Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

هل تتجه تونس لتعزيز الشراكة بين القطاعين العام والخاص في 2022؟

مناخ عدم الثقة وغياب انخراط البنوك تسببا في غياب عقود التعاون المشترك منذ 2017

الشراكة بين القطاعين العام والخاص في تونس تحتاج إلى تراتيب مرافقة للقانون لمساندة المشاريع (أ ف ب)

تعمل تونس على دفع الشراكة بين القطاعين العام والخاص كوسيلة لتحسين البنية التحتية في البلاد، وللتغلب على الصعوبات التي تواجهها المالية العمومية، إذ تعاني نقصاً في البنية التحتية وتحتل المرتبة 85 في هذا المجال وفق تصنيف التقرير الدولي حول التنافسية، ويشير التقرير إلى صعوبات في المالية العمومية للبلد بخاصة في تفاقم نفقات الأجور والدين الخارجي ومصاريف الدعم، وتتيح الشراكة تعبئة التمويلات الضرورية للاستثمار العمومي مع التحكم في وطأة الإنفاق، علاوة على الاستعانة بخيرة القطاع الخاص في إدارة مشاريعه وقدرته على الابتكار ما يسهم في تقصير آجال الإنجاز وتخفيض التكلفة وتحسين الجودة.

وإن شهدت الشراكة بين القطاعين العام والخاص نجاحات مهمة في فترات سابقة تمتد إلى ثمانينيات وتسعينيات القرن الماضي، وقبل وضع القوانين المهيكلة لها، وبالتالي، فإن نسقها بدأ بطيئاً ومتعثراً بعد وضع النصوص القانونية المنظمة والهياكل المعنية بها منذ سبع سنوات، وأعلنت تونس في إطار قانون المالية لسنة 2022 عن إطلاق "صندوق دعم الشراكة بين القطاعين العام والخاص" من أجل دعم إنجاز المشاريع.

وعلق محللون مختصون في المجال في حديثهم لـ"اندبندنت عربية " عن هذا الإجراء، معتبرين أن الشراكة بين القطاعين العام والخاص في تونس تحتاج إلى تراتيب مرافقة للقانون، لمساندة المشاريع، إذ لم تنجح القوانين بمفردها في تنفيذ هذا الخيار الاستراتيجي الذي شهد غياب مشاريع جديدة في السنوات المنقضية، لأسباب عدة من بينها غياب الثقة من قبل الممولين.

منظومة الشراكة

وترتكز منظومة الشراكة في تونس على منظومة قانونية تنقسم على شكلين من الشراكة وهي عقود تصرف واستغلال بمقابل عقود الشراكة، أما عقود التصرف والاستغلال بمقابل، فهي العقود التي يفوض بمقتضاها الطرف العمومي لمدة محددة طرفاً خاصاً أو عمومياً باستغلال معدات أو ممتلكات عمومية مقابل ما يستخلصه من المستعملين، بينما يتمثل عقد الشراكة بين القطاعين العام والخاص في عقد يعهد بمقتضاه طرف عمومي إلى شريك خاص أو عمومي بمهمة إحداث منشآت أو بنى تحتية لتوفير مرفق عام، وذلك مقابل ما يؤديه الطرف العمومي طوال مدة العقد.

صندوق مختص

ونصّ المرسوم المتعلق بقانون المالية لسنة 2022، على إحداث صندوق خاص، وهو "صندوق دعم الشراكة بين القطاعين العام والخاص"، يهدف إلى مساندة وتنمية العمل بصيغة الشراكة بين القطاعين في إنجاز المشاريع من قبل الهياكل والمؤسسات العمومية، ويعمل على تمويل الدراسات وخدمات المساندة والمرافقة من قبل الخبراء ومكاتب الدراسات، في مجال الشراكة، وتتولى رئاسة الحكومة التونسية الإذن بالدفع لمصاريف الصندوق، وتعهد مهمة التصرف في "صندوق دعم الشراكة بين القطاعين العام والخاص" إلى "الهيئة العامة للشراكة بين هذين القطاعين"، وهي المكلفة بالمجال والمحدثة بمقتضى القانون عدد 49 لسنة 2015.

وتتأتى موارد صندوق "دعم الشراكة بين القطاع العام والقطاع الخاص" من مساهمة صندوق الودائع والأمانات (حكومي) والمساهمات والهبات والوصايا الموظفة لفائدته.

نسق بطيء

لكن لم تتجاوز "عقود التصرف والاستغلال"، (الالتزامات) التي أبرمت، 225 عقداً بين سنتي 2017 و2021، وتم معظمها في مجال النقل، وتوزعت هذه العقود بين 84 في قطاع الصيد البحري، و17 في مجال البيئة والتنمية، وأربعة في المجال الثقافي، وثلاثة في الغابات، وعقد وحيد في التجارة، وعقدين في مجال الطاقة المتجددة، واستحوذ قطاع النقل على 112 عقداً من بينها التصرف في الملك العمومي للسكك الحديدية والنقل الحضري، وعقود تخص الموانئ البالغ عددها 89 موزعة على سبعة موانئ والطيران المدني والأسواق الحرة التي تعد من أهم العقود وأربعة عقود استغلال تهم مجال النقل البري، كما حصل قطاع الصيد البحري على 84 عقداً تمثلت في إسناد وكالة موانئ وتجهيزات الصيد البحري التابعة لوزارة الفلاحة لـ84 عقداً تتوزع على 20 ميناء.

ويأتي قطاع النقل في المقدمة بتوزيع عقود بقيمة 123 مليون دينار (43.9 مليون دولار)، يليه الصيد البحري بقيمة مليون دينار (357 ألف دولار) وقطاع البيئة بمليون دينار، ويتمثل رهان تطوير الشراكة في تونس في إحداث طرق جديدة ومبتكرة لتمويل المشاريع، وتسعى تونس في هذا الإطار إلى إحداث آلية لتمويل عمليات المساعدة على إعداد العقود ومتابعتها، وتدعيم "صندوق الودائع والأمانات" لتمويل مشاريع الشراكة بالتنسيق مع "الهيئة العامة للشراكة بين القطاعين العام والخاص"، إضافة إلى تحفيز البنوك المحلية التونسية على تقديم خيارات تمويل طويلة الأمد تناسب مدة مشاريع الشراكة.

انعدام الثقة

ورأى أصلان بن رجب، عضو المكتب التنفيذي لمنظمة "كونفدرالية المؤسسات المواطنة التونسية" أن الشراكة بين القطاعين العام والخاص في تونس تواجه انعدام الثقة واستفحال البيروقراطية وغياب الرقمنة، ما أدى إلى غياب المستثمرين التونسيين والأجانب، وتردد البنوك في منح التمويل اللازم  في إطار اقتصادي عام غير مناسب تهيمن عليه الاضطرابات الاجتماعية وعدم الاستقرار، كما أبدى القطاع العمومي عدم الثقة تجاه الشراكة وفضل العمل بطريقة تقليدية، في حين تمثل الشراكة الحل الأمثل لشح الموارد المالية، ولعب التصنيف الجديد المنحدر لتونس من قبل وكالات التصنيف الائتماني دوراً سلبياً في عدم استقطاب المستثمرين.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

وقد اشتكت "الهيئة العامة للشراكة بين القطاعين العام والخاص" من عدم التجاوب، وأطلقت صيحة فزع، إذ لم يتم إنجاز أي مشروع شراكة منذ تأسيسها سنة 2017، لذلك تم الاتجاه إلى إنشاء "صندوق لدعم الشراكة بين القطاعين العام والخاص"، وسيعمل تحت إشراف "الهيئة العامة للشراكة" بتمويل من "صندوق الودائع والأمانات"، والهدف منه هو تمويل الدراسات بحكم أنها ضرورية، وهي من أكبر العوائق التي حالت دون الإقبال على الشراكة بين القطاعين العام والخاص.

عدم انخراط البنوك

 وانحصرت الشراكة بين القطاعين العام والخاص في عقود تصرف واستغلال صغرى بسبب سوء التخطيط، وفق رياض بن خليفة، الخبير لدى البنك الدولي في مجال الشراكة بين القطاعين العام والخاص، فالشراكة بينهما لا توفر حلولاً سحرية إن تم التأسيس لها بمعزل عن إعادة هيكلة عامة للقطاعات، فهي جزء من إصلاح  شامل وجب أن ينفذ في كل القطاعات، وتوزع فيه الأدوار بين القطاعين العام والخاص للتعاون على إعادة التهيئة، وما يلاحظ في تونس هو السير البطيء لهذه الشراكة، على الرغم من انطلاقها في فترة مبكرة بمشروع "البحيرة" الناجح والنموذجي بتنفيذ من شركة "البحيرة" للاستثمار عن طريق شراكة بين القطاع العام و"مجموعة دلة البركة" الاستثمارية السعودية سنة 1983.

كما يعود هذا البطء إلى غياب الثقة والوعي من قبل القطاع العمومي الذي يفتقر إلى التوعية بأهمية الشراكة، وبدا واضحاً في مجال الطاقة المتجددة، إذ لم تبدِ الشركة التونسية للكهرباء والغاز (عمومية)، التعاون اللازم لإدماج المستثمرين الخواص في الطاقة المتجددة، في حين تعجز الشركة عن تنفيذ المشاريع المرجوة في هذا المجال بسبب المديونية التي تعانيها، علماً أنها شراكة مربحة لها.

فالإشكال لا يكمن في القوانين التي وضعت منذ سنة 2015 وهي كافية، بل تتجاوزها إلى غياب وضع أرضية ملائمة، ومنها تغيير العقلية العامة والتمويل، وقد غاب "صندوق الودائع والأمانات" عن لعب الدور المناط له وهو الإحاطة بالشراكة وتمويل الدراسات اللازمة التي تسبق المشاريع، وهي مكلفة للغاية، إضافة إلى البنوك التي لم تقتحم هذا المجال تخوفاً من المخاطر، والحال أنه يتحتم على البنوك القيام بدراسات خاصة بالمخاطر في هذا الإطار، كما وجب التأسيس لصناديق مختصة لتمويل الشراكة، على أن يتم تمويل المشاريع بالعملة المحلية من قبل البنوك التونسية في حين تتكفل  هذه  الصناديق  بتوفير التمويل بالعملات، ما من شأنه أن يفتح المجال أمام مشاريع كبرى مثل تحلية المياه، ومعالجتها، والطاقة والنفايات التي لا يمتلك القطاع العام القدرة على إنجازها من دون عقود شراكة مع القطاع الخاص، ويتحتم الخروج إلى السوق العالمية لتوقيع عقود شراكة تخول لتونس أن تتحول لوجهة شراكات مربحة بأسعار مريحة، وهي من شأنها أن توفر فرصاً للمستثمرين المحليين في مرحلة موالية.