فوكس يلجأ إلى تحوير ساخر للحقيقة على وقع تعثّر الاستثمارات الأجنبية في بريطانيا

زفّ وزير التجارة الدولية خبر تصدّر بريطانيا المنافسة ضمن المنطقة الاوروبية متجاهلاً هبوطاً بنسبة 13 بالمائة في المشاريع وبروز الهامش الضيّق لصدارتها

وزير التجارة البريطاني ليام فوكس خارجا من 10 داونينغ ستريت في لندن (رويترز) 

لا شك في أن حكومة تيريزا ماي كانت أسوأ الحكومات إطلاقاً على مرّ التاريخ  السياسي البريطاني ولكنها نجحت رغم ذلك بالتفوق على نفسها من خلال قدرتها على استخدام الأرقام بطريقة انتقائية وساخرة ربما تدفع باللئيمين إلى نعتها بالخبيثة الكاذبة. 

فلنأخذ مثلا أحدث تقرير يبحث في قدرة بريطانيا على جذب الاستثمار الخارجي المباشر وهو تقرير دوري تصدره شركة "إي واي"EY  للاستشارات.

فقد دفعت نسخة العام 2019 من هذا التقرير بوزير التجارة الدولية المؤيد للانفصال عن الاتحاد الأوروبي ليام فوكس إلى الثناء على مكانة بلاده باعتبارها "القبلة الأولى للاستثمار الأجنبي المباشر في أوروبا رغم البيئة الاقتصادية العالمية الصعبة".

وتابع قائلاً "يظهر الاستطلاع الصادر عن "إي واي" استقطاب القطاع الرقمي المزدهر لدينا للعدد الأكبر من المشاريع الاستثمارية في العام الماضي مقارنة بكافة البلدان الأوروبية الأخرى، إلى جانب ارتفاع الاستثمار الأميركي في لندن بنسبة 40 في المائة".  

وترجمة هذا الكلام هي التالية: "هللوا وافرحوا! ها قد بلغنا النعيم بفضلنا أنا وأصدقائي"

المشكلة الوحيدة أنّه من شأن قراءة سريعة لمقدمة التقرير أن تفضح زيف رسالته. بل يكفي النظر إلى عنوان التقرير وهو "على حافة الهاوية" إذ يوجز بدقة المكانة التي وصلت اليها بريطانيا بفضل جهود فوكس واصدقائه سيئي السمعة.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

ويظهر التقرير انّ مشاريع الاستثمارات الاجنبية المباشرة قد سجلت هبوطاً بنسبة 13 بالمائة في بريطانيا في العام 2018 مقابل 4 بالمائة فقط في مجمل الدول الأوروبية الأخرى. وانخفضت حصّة بريطانيا من كافة المشاريع الأوروبية إلى 17 بالمائة وهو المستوى الأدنى الذي تسجّله البلاد منذ عقدين من الزمن.

وكانت انتكاسة الاستثمار في قطاع التصنيع بالغة الوضوح - فقد سجل القطاع انهيارا مذهلا نسبته 35  في المئة.

ولكن قد تقولون أن وضع القطاع الرقمي عظيم، أليس كذلك؟ ها هم يتدافعون كي يستثمروا فيه لأنه المستقبل بالطبع! ولكن حتى في هذا القطاع، الأرقام  بعيدة  كل البعد عن الصورة الوردية التي يرسمها فوكس.

إذ يوضح التقرير أنّ حصة بريطانيا من هذا السوق انخفضت لتسجّل 23 بالمائة. وعلى فوكس واصدقائه ألا يتفاجئوا بهذا الرقم. إذ لفتت شركة "إي واي" إلى مواجهة المملكة المتحدة منافسة على صدارة هذا القطاع في العام الماضي حين أشارت إلى أنّ مستوى نمو القطاع في البلاد والذي سجل 27 بالمائة كان اقل بشكل ملحوظ من المستوى الذي سجّلته القارة الاوروبية بالاجمال وهو 33 بالمائة. 

هلا حاولنا التدقيق في العوامل التي أدت إلى تسجيل هكذا أرقام من شأنها أن تثير قلق أية حكومة مسؤولة (أجل، أعرف)؟ الأسباب التي ترتب عليها هذا الوضع هي مكافأة كل من دعا إلى الانفصال عن الاتحاد الأوروبي وهذا ما يظهر جلياً في التقرير. 

على عكس فوكس، سأحاول أن أتناول الأرقام بصراحة. استطلعت "إي واي" آراء 400 مستثمر حول أثر تلك الفوضى الكريهة التي لعب هو دوراً كبيراً في توليدها، وجاء رد 5 بالمائة منهم بأنهم قد اقتطعوا من استثماراتهم. وفي المقابل قال 5 بالمائة غيرهم إنهم سيزيدون قيمة استثماراتهم، مما وازن الكفة. فأين تكمن المشكلة إذاً؟ لقد جمّد حوالى 15 بالمائة من المستثمرين مشاريعهم، أي ضعف عدد المستثمرين مقارنة بالعام السابق.

ما زالت الاستثمارات والوظائف والازدهار المستقبلي إلخ موجودة في المملكة المتحدة. ولكن وفقاً لـ"إي واي" يجب بالمقام الأول "الوقوف على آراء المستثمرين لتدارك مخاوفهم" كي يفرجوا عن هذه  الاستثمارات.

وأما المهزلة التي تجري حالياً في الحرب على زعامة حزب المحافظين فلن تخدم هذا المسعى، ولن يخدمه أيضاً كون المرشح الأوفر حظاً في هذا السباق هو بوريس جونسون، وأذكركم أنه هو نفسه صاحب التصريح الشهير "تباً لقطاع الأعمال".

لم يخطىء فوكس في قوله إن المملكة المتحدة جذبت المستثمرين الأميركيين. ولكن في معرض تسليطه الضوء على هذه الحقيقة، يعتّم أيضاً على احدى خلاصات "إي آي" المقلقة: وهي أنّ أداء المملكة المتحدة كان سيئاً مع معظم المصادر الأخرى للاستثمار النقدي ولا سيّما الاقتصادات النامية بسرعة والتي يعتبر فوكس واصدقاؤه من مناصري "بريطانيا العالمية" أنها ستتدفق لاستبدال خسارات سنراكمها جراء قطع صلة الوصل مع اصدقائنا وحلفائنا السابقين في الجهة المقابلة من القناة (الإنجليزية).

فقد تراجعت المشاريع التي مصدرها الصين بنسبة 65 بالمائة مثلا كما سُجّل انخفاض كبير في المشاريع التي مصدرها دول الكومنولث (من 192 إلى 150 مشروعاً)

وتعتبر "إي آي" أنّ الفرصة "ما زالت سانحة للتصرف" لافتة إلى نية 6 بالمائة من المستثمرين فقط نقل أصولهم خارج البلاد في المستقبل. ولكنها تدعو الحكومة في الآن ذاته إلى "التصرف العاجل من أجل تفادي إضعاف مكانة (المملكة المتحدة) أكثر في السنوات القادمة".

لكن لا يبدو اننا نستطيع توقع أن يبدر أي شيء من هذا القبيل من وزيرٍ يفضّل على ما يبدو أن يصفر لحن أغنية مونتي بايثون "انظر دائما للجانب المشرق من الحياة" وينقل نسخة وردية زائفة عن الأمور يستقيها من مجمّلي الواقع المحيطين به ، على أن يعالج المسائل التي يطرحها تقرير موثوق كهذا.  

© The Independent

المزيد من اقتصاد