Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

المرتزقة في الحرب الأوكرانية... بيئة مغايرة ونتائج قد تكون وخيمة

لن تغيب شركة "فاغنر" الروسية عن المشهد التي تقدم فيه نموذجاً خطراً ومحترفاً للارتزاق العسكري

قفزت مسألة تجنيد المرتزقة على جانبي طرفي الحرب الأوكرانية لتجذب الأضواء والانتباه مجدداً، على الرغم من أن هناك كثيراً من الغموض والتساؤلات حول الأبعاد الحقيقية لهذه المسألة، وقبل مناقشة الدلالات الأولية لهذا البعد شديد الخطورة في هذه الحرب، يلزم أن نتذكر أنه لطالما اعتبرت البشرية تعبير المرتزقة لا أخلاقياً، وعند كثيرين فكرة أن يقوم أشخاص بالقتال في سبيل المال أو كسب العيش أمر يتضمن كثيراً من السلبية.

والحقيقة المؤسفة أن تاريخ الحروب بين شعوب العالم لم يكن في غالبيته أخلاقياً، فأغلب الوقت هناك معتد لا يستند موقفه إلى أي عدالة أو قيم، لكن لأن الأساس الأخلاقي عند من يدافع وقد يبذل حياته دفاعاً عن بلاده أو قيم معينة، فإن المنظور من جانب هذا الطرف، الأقرب للقضية العادلة، هي التي خلقت الصورة المستهجنة بخاصة في العصر الحديث ضد المرتزقة، الذين زاد حضورهم في ساحات الصراع خلال هذا القرن وكأننا عدنا لعصور سابقة.

التباس الصورة في مشهد الحرب الأوكرانية

من المنصف أن نتذكر أن المسألة بدأت من مصادر غربية وأوكرانية بدعوة المقاتلين المعادين لروسيا، خصوصاً من الساحة السورية، ساحة إدلب التي تسيطر عليها تركيا، وهؤلاء المرتزقة وأغلبهم من تنظيمي "القاعدة" و"داعش"، وهو مخزن لهؤلاء المقاتلين سبق أن استخدمته أنقرة، التي تسيطر على جيب إدلب، بنجاح في الساحة الليبية مرتين لتغيير التوازنات العسكرية لمصلحة تيارات الإسلام السياسي.

في خلفية هذا المشهد ترهيب روسيا من تجربتها المريرة ضد تنظيم القاعدة وفصائل الإسلام السياسي التي كانت وراء استنزافها في أفغانستان التي عادت للرغبة في الانتقام من روسيا بسبب تدخل الأخيرة في سوريا، والقضاء على أبرز نماذج محاولة هذا التيار السياسي للسيطرة على دولة إسلامية بقوة السلاح في قلب العالم الإسلامي.

وبالقطع وأخذاً في الاعتبار طبيعة هذه التنظيمات، فالمتوقع أن تكون لديها رغبة في الانتقام من موسكو، بخاصة أنها تصنفها عدواً أكثر شراسة من نظيره الغربي، فضلاً عن تساؤلات غامضة لم تتوقف عن طرح نفسها حول طبيعة علاقات هذه التنظيمات بالاستخبارات الغربية والأميركية، بخاصة مسؤولية الأخيرة عن إنشائها في أفغانستان.

وثمة معلومات متداولة أيضاً عن إخراج السجون الأوكرانية لبعض عناصر تونسية متطرفة للمشاركة في هذا القتال، وضمن هذه المنظومة أيضاً تردد وجود إعلانات في دول أفريقية مثل نيجيريا والسنغال لتجنيد مرتزقة مدفوعي الأجر للقتال ضمن الصفوف الأوكرانية ضد روسيا، وواضح أنها تستهدف متشددين إسلاميين ارتباطاً بمسألتي سوريا والشيشان، وأيضاً لهذه ذكريات وثأر مؤجل ضد موسكو.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

إضافة إلى هذا الفصيل هناك أيضاً معلومات عن فئة أخرى قد نسميها متطوعين، على الرغم من أنها غالباً ستتقاضى أجوراً، وهنا يتحدثون عن عدة آلاف من جنود أميركيين سابقين وآخرين غربيين، وتحديداً من المملكة المتحدة وأستراليا وبولندا واليابان، وصل الأمر إلى رقم قد تكون فيه مبالغات كبيرة وهو 16 ألف مقاتل، صحبتها تقارير إعلامية لا تبدو منطقية كونها تصل إلى رواتب تزيد على 1000 دولار يومياً، وحتى في وسطهم بعض المسلمين الذين يعيشون في دول غربية، وغالباً هؤلاء من عناصر متشددين يعيشون في الغرب، وربما تكون الحرب الأوكرانية فرصة للخلاص منهم والاستفادة كذلك.

وعلى الجانب الآخر جاء قرار الرئيس الروسي بالسماح بقبول المتطوعين الأجانب والمرتزقة للمشاركة في الحرب، هنا وجدنا صوراً ومعلومات غامضة عن متطوعين حتى من الجيش السوري، وربما من ميليشيات شيعية - سورية شاركت ضد "داعش" ورحبت بالانضمام، ثم بدأ الحديث عن ميليشيات شيعية في البصرة، ووصلت بورصة الأرقام إلى معسكرات تدريب قد تضم ما بين 23 و30 ألف مقاتل سوري برواتب تصل إلى 3000 دولار أميركي.

وبطبيعة الحال، لن تغيب شركة "فاغنر" الروسية عن هذا المشهد، التي تقدم نموذجاً خطراً ومحترفاً في الارتزاق العسكري، وسجل العنف الشديد في مواقع سابقة مثل سوريا وليبيا وأفريقيا حالياً.

وفي جميع الأحوال المشكلة في كل هذه البيانات السابقة، فإنه من الصعب التيقن من دقة تفاصيلها، فهي تفترض ابتداء، خصوصاً من الجانب الأوكراني والغربي، أن هناك سهولة في انتقال هؤلاء الأفراد إلى داخل الأراضي الأوكرانية التي مع طول حدودها الأوروبية فإننا لا نعتقد أنها رحلة سهلة في ظل السيطرة الجوية الروسية.

الأهداف الواقعية والوهمية

لكل من طرفي الصراع في أوكرانيا أهداف من إقحام بعض المرتزقة في المعارك، فمن ناحية تهدف الحكومة الأوكرانية والدول الغربية إلى التلويح باستنزاف روسيا في المستنقع الأوكراني وكأنه أفغانستان جديدة، وكذا احتمال إحداث تهديدات ضد روسيا من هذه الورقة في شكلها الإرهابي من خلال مساعدة عناصرها بخاصة "داعش" و"القاعدة" على حرية الحركة، ومن ثم احتمال القيام بأعمال إرهابية ضد روسيا ليس بالضرورة في الأراضي الأوكرانية وحدها.

ومن جانبها ترجح روسيا هذه الورقة، ليس فقط لاحتمال حرب المدن، إذ قد تواجه الصعوبات أي جيش نظامي، فضلاً عن أنها من الواضح تتحرك ببطء في الساحة الأوكرانية في محاولة لتقليص الخسائر البشرية قدر الممكن في ضوء مخاوفها من الانتقادات الدولية من ناحية، وحرصاً على ردود فعل الداخل الروسي ذاته في ضوء الروابط الشعبية والتاريخية بين البلدين.

وفي الحقيقة أن جانباً كبيراً من الأهداف أيضاً نفسي ومحاولة لردع الطرف الآخر، خصوصاً أن الحرب ما زالت في الشق العسكري النظامي، وهناك حدود لحركة هؤلاء المرتزقة وسط هذه العمليات العسكرية الواسعة، كما أن طبيعة الأراضي الأوكرانية مغايرة تماماً للأراضي الأفغانية، ولا توجد مناطق صخرية وملاجئ طبيعية لهؤلاء المرتزقة للاختباء وإدارة عملياتهم.

قراءة مبدئية لنتائج توظيف المرتزقة

نلاحظ مرة أخرى أنه ليس هناك تأكد في شأن إمكان مرور أعداد كبيرة من المرتزقة إلى صفوف الجانب الأوكراني في ظل السيطرة الجوية الروسية، لكن دخول هذا البعد في ساحة الصراع يعنى كثيراً من الدلالات والأخطار.

أول وأكبر هذه الأخطار هو تسرع الطرف الأوكراني ومناصروه في هذه الخطوة من دون الأخذ في الاعتبار أن البطء والحذر الروسي في التعامل مع المدنيين، سيتأثر سلباً بدخول هؤلاء المرتزقة الذين سيسهل عليهم استهداف المدنيين، وإذا كان الغرب يريد مزيداً من الإحراج لروسيا إعلامياً وسياسياً، فالمشكلة تظل أن من يدفع الثمن هو الشعب الأوكراني في هذه الحال.

ومؤكد أن روسيا ستخسر تاريخياً وسياسياً إذا تجاوز مرتزقتها في الإساءة إلى الشعب الأوكراني، ولم يقتصر تفويضهم على ملاحقة مرتزقة الطرف الآخر وهو أمر صعب، لو تحولت الأمور إلى حرب شوارع، ولن يسلم منه أحد.

وثاني أكبر الأخطار أن جزءاً كبيراً ممن ستطلقهم واشنطن والغرب بالترتيب مع تركيا هي عناصر لا يمكن الاطمئنان إلى تصرفاتهم لاحقاً، ونظرية أنه سيتم التخلص من جزء منهم مثلما حدث في أفغانستان، دفعت واشنطن ثمنها غالياً في سبتمبر (أيلول) 2001، والعالم كله كذلك، لا سيما عدد من الدول الإسلامية، بخاصة بلدانهم الأصلية مثل السعودية والجزائر ومصر وتونس وغيرهم، واليوم ستصبح هذه الظاهرة أكثر خطورة في أوروبا بشكل يفوق ما حدث في السابق بالقارة العجوز، كما قد يتيح لهم أنظمة تسلح وتدريب تشكل أخطاراً إضافية لبلادهم الأصلية، وهناك أيضاً تلك الدول الأفريقية التي تواجه تحديات حقيقية جراء هذه العناصر، وحتى لو لم تعد لبلادها حية، فإن هذا قد يعني تدفقات لأموال وسلاح إلى عناصرها في بلادهم.

يضاف إلى كل ذلك أن توسيع الساحة العسكرية لكثير من الجنسيات الأخرى يحمل كثيراً من الأخطار لانزلاقات قد لا تكون محسوبة بدقة، بخاصة أن عائدها النهائي وتأثيرها الفعلي في مجريات الصراع قد لا يساوى هذه الأخطار، لتستمر البشرية في مغامراتها وأخطائها غير المحسوبة، وتتعقد الصراعات وتتباطأ الحلول وتخسر الشعوب، لتثبت هذه الحرب الأوكرانية مرة أخرى أنها ربما تنضم لسجل نمط حروب الحماقة، وهو سجل طويل في تاريخ البشرية.

 

 

المزيد من تحلیل