتصاب هو أحد أدواتهم لفعل ذلك".

 

ونقلاً عن أليونا كريفولياك، مديرة مجموعة أوكرانية مناهضة للعنف المجتمعي تقول للشبكة العالمية، إن "الخط الوطني الساخن للإبلاغ عن حالات العنف تلقى تسع شهادات عن اغتصاب من جميع أنحاء البلاد، معظمها اغتصاب جماعي لنساء"، وقالت إن "الاغتصاب أداة حرب ضد السكان المدنيين، تهدف لتدمير الأمة الأوكرانية". كانت تلك مزاعم يعتبرها الكرملين عارية من الصحة.

المعامل البيولوجية

وبعد أكثر من أسبوعين على بدء العملية العسكرية الروسية، في 24 فبراير (شباط) الماضي، اتهمت وزارة الدفاع الروسية، الولايات المتحدة بإقامة 30 مختبراً بيولوجياً في أوكرانيا، تنتج فيروسات تسبب أمراضاً خطرة، مشيرة إلى تدمير بعضها. وهي مزاعم اعتبرها البنتاغون "اختراعاً لحملة تضليل روسية".

وحول هذا يؤكد قائد قوات الدفاع الشعاعي والكيماوي والبيولوجي في القوات الروسية إيغور، أن الولايات المتحدة قامت بإنشاء شبكة تتكون من 30 مختبراً بيولوجياً في أوكرانيا، في مدن لفيف وخاركيف وبولتافا، مشيراً إلى أنه تم تدميرها، والعثور هناك على آثار لمسببات أمراض الطاعون والجمرة الخبيثة وداء البروسيلات والدفتيريا والسالمونيلا والدوسنتاريا.

ويتهم الروس على لسان وزير خارجيتهم، سيرغي لافروف، في كلمة سابقة أمام مجلس "الدوما"، معظم الدول المجاورة لبلاده بأن "لديها مختبرات بيولوجية عسكرية أميركية"، مشيراً إلى أنه "من الصعب للغاية فهم" ماهية عمل هذه المختبرات.

 

ورداً على تلك المزاعم، رفض المتحدث باسم البنتاغون آنذاك، إريك باهون، بشدة مزاعم كيريلوف، ووصفها بأنها "اختراع لحملة التضليل الروسية الخيالية والكاذبة ضد الغرب" و"محاولات واضحة لتحويل الانتباه عن السلوك الروسي السيئ على جبهات عديدة".

وتمضي صحف غربية بحملات تكذيب للرواية الروسية، حين كتبت واحدة منها أن الحسابات الموالية لموسكو كررت الرواية الروسية التي تتهم الولايات المتحدة بإدارة مختبرات سرية في أوكرانيا بشكل آلي.

وكما أن الحرب الميدانية لا تزال تتواصل، فإن الحرب الكلامية والافتراضية بين دول "الناتو" وحليفتهم الأم واشنطن وبين موسكو لم تنته بعد، ولن تقف عند اغتصاب الرجال والمعامل البيولوجية وأشباه بوتين، الرجل الذي يحيي رجاله اليوم خلال لقائه مع سيرغي شويغو وزير دفاعه ويقول بأن "اكتمال القتال لتحرير مدينة ماريوبل يعد نجاحاً"، وأن جوائزه لرجال الجيش ستكون مختلفة.