ملخص
حقق سودربرغ فيلمه "كافكا" في عام 1991، ليشتهر إثر عرضه بكونه واحداً من أكثر أفلام هذا المخرج غرابة وغموضاً، علماً بأنه سيكون في المقابل أقل أفلامه انتشاراً وشهرة. لكنه وبحسب مؤرخي السينما شكل في الوقت نفسه تجربة سينمائية فريدة تستكشف عالم كافكا لا عبر أي اقتباس مباشر، بل عبر بناء فيلم يبدو وكأنه نتاج حلم أو كابوس ولدته روايات كافكا نفسها.
حتى وإن كان الكاتب التشيكي باللغة الألمانية والمعتبر مفتتح حداثة القرن الـ20 في عالم الرواية، فرانتز كافكا (1883 - 1924)، أحب السينما منذ أزمنتها المبكرة وسجل اهتمامه بها في يومياته، متحدثاً عن عدد من التيارات كما عن بعض المخرجين، وعن شغفه بذلك الفن ومتابعته أخباره وعروضه، حتى وإن كان لم يعش حتى الزمن الذي اهتمت فيه السينما بنصوصه، وغالباً على يد سينمائيين كبار، لعل في مقدمهم أورسون ويلز الذي حقق واحداً من أعظم أفلامه، "المحاكمة" عن رواية كافكا الشهيرة، وصولاً إلى النمسوي ميشال هانيكي الذي "أفلم"، ولكن للتلفزيون غالباً، رواية "القصر" التي اشتهرت دائماً بكونها عصية على الأفلمة، وليس فقط لأن مؤلفها لم يستكملها أبداً، فإن ثمة من بين النقاد والمؤرخين وفي الفنين اللذين قد يعنياننا هنا، من يؤكد لنا أن السينما دنت بأكثر مما نتصور من عوالم كافكا، سواء اعترفت بذلك طواعية، أم عبرت عنه مواربة.
ومن هنا ثمة في السينما وفي الأقل منذ الستينيات والسبعينيات، ما يمكن تسميته "سينما كافكاوية". وربما كان ذلك، على أية حال، على خطى أورسون ويلز نفسه، الذي لا يزال فيلمه "المحاكمة" المقتبس عن رواية كافكا الشهيرة، يعتبر إلى اليوم، قمة ما وصلت إليه السينما في مجال تعاملها مع كافكا.
ومع ذلك ثمة ميل لدى النقاد إلى القول دائماً إن ويلز في تعامله مع النص الكافكاوي، يبدو شكسبيرياً أكثر منه كافكاوياً، حتى وإن اتسم الفيلم بروح مستمدة من كافكا ويبدو أميناً في اقتباسه، لكنه ليس فيلماً كافكاوياً كما يؤكد النقاد. بل يضيفون أنه ليس ثمة، على أية حال، من بين نحو دزينتين من أفلام اقتبست عن نصوص لكافكا أو حاولت الدنو من أساليبه، أي في ما يمكننا النظر إليه باعتباره كافكاوياً. باستثناء فيلم أميركي يحمل بالتحديد اسم "كافكا" عنواناً له، لكنه ليس في حقيقته مقتبساً عن أي نص روائي لكافكا.
من أميركا مع أطيب التحيات
والأدهى من ذلك هو أن الفيلم الذي نتحدث عنه فيلم أميركي لا فيلم أوروبي، كما كان يجدر بفيلم "كافكاوي" حقيقي أن يكون، بل هو من إخراج سينمائي جعل من الهموم الأميركية في تنوعاتها همه الأساس، حتى ولو أن أوروبا كانت ميدان تحركه ومنطلق شهرته العالمية.
من نتحدث عنه هنا هو ستيفن سودربرغ الذي كان ظهوره العالمي الأول والكبير، عبر فوز فيلم مبكر له هو "جنس أكاذيب وفيديو"، بالسعفة الذهبية في "مهرجان كان" السينمائي في الجنوب الفرنسي، هو الذي سيتابع مسيرته متأرجحاً بين السينما التجارية والشرائط الفنية، وبين القضايا السياسية والتطلعات النخبوية من دون أن تحده في ذلك حدود.
ومن هنا يمكن القول إن فيلمه "كافكا" يبدو حدثاً استثنائياً في مساره السينمائي، وربما استثنائياً إلى درجة قد يتساءل كثر معها عما إذا كان سودربرغ واعياً حقاً وهو يحقق "كافكا"، بما يفعل وبأنه سيكون صاحب الفيلم الكافكاوي الوحيد في تاريخ السينما؟ بل ربما يمكننا في هذا المجال هنا أن نتفق مع أولئك النقاد الذين تناولوا الفيلم، وافترضوا أن كافكاويته إنما تنبع من عدم وجود مشروع كافكاوي حقيقي ألزم المخرج نفسه به، بمعنى أنه لم يكن صاحب طموحات كافكاوية تلوي عنقه وتسيره في سياق اشتغاله على الفيلم، وذلك على عكس كثر من المخرجين الأكثر نخبوية من الذين خلال عملهم على كافكا أرادوا أن يبزوا الكاتب الكبير وأن يسخروا لغته ومواضيعه لخدمة أفكارهم، فدنوا من كافكا لكنهم لم يتمكنوا من جعل نتاجاتهم كافكاوية حقاً، حتى حين كانوا يقتبسون هذا الكاتب ويجعلون من أنفسهم أنداداً له في عقر داره.
ولادة من داخل كافكا
حقق سودربرغ فيلمه "كافكا" في عام 1991، ليشتهر إثر عرضه بكونه واحداً من أكثر أفلام هذا المخرج غرابة وغموضاً، علماً بأنه سيكون في المقابل أقل أفلامه انتشاراً وشهرة. لكنه وبحسب مؤرخي السينما شكل في الوقت نفسه تجربة سينمائية فريدة تستكشف عالم كافكا لا عبر أي اقتباس مباشر، بل عبر بناء فيلم يبدو وكأنه نتاج حلم أو كابوس ولدته روايات كافكا نفسها.
ويمكننا البدء على أية حال بالقول إن الفيلم لا يحاول تحويل نص بعينه إلى صورة، بل يحاول تطبيق الإحساس الكافكاوي نفسه على فيلم سينمائي، يدور بالتالي من حول العزلة والبيروقراطية الساحقة والمراقبة، والوجود الإنساني المحاصر بالذات في مواجهة سلطة تبدو هنا أيضاً، وأمام كاميرا السينمائي نفسه، سلطة غامضة كل الغموض وغير قابلة للفهم.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
في البداية نظر إلى الفيلم باعتباره نموذجاً على تنويع جديد بات يسم السينما المستقلة الأميركية، كنوع من استكمال السينمائي لمسيرة فيلمه السابق الذي أشرنا اليه، غير أن القائلين بذلك سرعان ما تراجعوا ليؤكدوا أن "كافكا" كفيلم يبدو بعيداً بصورة جدية عن أساليب السينما المستقلة الأميركية. بل أنه يتجه نحو أسلوب بصري يبدو أقرب إلى السينما التعبيرية الألمانية التي ولدت خلال العقود الثلاثة الأولى من حياة الفن السابع، والسينما الأوروبية كما تجلت بعد الحرب العالمية الثانية. وكان لافتاً كيف أن المخرج صور معظم مشاهد فيلمه بالأبيض والأسود في حين لا يظهر التلوين إلا في لحظات رمزية شاء لها أن تكسر الإيهام بالواقع البصري، محولة السرد إلى طبقة تدنو من عالم الأحلام، ويقيناً أن هذه المفارقة البصرية قد أسبغت على الفيلم بعداً شاعرياً ومعتماً في الوقت نفسه، بدا متماهياً إلى حد مدهش مع عوالم كافكا الأدبية، على أية حال.
حياة كافكا على طريقته
يدور فيلم سودربرغ هذا من حول موظف بسيط - يؤدي دوره، الرائع جيريمي ايرونز، الذي سيبدو طوال الوقت نسخة من كافكا الحقيقي على أية حال - وهو مثل هذا الأخير يعمل موظفاً في شركة تأمين، لكنه سرعان ما يجد نفسه داخل شبكة معقدة من المؤامرات الحقيقية أو المفترضة، كما حال العدد الأكبر من الشخصيات المحورية في روايات كافكا، من دون أن يكون ذلك مرآة لما يحدث حقاً في حياة الكاتب. وهكذا، بين الرهاب الكلي الحضور، والتوهان داخل الأجهزة السلطوية المعقدة، وانهيار الذات في مواجهة سلطاتها التي ليس ثمة مجال لفهمهما أو فهم تعقيداتها أو تحديها، يتقاطع خط السرد هنا مع عناصر مأخودة من روايتي كافكا الحقيقيتين الأساسيتين "المحاكمة" و"القصر"، إلى جانب دنو من أسطورية شخصية غريغور سامسا في رواية "الامساخ"، إنما من دون الالتزام بسياق سردي واحد. بل بدلاً من ذلك، يتحول الفيلم منذ دقائقه الأولى، وبعد أن كان يوحي لنا بأنه سيكون فيلماً عن حياة كافكا، يتحول إلى متاهة متشعبة تعكس شخصية الكاتب، ولكن من خلال اجتهاد يمزجه تماماً مع شخصيات رواياته، وتحديداً باعتباره كاتباً لم يتمكن من فهم عصره، في مقابل عجز العصر نفسه عن فهمه "حتى من بعد رحيله في الواقع" بسنوات طويلة.
والحقيقة أن تلك كانت "كافكاوية" هذا الفيلم الذي لم يقدم بطله كشخصية أسطورية ولا ككاتب مقدس، بل كمواطن يكاد يختنق داخل منظومة تسلطية عنيفة، وهو الضعيف المتردد الذي يحاول أن يفهم العالم من حوله لكنه يدرك ولو بالتدريج، أن محاولة الفهم نفسها عبث ماثل منذ البداية.
ومن هنا نجدنا أمام نظرة لا تكتفي بتقديم كافكا ككاتب عبقري وحسب، بل كإنسان يواجه مأزق الحداثة مبكراً، حيث تتحول الدولة والبيروقراطية إلى قوى فوق بشرية. وفي يقيننا أن كافكا نفسه لو بقي على قيد الحياة وشاهد هذا الفيلم، لاعتبره أفضل ما حقق ليس عن حياته فقط بل عن أدبه.