Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

"العم نشأت"... يؤجج نيران الشاورما ويلهي الجميع في مصر ولبنان

ادعى النبوة وسخر منه شعب البلدين وأعلن أن معجزاته ستظهر "لايف"

نشأت مجد النور مدعي النبوة في الزمن الرقمي  (الصورة تخضع لحقوق الملكية الفكرية – التواصل الاجتماعي)

لم يستغرق الأمر أكثر من ثوانٍ معدودة. فما أن أعلن نشأت مجد النور عن "نشأة" رسالة جديدة وهبوط وحي فريد وظهور دين جديد حتى انقلب الأثير رأساً على عقب. الانقلاب لم يكن بغرض التحقق من أمر النبوة أو التمعن في حكمة "المبعوث" أو حتى الإسراع لطلب الفتوى من الأديان الموجودة لمناهضة الدين الجديد خوفاً من انتشار أو تحسباً لانبهار. بل انقلب الأثير سخرية وتنكيتاً وتبكيتاً، لا سيما أن "النبي نشأت" وضع قيداً وحيداً على المريدين والمشتاقين للانضمام إلى دينه الجديد، وهو ألا يكونوا مصريين.

المصريون المعروفون بسمة تاريخية مستحكمة وصفة أنثروبولوجية مؤكدة ومجلدات أنطولوجية موثقة بقدراتهم الخارقة على السخرية من كل شيء وأي شيء انقضوا على النبي نشأت انقضاضة تاريخية.

تاريخ وجغرافيا

التاريخ والجغرافيا وعلوم الحاضر والماضي والمستقبل عامرة بأشخاص يدعون أو يشعرون أو يؤمنون أو يقولون إنهم أنبياء. في دول الغرب، يتعاملون مع هؤلاء من منطلقين لا ثالث لهما: إما يتبعهم أشخاص آخرون يعتقدون لسبب ما أنهم أمام دين جديد ونبي فريد ومعنى مضاف لحياتهم، أو يتم تصنيفهم كمرضى نفسيين أو عقليين ويتم إخضاعهم لعلاج نفسي في حال كانوا يحظون بمظلة التأمين الصحي. وفي دول الشرق، يتعاملون مع هؤلاء من منطلق واحد لا ثاني له: تتم مطاردتهم أمنياً ودينياً من قبل السلطات حماية للشعب من الفتنة ولتلقين "المدعي" درساً يكون عبرة لزملائه من "الأدعياء".

لكن هذه المرة اختلف الوضع تماماً مع ظهور النبي نشأت. أيام قليلة منذ ظهور الدعوة عبر منصاته الإلكترونية كانت كفيلة بإجهاض الدعوة بالسخرية القاتلة والدعابة المميتة و"المميز" الرهيبة، إضافة إلى قدر غير قليل من الشتائم والسباب.

جانب من السباب شنه المهتمون باللغة العربية وأحوالها المتدنية. مستوى النبي نشأت في الكتابة العربية والقدرات النحوية جعله مثار شتم إضافي حيث "ما هذا النبي العربي الذي لا يعرف الألف من كوز الذرة في النحو والصرف؟" كما علق أحدهم.

المعجزات غداً لايف

أحد أبرز تدوينات النبي نشأت كتبها قبل أيام، يقول نصها، "غدا سأقوم ببعض المعجزات لايف لاثبت نبوتي. السماء سمحت لي بثلاث معجزات فقط. ابصروا النور قبل ان تنسدل الحقائب وتوضب الحقائب وتطرق البقابق. ابصروا النور واحذروا غضب السماء" مع بعض الإيموجيز وغياب كامل للهمزات.

همزة الوصل بين النبي نشأت وجماهير المريدين العريضة المستهدفة على منصات التواصل الاجتماعي هي المنجمة اللبنانية كارمن شماس، المعروفة في لبنان بأنها "عالمة" فلك، حيث تظل عبر الشاشات التلفزيونية والمنصات الرقمية تمارس تجارة حظك اليوم الرائجة، وتوقعات العام الجديد وتكهنات مستقبل العالم ورؤى مصير الكون ككثيرين غيرها وكثيرات.

قدمت شماس، نشأت للبشرية عبر مقطع فيديو. قالت وهي تقف إلى جواره إنها تقدم للبشرية الحكيم "نشأت منذر" باعتباره "رسولاً جديداً تم إرساله لإنقاذ البشرية من أرض لبنان". ومضت قدماً في بشراها قائلة "هنيئاً لنا وللعرب والعالم أجمع برسول مرسل بعد أكثر من 1500 عام، هنيئاً للأرض بابنها البار منقذها من جحيم البشر والأشرار. لو كنتم ترون لرأيتم وهج النور فوق لبنان منذ أسبوعين، ولشعرتم بقوة النور الإلهية ولتأملتم ولعرفتم أنكم أكثر أماناً تحت جناح النور الساطع."

النور الساطع الوحيد

لكن النور الساطع الوحيد الذي ظهر كان ذلك المسلط على النبي نشأت لا بسبب دعوته ونبوته، بل بسبب الملايين التي دخلت على صفحته أفواجاً لتمطره وشماس بموجة هادرة من السخرية. الجنسيتان العربيتان المهيمنتان على الموجة هما: المصريون واللبنانيون، وكل لدوافع مختلفة.

تعليقات اللبنانيين هيمنت عليها مرارة الأوضاع في لبنان التي لم يكن ينقصها سوى النبي نشأت "لتضيف إلى طينها بلة" على حد قول أحدهم. وقال آخر "إنه سيعلن انضمامه لدين نشأت الجديد إن تمكن من إعادة سعر الدولار ليكون 1500 ليرة لبنانية". ووعدت مغردة لبنانية بالانضمام كذلك للدين الجديد حال نجح النبي نشأت في التخلص من كل الساسة الحاليين. لكن المثير هو أن النبي نشأت غير منزه عن الميول السياسية الدنيوية، إذ طالب الجميع قبل أيام بالتوقف فوراً عن الإساءة للرئيس ميشال عون، وهو ما جعل البعض يتفكه بأنه ربما رسول الرئاسة!

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

تسييس رسالة النبي نشأت في مهد نبوته لبنان أمر مفهوم، حيث الأوضاع السياسية والاقتصادية تفرض ذلك. لكن في مصر بدا الأمر مختلفاً تماماً. دعوة صادقة وجهها مصري إلى النبي نشأت في بداية نبوته. قال ناصحاً إياه: "أنا لو مكانك سأخرج إلى العالم اليوم وأقول إن الموضوع لم يخرج عن إطار سيجارتين ستروكس (مخدرات) وراحوا لحالهم. اسمع مني بالأمانة، المصريون لن يحلوك (لن يتركوك في حالك)".

نشأت أبى واستكبر

لكن النبي نشأت أبى واستكبر. لم يعلن أن نبوته خطأ غير مقصود. ولم يفتح أبواب الدعوة عبر "فيسبوك" أو حتى "تويتر" أمام جموع المصريين الذين حظرهم في بداية نبوته، بل شن عليهم حرباً شعواء. قال إنه "ليس بينهم مستنير واحد" وأن "بينهم 30 مليون مشعوذ مصري يستخدمون البيضة". وقال مؤكداً في فيديو موجه للمصريين "الأشرار" وإلى جواره شماس تهز رأسها موافقة ومؤيدة أن "حتى الطفل الصغير يعلم استخدامات البيضة". هنا دخل الآلاف يدلون بدلوهم في شأن البيضة. فمن قائل إن البيضة تستخدم مسلوقة، وآخر يؤكد أن الأشهي أن تكون مقلية، وثالث أشار إلى أهمية قرص "العجة" (أكلة تعتمد على البيض والخضروات) في حياته، فيما قال رابع أن البيضة تراث ولا يصح إهانة التراث مدللاً على ذلك بـ"آدي (ها هي) البيضة، وآدي اللي سلقها، وآدي اللي شواها، وآدي اللي أكلها".

كركرة الملايين

كركرة ملايين المتصفحين لم تؤد إلى كركرة النبي نشأت، بل أفضت إلى مزيد من صب الغضب على رؤوس المصريين. قال، "البيضة التي تأكلونها أهم أداة للشيطان". ووصف المصريين بأنهم "شعب متدنٍ روحياً"، وهددهم بأنهم لو لم يروا النور فغضب السماء سيحل بهم وستتعرضون لهزات أرضية وزلازل إن لم تتغيروا إلى الحمية النباتية".

مسألة الحمية النباتية أفضت إلى بكاء على أطلال اللحوم المهدورة. "ياعم نشأت أنا آخر مرة أكلت لحمة كان من شهرين. أنا نباتي إجباري. كيلو اللحمة بـ200 جنيه. ادعي لنا ربنا يحنن قلب الجزار علينا".

الطريف أن النبي نشأت وجد نفسه ملقباً في مصر بـ"عم نشأت" تارة و"ياسطى" تارة أخرى و"برنس" و"أبو سيخ" و"أبو بلتكانة" (ماسورة الستائر) و"أبو ماسورة" وغيرها كثير.

جزئية العصا وحدها كانت أرضاً بالغة الخصوبة لتفجير التعليقات والصور. دقائق قليلة منذ ظهور النبي نشأت بعصاه كانت كفيلة بخروج صور وميمز يحمل فيها نشأت سيخ شاورما مرة، وعصا مقشة مرة، ومنشر غسيل عليه ملابسه الداخلية مرة، ولي نارجيلة (شيشة) مرة. وحذره أحدهم بأن أمه (أم نشأت) ستوبخه بشدة بعد ما فك ماسورة الستارة التي يتكئ عليها. وقال آخر تعليقاً على صورة نشأت مع عصا مقشة، "اكنس المعاصي وبطل تبقى عاصي".

العصا ليست نارجيلة

كل ذلك أجج غضب النبي نشأت مجدداً، فخرج بتغريدة موضحاً فيها بعربيته الركيكة أن "العصا ليست رأس نارجيلة كما أشاع البعض، إنها سحرية أتنقل بها بين البلدين بدقيقة واحدة، والخاتم أنشر به طاقة حب أو غضب حسب رضاي على شعوبي. وكل شخص يقوم بشتمي سوف يشاهد كوابيس ويصير معه حوادث. ومصر سيحدث بها زلزال قريباً لأنهم يتمسخرون علي".

لكن المسخرة منبع لا ينضب، وكذلك العوامل والأسباب التي تدفع البعض لادعاء النبوة. عديد من الدول في المنطقة العربية يتعامل مع مدعي النبوة باعتبارهم إما كفاراً أو خارجين على القانون وغالباً كليهما.

 في مصر مثلاً، ينص القانون على "معاقبة بالحبس مدة لا تقل عن ستة أشهر ولا تتجاوز خمس سنوات، أو بغرامة كل من استغل الدين في الترويج بالقول أو بالكتابة أو بأي وسيلة أخرى لأفكار متطرفة بقصد إثارة الفتنة أو تحقير أو ازدراء أحد الأديان السماوية أو الطوائف المنتمية إليها أو الإضرار بالوحدة الوطنية". وعلى الرغم من أن نص القانون لا يذكر صراحة "مدعي النبوة"، إلا أنه يمكن إدراجهم قضائياً في هذا النص. وهناك من يعتبر مدعي النبوة كافراً أو مرتداً، بحسب عديد من الإفتاءات في دول إسلامية عدة.

الغريب أن العامل النفسي والعصبي، الذي ربما يلعب دوراً في خروج البعض بين الحين والآخر مدعياً النبوه، شبه غائب في معالجات أدعياء النبوة في المنطقة. وإذا كانت الثقافة السائدة تجعل قبول أدعياء نبوة، حتى وإن لم يعملوا على إثارة البلبلة أو بث الفتن أو سرقة المنتمين لأديان أخرى وضمهم لصفوفهم أمراً محظوراً تماماً، فإن التعامل المجتمعي والرسمي مثير للاهتمام. فطالما الدعوة سرية ولم تخرج إلى العلن، فالأمور يمكن أن تمضي دون صخب. لكن ما أن تخرج إلى النور، فإن التعامل معها يرتكز على قاعدتين لا ثالث لهما: قاعدة أمنية وأخرى دينية. أما قاعدة العامل النفسي والعصبي فثانوية ولا تحظى بشعبية.

آلاف الأدعياء

آلاف من أدعياء النبوة ظهروا في الكوكب على مر العصور ومستمرون وسيستمرون في الظهور. منهم مازال ينشر دعوته ويحظى بمريدين، ومنهم من تم سجنه واستتابته ليعود عن غيه. وعلى الرغم من أن الغالبية المطلقة من مدعي النبوة رجال، فإن أميركية تدعى جنيفر إيفاز أعلنت قبل سنوات أنها "النبي المصلي" مشيرة إلى أنها تسمع صوت الله الذي يخبرها بمصائر أشخاص بأعينهم. ومضت إيفاز قدماً في طريق "نبوتها" حيث طرحت صلوات ودورات تدريبية عن نبوتها وعن الشفاء الداخلي للروح والعلاج الأبدي للقلب والسمو اللامتناهي للعقل، وكل ذلك متاح عبر منصاتها الرقمية المتعددة من "تويتر" و"إنستغرام" و"بودكاست" وغيرها.

وبعيداً من القيود الثقافية والتابوهات الدينية، فقد سهل الإنترنت على مدعي النبوة وفي أقوال أخرى الأنبياء الجدد نشر دعوتهم التي يحتوي بعضها على عناصر تجذب الباحثين عن معنى جديد أو مختلف لحياتهم، وتملأ فراغاً أو فجوة في مجتمعات تقبل ثقافتها وقوانينها مدعي النبوة، لا سيما أن كثيرين منهم يقدمون محتوى متطابقاً ومنظومة التنمية البشرية ذائعة الصيت. ويشار إلى أن المحتوى نفسه شائع في الدول العربية، ولكن منزوع النبوة.

الدفاع عن المنجمة

وفي سياق آخر، تتصاعد دعوات عدة، أغلبها مصدرها لبنان، تدافع عن المنجّمة كارمن شماس، التي تحظى بشعبية كبيرة في لبنان بسبب ضلوعها في تنجيم الأبراج وتوقعات الأعوام إلخ. المدافعون عنها يرجحون أن تكون شماس وقعت صريعة مرض نفسي أو اهتزاز عصبي زج بها مع "النبي نشأت". ويشار إلى أن شماس تظهر بابتسامتها الهادئة ونظراتها الواثقة جنباً إلى جنب مع "النبي نشأت" في كل تجلياته العنكبوتية، سواء تلك التي يدعو فيها الناس إلى دينه الجديد أو يشتمهم لسخريتهم منه.

يُشار كذلك إلى أن شماس تنبأت في نهاية العام الماضي بأن عام 2022 ستجري خلاله أحداث تهز الإنسان وتستلزم الإصلاح السريع. وأضافت أنه في حال حدوث ظواهر فلكية معينة فستكون سمة العام بأكمله الأوبئة والكوارث الطبيعية ذات الآثار المضاعفة، وستتعرض الثروات الطبعيية للكوارث والدول للفيضانات والأعاصير، وسيحدث كسوف تتبعه كوارث هائلة في الدول العربية. التكهن الوحيد الإيجابي الذي ذكرته شماس هو ضعف احتمالية حدوث حروب جديدة، وذلك لأن اقتصاد العالم مدمر وكل الدول غير قادرة على تحمل كلفة الحرب الباهظة.

كلفة رسالة النبي نشأت الجديدة وتنبؤات كارمن شماس المريعة أدت إلى ازدهار نظريتَي المؤامرة والإلهاء مجدداً. كثيرون يميلون إلى تفسير الظهور الهزلي للنبي نشأت بعصاه ومعه المنجمة الشهيرة بأنها مؤامرة لدس مزيد من الجهل والفتنة. آخرون فضلوا نظرية الإلهاء، حيث تدبر جهات ما لهيمنة أحداث ما على الساحة تشغل الجماهير العريضة عن مشكلات سياسية واقتصادية هنا وبعد عن علم وبحث هناك وإغراق في حروب وخرافة وهراء هنا وهناك.

المزيد من منوعات