33 سنة... على مشهد نهاية دور السينما في غزة

الرغبة الملحّة في إنشاء دور سينما تصطدم بـ"قيود حكومية" تتذرع بالعادات والتقاليد

صورة نادرة لسينما النصر في قطاع غزّة قبل حرقها من قبل متشددين (اندبندنت عربية)

مرّت 33 سنة على المشهد الأخير، حين أُقفلت دور السينما في غزّة، وكان الوداع الأخير، عندما أحرقت مجموعة متشددة خمس دور عرضٍ سينمائي في القطاع آنذاك. وانتهت بتلك اللقطة حقبة دور عرض الأفلام في الأماكن العامة. وتحاول الحركة السينمائية منذ ذلك الوقت، النهوض من تحت رماد الحريق لكنها غالباً ما تتعثر.
بالعودة إلى الزمن الجميل، كان في قطاع غزة خمس دور عرض منتشرة في محافظات القطاع، ثلاث منها في مدينة غزّة وحدها، وكان الناس يزورونها أسبوعياً لمشاهدة أفلام تلك الحقبة، ومعظمها كانت من إنتاج مصر ولبنان.

صحوة دينية

وأتى حرق دور السينما في فترة بدأت فيها الصحوة الإسلامية في غزّة، وكان "المبرر" أن الأفلام التي تُعرض "لا تتناسب وعادات المجتمع الفلسطيني" وأنّها "تعرض مشاهد خادشة للحياء". وقتها، كان الفلسطينيون مشغولون في مقارعة العدو الإسرائيلي، ولم يكونوا يولون اهتماماً بالترفيه والثقافة، و"نامت" قصة حرق دور العرض السينمائي، إلى أن أتت السلطة الفلسطينية. 
عاطف عسقول، مدير عام الفنون في وزارة الثقافة علّق على حرق دور العرض بالقول إن "تدهور الوضع الأمني في فلسطين أثناء الانتفاضة الأولى، خلق حالةً من رفض السينما، بسبب انشغال الناس في مقارعة إسرائيل، فضلاً عن عدم وجود رقابة على المصنفات الفنية المعروضة، وكانت الأفلام وقتها لا تراعي البعد الاجتماعي والديني".
وأوضح عسقول أنّ "حرق دور العرض لا يعني أنّ الفلسطينيين شعب كاره للسينما، بل محب للثقافة بكل أشكالها، وكان له تأثير كبير في نشاط السينما، وإسهامات الفلسطينيين كثيرة في ذلك".

معوّقات إسرائيلية وعدم اكتراث فلسطيني

وأشار عسقول أنّه خلال فترة الاحتلال الإسرائيلي لغزّة (1967 - 2005)، انقطعت الحياة السينمائية، ولعبت إسرائيل دوراً كبيراً في عملية منع الممارسات الثقافية، وكانت هناك رقابة على الممارسات الفنية والسجن والاعتقال للفنانين والمثقفين. وكذلك كانت أولويات المواطنين تنحصر في تحرير غزّة، وتليها ممارسة الحياة الثقافية.
أمّا في حقبة تولي السلطة الفلسطينية الحكم في غزّة (1994)، لم تشهد الحركة الثقافية والسينمائية أيّ تطوّرٍ، وكانت تعاني من ركودٍ حاد، والأسباب كثيرة، منها انشغال المواطنين في مقارعة الجنود الإسرائيليين وتأسيس الفصائل والأحزاب الوطنية أو العمل لتلبية مستلزمات الحياة.
وعلى الرغم من ذلك، نشطت بشكلٍ خفيفٍ جداً الحركة السينمائية في عهد السلطة الفلسطينية، وكانت تقتصر على عرضِ أفلامٍ من إنتاجٍ مصري أو لبناني أو غربي. وكانت تُعرض في قاعات الهلال الأحمر الفلسطيني أو مراكز ثقافية، ولم يتم إصلاح أو ترميم دور السينما.
ولفت عسقول إلى أنّه "في عهد السلطة، لم تُبذل جهود حقيقية من جانب وزارة الثقافة لإعادة فتح دور السينما، وهذا يفند فكرة أنّ الإسلاميين هم مَن منع إقامة عروض السينما، وأنّ دور العرض لم تكن تابعة للحكومة الفلسطينية، بل كانت تتبع لشركات خاصة، ولا تزال".

منع "حمساوي"

إلا أنه وبعد تولي "حركة حماس" سدّة الحكم في غزّة، عقب فوزها في الانتخابات التشريعية عام 2006، منع الأمن التابع لها إقامة عروض سينمائية ومسرحية عدة، وبات يشترط أخيراً قبل إقامة أيّ عرض، الحصول على تصريح، ومشاهدة الفيلم من قبلهم كذلك. وخلال تلك الفترة، بقيت السينما تعاني من ركودٍ حاد، واقتصرت العروض خلال السنوات الـ10 الماضية، على عرضِ أفلامٍ ثقافية معينة في قاعاتٍ أو مراكزٍ ثقافية.
وفعليًا خلال متابعة "اندبندنت عربية" الموضوع في الفترة الماضية، رصدت منع أمن "حماس" إقامة أكثر من عرضٍ للأفلام حتى وإن كانت وطنية حتى عام 2017، بعدها، بدأت تسمح بإقامة عروض سينمائية، مشترطةً أن تكون وطنية أو لها علاقة بفلسطين. وعلى الرغم من تقديم التسهيلات خلال العامين الماضيين، إلا أنّ "حماس" منعت إقامة عرض غنائي يحمل اسم "عَ السطح"، تابع للاتحاد الأوروبي، بذريعة الاختلاط بين الشباب والفتيات في المكان، وغناء أغاني "خليعة" على حد تعبيرهم.



لا مانع مشروط

لكن عسقول قال "أحياناً تقوم بعض الشركات الخاصة بتنظيم عروض للأفلام، ونحن نهتم بذلك على اعتبار أنّه متنفس حقيقي للناس، وأنّ الحركة الثقافية يجب أن تزدهر".
وعند سؤاله عن المنع أو اقتصار السماح على العروض الوطنية أو بعض أفلام الرسوم المتحركة إلكترونياً، برّر ذلك بوجود مقص الرقيب في كلّ دول العالم وأنّ للمجتمع الفلسطيني خصوصيّة معينة، وأنّ بعض الأفلام تتضمن لقطات لا تناسب المجتمع وعاداته وتقاليده. لكن التطوّر التكنولوجي كان له رأي آخر، إذ شكّل دافعاً قوياً للحركة السينمائية في غزّة، وبدأ إنتاج الأفلام الوثائقية والثقافية ينشط بشكلٍ فردي أو عن طريق إطلاق مسابقات من قبل الوزارات الحكومية والمؤسسات الثقافية والفنية وغيرها.
وفعلياً، أصبحت هناك مهرجانات لعروض الأفلام التي ينتجها المشاركون في بعض المسابقات، مثل "مهرجان مركز شؤون المرأة" و"مهرجان الأسرى" (يحاكي قصص الاعتقال والمحرّرين) و"مهرجان القدس" (منوّع بين القضايا الوطنية والأفلام الروائية والسينمائية).
وشرح عسقول أن "فكرة فتح سينما في غزة ليست مرفوضة، لو كان بما يتناسب مع عادات وتقاليد سكان القطاع، مع ضرورة وجود لجنة مشرفة على طريقة عملها والأفلام التي تعرضها، وليس شرط أن تكون حكومية، بل لا مانع من أن تكون أهلية ومن المجتمع المدني".
وأوضح أن هناك "طاقات كامنة من كتّاب ومثقفين وشركات إنتاج وكوادر فنية ومبدعين في كلّ المجالات. وهناك تجارب واضحة في العمل السينمائي الفلسطيني، ولكن ينقص الجانب الأكاديمي المتقدم، إذ لا وجود لتخصصات جامعية للإنتاج السينمائي".

المزيد من فنون