Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

مدير بورصة تونس: لا توجد إرادة سياسية لتطوير أنشطة سوق المال

بلال سحنون لـ"اندبندنت عربية": النقابات العمالية "حجر عثرة" أمام طرح الشركات الحكومية للاكتتاب العام

لا تزال تونس في قلب عاصفة الأزمة الاقتصادية الخانقة، إذ سجلت تراجعاً قياسياً في غالبية المؤشرات الاقتصادية والمالية ما جعل العديد من المختصين يتخوفون على مستقبل البلاد، وقد غذت جائحة كورونا هذه الأزمة بتواصل الصعوبات المالية للبلاد، وانعكست على معظم القطاعات والمجالات وعدم التوصل إلى اتفاق مع صندوق النقد الدولي للحصول على التمويلات المالية الضرورية لتمويل الموازنة، كما زادت التدابير السياسية الاستثنائية التي اتخذها الرئيس قيس سعيد منذ 25 يوليو (تموز) 2021 في زيادة الضبابية الاقتصادية والاستثمارية، بما في ذلك بورصة تونس التي عرف مؤشرها "توننداكس" نمواً هشاً ولا يعكس حجم التطلعات.

أداء إيجابي لكنه محتشم

وحول أداء البورصة يقول بلال سحنون المدير العام لبورصة تونس لـ"اندبندنت عربية" إن الأداء خلال كامل عام 2021 كان إجمالياً إيجابياً ولكنه محتشم لثلاثة أسباب، أولها أن السوق المالية أسهمت في تمويل الاقتصاد التونسي بنحو 900 مليون دينار (310.3 مليون دولار) سواء عبر رفع رؤوس أموال الشركات المدرجة أو في اكتتاب الإصدارات الرقاعية، والسبب الثاني هو إنجاح عملية الاكتتاب الوطني التي أصدرتها الخزينة التونسية في ثلاث مناسبات، العام الماضي، إلى جانب أن السوق المالية وبخاصة الوسطاء بالبورصة، أسهموا بأكثر من مليار دينار (344.8 مليون دولار) عبر صناديق الاستثمار ذات رأس مال تنمية، والسبب الثالث هو الارتفاع المتواضع لمؤشر "توننداكس" بنسبة 2.34 في المئة مقارنة بانخفاض بـ3.3 في المئة في عام 2020 مع تداول يومي في معدل مليوني دولار، وأشار إلى أن الحركية في بورصة تونس استأنفت حيويتها ولكنها باحتشام عكس البورصات العربية الأخرى على غرار السعودية التي سجلت تطوراً في مؤشرها بأكثر من 30 في المئة، ومصر ارتفاعاً بـ12 في المئة، والأردن بنمو بنسبة 28 في المئة، والمغرب بـ18 في المئة.

الأوضاع السياسية لا تزال تلقي بظلالها

وعما إذا كان النمو المتواضع والمحتشم لأداء بورصة تونس مرتبط بالوضع السياسي في تونس وبخاصة على أثر التحول السياسي لما بعد 25 يوليو 2021، لاحظ المتحدث أن الأسواق المالية في الواقع بصفة عامة لها ارتباط وطيد بثلاثة عوامل رئيسة، أولها الاستقرار التشريعي، موضحاً أن هناك شبه استقرار في تونس في هذه المسألة وإزالة لتخوف من إمكانية سن أداءات جديدة على الشركات في قانون المالية لعامي 2021 و2022، أما العامل الثاني في نظره فهو يتعلق بالاستقرار الأمني، مشيراً إلى أن الأمور الأمنية في البلاد تحسنت بشكل لافت في السنوات الأخيرة، وبخصوص العنصر الثالث، فهو وضوح الرؤية، مشدداً في هذا الصدد على أن هناك عدم وضوح رؤية سياسية في تونس، وأن البلاد تعرف في كل مرة فترة انتقالية جديدة، آخرها القرارات التي اتخذها رئيس الجمهورية قيس سعيد بإعداد رزنامة انتخابية جديدة، ولاحظ أن الوضع السياسي وتداعياته على الوضعين الاقتصادي والمالي في البلاد يؤثر بوضوح في السوق المالية، لأن المستثمرين يحبذون قبل كل شيء الاستقرار السياسي وكذلك وضوح الرؤية على المديين المتوسط والبعيد من أجل الاستثمار، وعن إمكانية تأثر بورصة تونس على أثر مسار 25 يوليو 2021 وما رافقتها من تدابير سياسية استثنائية، قال المدير العام لبورصة تونس، "منذ 25 يوليو، لم نلاحظ أمراً ملموساً وتغييراً كبيراً، ولم تعرف البورصة تغييراً أو تأثيراً في أدائها".

جائحة كورونا أثرت في أداء بورصة تونس

في المقابل، اعتبر سحنون أن الجائحة ألقت بظلالها على التعاملات في البورصة خلال 2020 و2021، "لأنه لا نعلم متى تنتهي هذه الجائحة، وثانياً لا نعلم جيداً الأثر الذي سوف تتركه في الشركات والمخاطر على القطاع البنكي، لا سيما وأن القطاع البنكي يمثل نصف رسملة بورصة تونس، ولا شك أن العديد من الشركات المدرجة أو غير المدرجة التي أنهكها كورونا لها تأثير في نسبة المخاطر للبنوك، وبخاصة الشركات الصغرى والمتوسطة المعرضة أكثر لقدرتها على تسديد ديونها وعلى ديمومتها على مواصلة نشاطها بشكل طبيعي"، إجمالاً، اعتقد المسؤول الأول عن البورصة أن الاقتصاد التونسي وبخاصة الشركات الكبرى أظهرت نوعاً من الصمود معرباً عن أمله في ألا تكون الخسائر فادحة.

بورصة تونس تظل "ميكروسكوبية"

وعما إذا أثر الوضع السياسي والاقتصادي الذي تمر به البلاد على أثر ترقيم بورصة تونس، أجاب بلال سحنون أنه من حسن الحظ أن مقومات السوق والمعايير المعمول بها هي معايير دولية، وأن هناك منظمتي ترقيم "فوتسي" و"MSCI Morgan Stanley capital international"، تقومان بإعادة ترقيم كل ستة أشهر للأسواق المالية، ومن حسن حظ بورصة تونس أن ترقيمها لم ينزل بل في بعض المؤشرات تحسن لأن تنظيم السوق والمنظومات المعلوماتية وسلامتها يعد من أفصل المعايير المعمول بها، لكنه كشف عن أن الأمر الذي يجعل الترقيم لا يتحسن أكثر ويزيد من جاذبية الساحة المالية التونسية، هو صغر حجم السوق والتداول (بمعدل مليوني دولار يومياً) لتظل البورصة التونسية صغيرة جداً، وتكاد تكون سوقاً "ميكروسكوبية" بالمقارنة مع بقية البورصات في العالم.

وربطاً مع مسألة صغر حجم بورصة تونس، أكد المتحدث أنه لا يوجد تنوع إذ يقتصر النشاط على بيع الأسهم بالحاضر وليس هناك تنوع في التداول، مثلاً في المواد الأولية والمنتوجات المالية، علاوة على غياب التنوع القطاعي، لافتاً إلى أن البورصة تفتقر إلى كل ما تعمل به بقية البورصات العالمية على غرار التداول على أسهم قطاعات الطاقة والاتصالات والمناجم والمنتوجات الفلاحية والسياحة وإنتاج الكهرباء والمياه وتصريف المياه.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

وقال سحنون في هذا الصدد، "للأسف تستوجب إرادة سياسية قوية والتخلي عن صمود الأطراف الاجتماعية (النقابات) للقبول بإدراج الشركات الحكومية الكبرى في البورصة"، مرجحاً أن رفض النقابات ينم عن عدم دراية بما يمكن أن تمكنه السوق المالية للدولة من عائدات مالية برفع الأموال للاستثمار أو أن تدر عمليات التداول أرباحاً للدولة.

الشركات الحكومية "منجم كبير" للبورصة ولكن

ورداً على سؤال عن مواصلة تمسكه بوجوب إدراج الشركات الحكومية في البورصة على الرغم من صدور تقرير أخيراً كارثي حول الوضعية المالية لهذه الشركات وأنها شارفت على الإفلاس، أوضح بلال سحنون أن إدراج الشركات الحكومية بالبورصة سيمنح مسائل مهمة وأساسية، وسيقع بموجب هذه العملية تغيير جذري في الحوكمة طريقة التسيير، وأعطى مثالاً في ذلك على البنوك العمومية الثلاثة التي كانت وضعيتها صعبة جداً، وعلى أثر إدخال الإصلاحات الجذرية عليها وإدراجها بالبورصة تحسنت أوضاعها التسييرية وبخاصة نتائجها المالية، ودعا إلى الاستئناس في عملية إدراج الشركات الحكومية بالبورصة بما حصل مع البنوك الحكومية الثلاثة (بنك الإسكان والبنك الوطنية الفلاحي والشركة التونسية للبنك) وإنجاز برنامج هيكلة والامتثال للمعايير نفسها التي تشتغل بها البنوك الخاصة المدرجة والقطع مع سياسة التعليمات وأخذ القرار لصالح المؤسسة فقط.

بالمقابل، هناك مثال سيئ لشركة حكومية مدرجة في البورصة لكنها لم تتحسن أوضاعها وهي الخطوط التونسية التي ما انفكت تكدس الخسائر المالية، لأنه بكل بساطة، البنوك الحكومية قطعت مع طريقة تسيير قديمة والامتثال لما تتطلبه السوق المالية، أما الناقلة الوطنية فلم تقطع مع الطرق القديمة في التسيير والحوكمة والشفافية ما جعلها تتكبد خسائر مالية جمة وأنها غير قادرة على فتح رأس مالها، مشدداً على أنه في صورة الاستجابة لمعايير البورصة، فإن أوضاعها سوف تنصلح.

إدراج 20 شركة حكومية خلال ثلاث سنوات

وعن إمكانية إنجاز دراسات جدوى اقتصادية في حال إدراج عدد معين من الشركات الحكومية في بورصة تونس سنوياً، وتأثير ذلك في أداء البورصة وما ستغنمه الدولة من أرباح، فإن من مزايا إدراج الشركات الحكومية في البورصة وقف ضخ الدولة سنوياً مئات الملايين من الدولارات التي تذهب إلى خلاص الأجور وشراءات المواد.

وفسر أنه عند الإدراج ستكون للشركة الحكومية قوائم مالية مضبوطة ومحددة ومطالبة بالإفصاح المالي كل ثلاثة أشهر وتخضع إلى المساءلة من طرف المساهمين ولها برنامج إنقاذ، حينها يمكن للمستثمرين والممولين النظر إليها بنظرة أخرى والمساهمة في الترفيع في رأس مالها، كما أن الإدراج بالبورصة لن يغير من الخصوصية الحكومية للمؤسسة عبر إدخال شريك استراتيجي أو بإمكان العملة الاكتتاب في قسط من رأس المال أو فتح رأس المال للعموم، وهي عملية مهمة ومخالفة للاعتقاد السائد في تونس بالتفويت في الشركات الحكومية، وأبرز أنه عند إدراج هذه الشركات للتداول في البورصة ستقوم بخلاص ضرائب أكثر بما سيعود بالنفع على الدولة وتفادي الضغط على الموازنة.

أما الشركات الحكومية التي يرى أنه بالإمكان المراهنة عليها وإدراجها بالبورصة، فقدر عددها بنحو 20 شركة حكومية قادرة في ظرف سنتين أو ثلاث سنوات على أثر تحضير ملفاتها، إدراجها بالبورصة، وبالإمكان في حال توفر الإرادة السياسية وقبول الطرف الاجتماعي بهذا التمشي إدراج عدد كبير من الشركات الحكومية في البورصة.

ومن هذه الشركات الحكومية، ذكر سحنون على سبيل المثال وكالة التبغ والوقيد، وشركة توزيع البترول، ومساهمات الدولة في البنوك الخاصة (12 بنكاً)، داعياً الدولة إلى بيع هذه المساهمات والاقتصار فقط على البنوك العمومية، علاوة على إمكان إدراج الشركات البترولية ومشغلي الاتصالات، وأبدى بلال سحنون تعجبه من أن بورصة تونس الوحيدة في العالم تقريباً التي ليس فيها مشغل اتصالات حكومي مدرج في البورصة.

بورصة تونس لا تزال جاذبة للمستثمرين

وأكد من جانب آخر أن بورصة تونس لا تزال جاذبة للاستثمار الأجنبي بخاصة من النواحي التشريعية والتنظيمية واحترام قواعد الشفافية، وأن البورصة لها القدرة على استقطاب المستثمرين، غير أن ما ينقص اليوم هو أن حجم البورصة لا يزال صغيراً مع غياب تنوع في القطاعات على غرار الطاقة والمناجم والاتصالات، ولأجل ذلك يتعين العمل على الترفيع من حجم البورصة، وأشار إلى أن السوق المالية التونسية تسهم حالياً بنحو عشرة في المئة من الناتج الداخلي الخام في تمويل الاقتصاد مقارنة بـ30 في المئة في أسواق الدول التي تشبه تونس.

تداول في أسهم فريق كرة قدم

وبالنسبة إلى نشاط البورصة سنة 2021، أبرز المتحدث أنه تم إنجاز إدراج وحيد في آخر السنة هي شركة "سمارت تونيزيا" التي تنشط في مجال تكنولوجيات الاتصال، مقراً بأن الرقم ضعيف جداً، إذ إنه تم منذ بداية العام الماضي، تمت برمجة إدراج ست شركات، وكانت في طور متقدم من إعداد ملفاتها، غير أن مناخ الاستثمار في تونس وكأنه توقف لمعرفة ما ستؤول إليه الأمور على أثر التغيرات السياسية التي حصلت في البلاد، وفي ما يخص برنامج 2022، كشف سحنون عن أنه سيتم الانطلاق بإدراج شركتين، الأولى شركة مختصة في تركيب السيارات الصينية في تونس علامة "شيري"، والثانية "ترجي هولدينغ" في أول تجربة على الصعيدين العربي والأفريقي بإطلاق التداول في أسهم لجمعية رياضية.

وفسر بلال سحنون المسألة بأن هذه الجمعية الرياضية أحدثت "هولدينغ" يتصرف في ممتلكاتها، (محلات بيع الملابس الرياضية، وحدة فندقية، وخدمات اتصال)، لترفع أموالاً من البورصة لإنشاء تجهيزات وخدمات رياضية جديدة جد متطورة تعود بالنفع على الجمعية الرياضية من جهة وعلى المساهمين من جهة أخرى، وأعرب عن الأمل في إنجاح هذه التجربة لإنارة الطريق لبقية الجمعيات الرياضية وتطوير التمويل الرياضي وعدم الاكتفاء بالتمويل الحكومي، مشيراً إلى أن انطلاق العملية لن يتجاوز الربع الأول من العام الحالي.

التداول في منتوجات زيت الزيتون والتمور قريباً

وعن المشروع النموذجي الذي تشتغل عليه بورصة تونس بشأن إدراج المواد الأولية والمنتوجات الفلاحية للتداول فيها، أكد سحنون أنه تم الانتهاء من دراسة الجدوى الاقتصادية التي أظهرت نتائج إيجابية وسيتم الانطلاق في أواخر مارس (آذار) في العمليات التجريبية للتداول في مادتي زيت الزيتون والتمور، وفسر أن من شأن هذه المسألة أن تمنح أكثر وضوحاً وشفافية في عمليات العرض والبيع عبر منظومة معلوماتية واضحة لكل المتدخلين، وأن المزارع لن يكون مرتبطاً بمصدر وحيد فقط بل بمصدرين عديدين، وتكوين سوق للمصدرين إلى جانب أن التداول في منتوجي زيت الزيتون والتمور سيكون لهما إشعاع على الصعيد الوطني، وربما على الصعيد الدولي لاقتناء زيت الزيتون أو التمور عبر بورصة تونس، ولاحظ أن هذه العملية ستخلق مهناً جديدة على غرار وسطاء معتمدين في البورصة مختصين في التداول في زيت الزيتون والتمور.

وعن موعد تفعيل هذا المشروع قال بلال سحنون إن الدراسة الأولية قدرت بين 12 و36 شهراً، ما يعني أنه في أفق سنة 2023 سيتم الشروع رسمياً في التداول في مادتي زيت الزيتون والتمور في بورصة تونس.

المزيد من حوارات