Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

"الرصاصة الأولى"... هل تندلع الحرب العالمية الثالثة؟

يرى مراقبون أن خطرها ليس عالياً بالقدر الذي كان عليه خلال ستينات القرن العشرين لكن المصادفة واردة

سلاح الجو الأميركي يحلق أعلى ساحات السكك الحديدية في سالزبورغ، النمسا، خلال الحرب العالمية الثانية (أ ب)

في يونيو (حزيران) الماضي، كادت تقع مواجهات مسلحة بين البحرية الروسية والبريطانية في البحر الأسود، بعد أن اخترقت مدمرة الأخيرة ما تعتبره الأولى مياهها الإقليمية قبالة سواحل شبه جزيرة القرم. بعد الحادث بأيام وبينما كانت تزخر الصحف بأخبار التوتر العسكري المتزايد في منطقة البحر الأسود وسط مناورات عسكرية تقوم بها دول الـ"ناتو" وأوكرانيا، وفي خلال حوار "الخط المباشر" مع المواطنين الروس، علق الرئيس الروسي فلاديمير بوتين قائلاً، "حتى لو أغرقنا هذه السفينة (المدمرة ديفيندرز البريطانية)، فمن الصعب تصور أن العالم يجد نفسه على حافة حرب عالمية ثالثة".

لم يكن استبعاد بوتين لاندلاع الحرب مبنياً على رفضه لها، وإنما تقليلاً من شأن الخصم، إذ أضاف خلال اللقاء، "يدرك هؤلاء الذين يفعلون ذلك، أنهم لن يخرجوا منتصرين من هذه الحرب"، ما كان يشير إلى عزم بوتين على زيادة المخاطر إذا حاولت أوكرانيا أو جورجيا الانضمام إلى حلف شمال الأطلسي "الناتو"، وإخافة الدول السوفياتية السابقة الأخرى حتى من التفكير في التحالف الوثيق مع الغرب. 

 بالانتقال للمشهد الحالي، حيث تقوم موسكو بالفعل بغزو عسكري لأوكرانيا معللة عملياتها بحماية الأمن القومي الروسي بعد تجاهل الغرب لمطالبها بتقديم ضمانات ملزمة بعدم توسع الـ"ناتو" شرقاً، بات السؤال حول اندلاع حرب عالمية ثالثة يسيطر على النقاش العام في أنحاء العالم وسط استمرار التصعيد الروسي من جانب، ومن آخر دعوات مكثفة من الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي للغرب بفرض منطقة حظر طيران فوق بلاده. 

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

مطلب زيلينسكي يعني بالتأكيد اندلاع حرب واسعة، وهو ما جعل الدول الغربية ترفض تلبية الطلب، على الرغم من الدعم الكبير الذي توليه للأوكرانيين. وحذر السياسيون في الولايات المتحدة من اليمين واليسار من احتمال أن تقود مثل هذه الخطوة إلى اشتعال حرب عالمية ثالثة بالفعل، وهي الحرب التي وصفها وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف، الأسبوع الماضي، "بأنها ستكون نووية". 

حذر غربي

يقول مراقبون "إن القوى الغربية تناور بحذر شديد لتجنب الصراع المباشر مع بوتين، الرجل الذي يسيطر عل أكبر ترسانة نووية في العالم، ولم يظهر أي قلق من التباهي بها. إذ تصاعدت المخاوف في الغرب من أن روسيا قد تفكر في استخدام أسلحة نووية، بعد أن أمر الرئيس بوتين بوضع قوات الردع النووي في حالة تأهب قصوى، قبل أسبوع". وقال بوتين "إن (التصريحات العدوانية) لقادة الـ"ناتو"، و(العقوبات غير المشروعة) التي فرضتها الولايات المتحدة والدول الأوروبية ضد موسكو، كانت وراء هذه الخطوة". فيما اعتبر مسؤولو البيت الأبيض قرار الكرملين بأنه "خطوة تصعيدية أخرى وغير ضرورية على الإطلاق". 

ويواصل الحلفاء الغربيون لأوكرانيا تزويدها بالأسلحة والمعدات الأخرى، لكنهم استبعدوا فكرة فرض منطقة حظر طيران. وفي حين تقدم دول الاتحاد الأوروبي أنظمة دفاع جوي، لكنها رفضت طلب أوكرانيا للحصول على طائرات مقاتلة، واستبعدت الولايات المتحدة وغيرها من قادة الـ"ناتو" إرسال قوات إلى كييف. 

وفي خطابه عن حالة الاتحاد الأسبوع الماضي، قال الرئيس الأميركي جو بايدن، "سنواصل مساعدة الشعب الأوكراني في الدفاع عن وطنه والمساعدة في تخفيف معاناته. لكن اسمحوا لي أن أكون واضحاً، قواتنا ليست منخرطة ولن تشارك في الصراع مع القوات الروسية. لن تذهب قواتنا إلى أوروبا للقتال في أوكرانيا، ولكن للدفاع عن حلفائنا في الـ"ناتو" في حال قرر بوتين مواصلة التحرك غرباً".

 

والجمعة، كرر الأمين العام لـ"الناتو" ينس ستولتنبرغ رغبة الحلف في تجنب الصراع، وعدم الرغبة في فرض منطقة حظر طيران. وقال، عقب اجتماع لوزراء خارجية الـ"ناتو" في بروكسل، "الطريقة الوحيدة لتنفيذ منطقة حظر طيران، هي إرسال طائرات الناتو المقاتلة إلى المجال الجوي الأوكراني، ثم فرض منطقة حظر الطيران بإسقاط الطائرات الروسية. إذا فعلنا ذلك، فسينتهي الأمر بحرب شاملة في أوروبا تشمل عديداً من البلدان وتتسبب في مزيد من المعاناة الإنسانية".

يقول ويليام وولفورث، أستاذ السياسات الدولية بكلية دارتموث، المتخصص في دراسات ما بعد الحرب الباردة، "إنه بالنسبة لأوكرانيا فإن حق الشعب في تحديد توجهاته الثقافية والجيوسياسية بات على المحك. لكن بالنسبة إلى بقية العالم، فإن ما هو على المحك، مواجهة بين دولتين تمتلكان معاً 90 في المئة من الأسلحة النووية في العالم. فالمنافسة المحتدمة بين موسكو وواشنطن، التي تستمر في التصعيد من شأنها أن تخلق تصعيداً خطيراً، وهذا من شأنه أن يشكل تهديداً للناس في كل مكان".

وأضاف، في مقابلة مع مجلة "فوكس"، الأميركية، "أن هذا نوع مختلف جداً من الصراع عما اعتدنا عليه. ستكون هناك عواقب اقتصادية كبيرة، مثل التضخم وارتفاع أسعار الطاقة وما شابه ذلك. ولكن هناك أيضاً انعدام أمن محتمل إذا تطور ذلك إلى حرب إلكترونية كبرى بين الجانبين، فحرية السفر والشعور بالانفتاح في العالم والآفاق الاقتصادية الجماعية، كل ذلك سيتغير".

ومنذ انتهاء الحرب الباردة، عاش العالم لنحو 30 عاماً في فترة سلمية تاريخياً، وهو ما يشير المراقبون إلى أنه أصبح على المحك الآن. فعلى الرغم من وقوع بعض الحروب في الشرق الأوسط وحتى في البلقان أوائل التسعينيات، لكن العالم لم يشهد صراعاً خطيراً بين القوى العظمى ذات الترسانات الهائلة من الأسلحة النووية. فحتى هجمات تنظيم القاعدة المروعة على الولايات المتحدة لم تنتج مستوى الأزمة الوجودية الذي نتحدث عنه اليوم.

سيناريوهات الخطأ والصدفة

يعترف كبار المسؤولين الحكوميين الغربيين والدبلوماسيين والمحللين العسكريين أن هناك خطراً جسيماً يتمثل في أن الولايات المتحدة وحلفاء الـ"ناتو" الآخرين يمكن أن ينجرفوا إلى الحرب، في أي لحظة تقريباً، كنتيجة لعدد من السيناريوهات.

فوفقاً لمحلل مقيم في واشنطن، تحدث لصحيفة "بوليتكو" شريطة عدم ذكر اسمه، "فإن خطأ ما ربما يتسبب في تورط الناتو بصراع عسكري مع روسيا، وافترض احتمال أن تطلق موسكو صاروخاً على بولندا، وهي عضو في الناتو". وأضاف، "هذا ليس مستحيلاً. بعد ذلك سيتصاعد خطر الصراع بسرعة، لأنه لن يكون عدم الرد خياراً للقوى الغربية". 

وتؤكد المادة الخامسة من معاهدة تأسيس حلف شمال الأطلسي الـ"ناتو"، مبدأ الدفاع المشترك. وتنص على "أنه إذا تعرض أحد حلفاء الناتو لهجوم مسلح، سيعتبر كل أعضاء الحلف الآخرين هذا العنف هجوماً مسلحاً ضدهم، وسيتخذون الإجراءات التي يرونها ضرورية لمساعدة الحليف الذي تعرض للهجوم". 

 

وأضاف المحلل الغربي، "أن الاحتجاج على الجرائم ضد الإنسانية ربما يكون قوياً لدرجة أننا نشعر بضرورة اتخاذ ما نعتقد أنه إجراء محدود وحكيم. كما أنه في حال فرض منطقة حظر طيران، فإن هذا يعني إسقاط طائرات روسية أي قتل الروس"، يشير إلى أن "أي شيء نفعله ينتج منه قتل الروس يضعنا في الحرب العالمية الثالثة."

وكان القصف والحريق الذي اشتعل في محطة الطاقة النووية زابوريجيا، الواقعة في وسط أوكرانيا، في الساعات الأولى من صباح الجمعة الماضية، مثالاً مخيفاً آخر لسيناريو من شأنه أن يجر تحالفاً دولياً أوسع في حرب بوتين، لمنع حدوث كارثة عالمية على وجه السرعة. لكن هناك سيناريوهات أخرى أكثر اعتيادية، فعلى سبيل المثال انتهكت طائرات روسية، الأربعاء الماضي، المجال الجوي السويدي مرات عدة، وغرقت سفينة شحن إستونية قبالة ساحل أوديسا، بعد اصطدامها بما يُعتقد أنه لغم. ويقول المراقبون، إن أي حادث من هذا القبيل يمكن أن يتصاعد بسهولة.

لا صراع عالمياً الآن أو في المستقبل

في حين يضع مراقبون سيناريوهات لاحتمال نشوب حرب واسعة بين روسيا والغرب عند نقطة ما، يستبعد آخرون ذلك السيناريو، وينظرون إلى تهديد بوتين برفع مستوى التأهب لقواته النووية، باعتباره محاولة خرقاء للحرب النفسية وليس له أهمية عسكرية. كما يشيرون إلى قيام الولايات المتحدة بإجراء مماثل خلال حرب أكتوبر (تشرين الأول) عام 1973 بين مصر وإسرائيل. 

ويستبعد الكاتب البريطاني البارز، آلان وودز، اندلاع حرب عالمية الآن أو حتى في المستقبل المنظور. ويقول السياسي الماركسي إن "الرأسماليين لا يشنون حرباً من أجل الوطنية أو الديمقراطية أو أي مبادئ أخرى رفيعة المستوى. إنهم يشنون حرباً من أجل الربح والاستيلاء على الأسواق الأجنبية ومصادر المواد الخام وتوسيع مجالات النفوذ". يضيف أن اندلاع حرب نووية يعني عدم وجود أي من هذه الأشياء، بل تدمير كل شيء أو ما يُعرف بـ (تدمر متبادل مؤكد)". ويتابع، "هناك حقيقة واضحة، وهي أن مثل هذه الحرب لن تكون في مصلحة المصرفيين والرأسماليين".

كما تُعد المعارضة الجماهيرية عاملاً حاسماً آخر، بخاصة في الولايات المتحدة. ويشير استطلاع حديث للرأي أجرته شبكة "سي أن أن" الأميركية، إلى أن غالبية الأميركيين بما يعادل أكثر من 58 في المئة يرفضون التدخل العسكري الأميركي في أزمة أوكرانيا. ويرى وودز، "أن هذا الرفض ليس بالأمر المفاجئ، بالنظر إلى الهزائم المهينة التي لحقت بالقوات الأميركية في العراق وأفغانستان، وهي حقيقة مرة في وعي الشعب الأميركي. وقد ظهر ذلك بالفعل عندما حاول الرئيس الأميركي السابق باراك أوباما، وفشل، في الحصول على إذن بالتدخل عسكرياً في سوريا. وهذا هو العامل الرئيس الذي منع بايدن من إرسال قوات إلى مواجهة مباشرة مع روسيا في أوكرانيا، وليس الخوف من الحرب العالمية الثالثة".

ويذهب وولفورث إلى "أنه بينما نتحدث عن ظل حرب قوى عظمى بالغة الخطورة، ولا يمكن التنبؤ بها تحوم فوق العالم، فإن خطر الحرب العالمية الثالثة ليس عالياً بالقدر الذي كان عليه خلال الحرب الباردة، حيث كان العالم على شفا حرب نووية خلال أزمة صواريخ كوبا بين الولايات المتحدة والاتحاد السوفياتي". يضيف "ما زلت أعتقد أن التصعيد النووي في هذه الأزمة بالذات غير مرجح، على الرغم من قرار بوتين رفع مستوى التأهب لقواته النووية. ما زلنا نحلل بالضبط ما يحدث عملياً على الأرض. أعتقد أنه يريد فقط تذكير الناس بأن بلاده قوة نووية". 

وتطالب موسكو بالاعتراف بشبه جزيرة القرم ونزع سلاح أوكرانيا، وتقديم ضمانات بعدم ضم أوكرانيا إلى حلف الـ"ناتو" مقابل وقف إطلاق النار. ويتفق المراقبون على حاجة الأطراف كافة لتقديم التنازلات من أجل تسوية سريعة للأزمة المشتعلة، ويشير وولفورث إلى "أن التعهد بحياد أوكرانيا ربما يكون أسهل تنازل ممكن، بدلاً من تلك التنازلات التي تطالب بها روسيا حالياً"، بينما يشير آخرون إلى الحاجة لبناء جسر ذهبي للتراجع عبره، بمعنى أن على الغرب وضع شروط لإنهاء تلك العقوبات القاسية التي تم فرضها على روسيا حتى يكون هناك حافز للدخول في مفاوضات.

المزيد من سياسة