ملخص
يستعيد كتاب «تاريخ نسوي لكل يوم على مدار السنة» لكيت موس حضور النساء في السرد التاريخي عبر 366 بورتريهاً تكشف ما طمسته الروايات التقليدية وتعيد التوازن للذاكرة الجمعية. يقدم العمل تقويماً إنسانياً يضيء منجزات نساء عبر العصور، من المشهورات إلى المنسيات، بوصفه دعوة لقراءة التاريخ كاملاً لا نصفه فقط.
لا يحتاج التاريخ إلى الكذب كي يحقق أغراضه؛ يكفي أن يصمت في مواضع بعينها أو يمرّ عليها مرور الكرام، كي تفقد الصورة أبعادها الحقيقية. من هذا الخلل تحديدًا تنبع أهمـية كتاب "تاريخ نسوي لكل يوم على مدار السنة" للكاتبة البريطانية كيت موس، إحدى أكثر الكاتبات مبيعًا وصاحبة اثني عشر عملًا تتراوح بين الرواية والمجموعة القصصية، من بينها ثلاثية لانغدوك التي تُرجمت إلى 38 لغة وانتشرت في أكثر من أربعين دولة.
لا يطمح كتاب "تاريخ نسوي لكل يوم على مدار السنة" الصادر حديثًا عن دار ماكميلان في أكثر من 600 صفحة، إلى إعادة كتابة التاريخ، بقدر ما يسعى إلى تسليط الضوء على بعض ما تُرك في الظل. فهو يقدم سردًا ممتدًا لتاريخ النساء، عابرًا العصور والبلدان، ومدعومًا برسومات صوفي باس، بوصفه محاولة لاستعادة توازن الذاكرة وإعادة القارئ إلى مسرح الأحداث كما كان ينبغي أن يراه: أرضًا مشتركة للتفاعل والبناء، لا ساحة صراع يُقصى فيها طرف لصالح آخر.
ما يطلبه القرّاء
لطالما ظهر اهتمام كيت موس بالمرأة عبر مسيرتها؛ فإلى جانب كونها روائية ومسرحية ومؤدية وناشطة، تُعد من أبرز الأصوات المدافعة عن حضور النساء في الأدب، وهي الشريكة المؤسسة لجائزة "المرأة للخيال" Women’s Prize for Fiction التي انطلقت عام 1996، وتوجت بها كوكبة من الكاتبات مثل تشيماماندا نغوزي أديتشي عن "نصف شمس صفراء" Half of a Yellow Sun، وزاداي سميث "حول الجمال" On Beauty. ولم يقتصر اهتمام موس على الأدب الروائي فقط؛ فقد شاركت قبل سنتين تقريبًا في استحداث جائزة Women’s Prize for Non-Fiction، المخصصة للأعمال غير الروائية، لتوسيع نطاق دعمها للنساء وتمكين أصواتهن في كل أشكال الكتابة.
منذ طفولتها بدأت موس تلاحظ ذلك الغياب الصامت للنساء: على رفوف المتاجر، في قاعات الكنائس ومراكز الترفيه، وحتى في أجنحة الشباب. ويبدو أن هذا الغياب هو ما أثار تساؤلها: "أين ذهبت النساء؟ من الصعب أن تنتبه للغياب، لكن ما إن تراه حتى يستحيل تجاهله. درسنا مواكب من الكتّاب الذكور والملوك والجنرالات، وكثيرًا ما وجدنا امرأة واحدة فقط لتدلّ على أن النساء كنّ هناك أيضًا."
وبينما كانت تطوف بفعالية الملكات المحاربات عام 2023 عبر 35 مدينة، بدأت فكرة الكتاب تتبلور في ذهنها. ففي كل ليلة، وأثناء طابور التوقيع، كان معلّمون وآباء وجدات يخبرونها أنهم يتمنّون كتابًا من هذا النوع للشباب. تقول في حوار معها: "أنا أؤمن بضرورة الإصغاء للقرّاء."
تكشف موس عن الكواليس التي شكّلت هذا العمل: سنوات طويلة من البحث في تاريخ النساء، تلتها مرحلة من الإصغاء لاقتراحات الآخرين، ثم فتح باب الترشيحات عبر حملة #امرأة_في_التاريخ خلال الجائحة. طلبت أمرًا واحدًا فقط: أن يذكر القرّاء اسم امرأة تستحق أن تُعرَف أكثر. وخلال أيام، تدفقت عشرات الآلاف من الأسماء من كل أنحاء العالم، لتكشف حقيقة بسيطة: أن ما نسمّيه “ندرة” في حضور المرأة ليس سوى أثر متبقٍّ لبنية أحكمت إغلاق الأبواب ثم ادّعت أن أحدًا لم يطرقها. وكلما عدنا إلى السجلات والكتب والمرويات التي كتبها رجال استحوذوا على سلطة التدوين، اتضحت الإجابة على السؤال المعلق: هل تغيّبت النساء حقًا عن المشهد، أم أن هناك من حرص على تغييبهن؟
فبحسب موس، لم تكن النساء غائبات عن المجال العام، بل جرى محوهن من السردية التاريخية. تقول: "هناك تفسيرات عديدة، منها الإهمال، وقلة الاهتمام، وكتابة التاريخ في مؤسسات دينية وعلمية مُنعَت النساء من دخولها، والمحو المتعمّد، وعدم تكريم إنجازات النساء والحفاظ عليها. ولكن لكي تكون دراسة التاريخ ذات معنى — ونحن نعيش العواقب الوخيمة لتشويه التاريخ وتزييفه — فلا بد أن تكون هناك قصةً تجمعنا رجالًا ونساءً."
أطياف الضوء غير المرئي
صدر الكتاب في صيغة لافتة أقرب إلى تقويم سنوي: 366 مدخلًا لنساء عبر التاريخ، بواقع شخصية لكل يوم من أيام السنة، بما في ذلك يوم في السنوات الكبيسة. ولا يميّز بين المشهورات والمنسيّات؛ فالجمع بين الأسماء اللامعة والوجوه الخافتة هو منهجه الأساس، بحيث يجد القارئ نفسه في قلب طيف إنساني وثقافي بالغ التنوع.
ضمن هذا الطيف الواسع، نتعرّف إلى ديان فوسي، عالِمة الرئيسيات الأميركية التي جعلت من حماية الغوريلا الجبلية رسالتها الوجودية، فدفعت ثمن تفانيها وقدّمت واحدًا من ألمع نماذج الشجاعة العلمية والمسؤولية الأخلاقية. في الفنّ، تطلّ أمريتا شير جيل، الرسامة الطليعية ذات الجذور المجرية–الهندية، التي مزجت بين الحداثة الأوروبية والحساسية الآسيوية لتبتكر لغة بصرية جديدة.
كما تحضر جوزفين بيكر، الراقصة التي خطفت أضواء باريس وكانت تهرّب رسائل المقاومة الفرنسية بين نوتات أغانيها؛ وفي التعليم تبرز بيريل جيلروي كأول مديرة مدرسة سوداء في بريطانيا؛ وفي النضال ترافقنا ملالا يوسف زاي؛ وفي السياسة يعلو صوت سينيدو جيبرو الإصلاحي؛ وفي الرياضة نلتقي فلورنس ناجل. أما في العلم والتقنية فتتقدّم آدا لوفليس ودوروثي فوغان، بوصفهما من أوائل النساء اللواتي أسهمن في رسم ملامح ثورة معرفية مبكرة.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
وعلى الرغم من أن موس توضح في مقدمة الكتاب أنه مكرَّس للنساء اللواتي رفضن القيود وخضن الحملات والمسيرات وحاربن من أجل تغيير العالم نحو الأفضل، فإنها لا تقدّم جميع شخصياتها بصفة بطولية مطلقة. فـ ماري ستوبس مثلًا أسست أول عيادة لتنظيم النسل في بريطانيا، لكنها حملت أيضًا أفكارًا إشكالية حول “تحسين النسل”، في تذكيرٍ بأن الإنسان أكثر تعقيدًا من أن يُختزل في نموذج مثالي.
النص المحرِّض
تمنح البنية اليومية للكتاب قدرًا كبيرًا من المرونة، إذ يمكن قراءة مدخل واحد في كل يوم، أو التنقل بين الشخصيات عشوائيًا تبعًا لاهتماماتك الخاصة، دون أن يفقد العمل فكرته المركزية أو ترابطه الداخلي. ويرتبط كل يوم بحدث ذي دلالة خاصة؛ فالأول من يناير مثلًا يوافق أسطورة "فرانكشتاين" لماري شيلي، أولى روايات الخيال العلمي، التي كتبتها وهي مراهقة وصدرَت في اليوم الأول من العام. أما يوم ميلاد كيت موس فيحكي قصة كامالا هاريس، في توازٍ بين السيرة الشخصية والمشهد السياسي المعاصر.
وتأتي الوقفات الشهرية كمساحات أوسع لتسليط الضوء على موضوعات نظرية تتوزّع بين رياضات المرأة، والخجل والتنمر الرقمي، وفكرة أن الأولاد يمكن أن يكونوا نسويين، بترتيب يتدرّج من يناير إلى ديسمبر. داخل هذه الوحدة الزمنية، تعمل اليوميات كوحدات أصغر في شبكة تتسع تدريجيا.
ومع أن بورتريهات الشخصيات قصيرة نسبيًا، فإن قوتها تكمن في اقتطاع لحظة دالة دون تقديم سردية طويلة، ما يدفع القارئ إلى البحث وفتح مصادر أخرى. ولخدمة هذا الغرض، يضمّ الكتاب مراجع مختارة، إلى جانب أشعار واقتباسات مضيئة وطريفة، بهدف تقديم جرعة يومية من الإلهام وإثارة الفضول، خصوصًا لدى القراء الشباب.
وبينما تنتقل موس من شخصية إلى أخرى، محافظة على لغة مباشرة وسهلة في هذه الأنطولوجيا المليئة بقصص الصمود والشجاعة، تستعيد المرأة حضورها، ليس كما خرجت منيرفا كاملة من رأس جوبيتر، بل عبر تجربة تراكمية: يومًا بعد يوم، شهرًا بعد شهر، سنة بعد سنة، ليصبح سعيها المتناثر هنا وهناك جزءًا من الدورة الدائمة للأرض حول الشمس، حركة ثابتة ومستمرّة منذ فجر الخليقة، تعكس ديمومة إنجاز المرأة عبر كل العصور.