Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

رحيل جابر عصفور الناقد المفكر الذي خاض معارك التنوير  

أسس المجلس الأعلى للثقافة والمركز القومي للترجمة وفتح أبواب مصر أمام المثقفين العرب

الناقد والمفكر المصري جابر عصفور رحل عن 77 عاماً (صفحة الكاتب على فيسبوك)

 تنطبق على حياة الناقد والمفكر المصري جابرعصفور الذي غاب اليوم عن 77 عاماً مقولة، "رجل ملأ الدنيا وشغل الناس"، فهو أحد أكثر المثقفين العرب إثارة للجدل، والأكاديمي الكبير الذي تجاوز دوره حدود أسوار جامعة القاهرة العريقة التي يشيع غداً من رحابها إلى مثواه الأخير في دلالة رمزية واضحة. وهو كان يعتز كل الاعتزاز بانتسابه إلى هذه الجامعة الوطنية التي كان فيها تلميذاً لأشهر أساتذتها المفكر الراحل طه حسين. وقد سعى عصفور طوال حياته إلى تمثل تجربة الأستاذ الجامعي، عاملاً على إشاعة قيم الاستنارة والعقلانية والدفاع عن استقلال الجامعة ، داعياً إلى جامعة "لا دين لها إلا العلم".

كان جابر عصفور ينظر إلى نفسه بصفته مثقفاً عضوياً ملتزماً، وقد شارك مشاركة أساسية في الحياة الثقافية العربية، سواء في الكتابة النقدية والفكرية الأكاديمية أو في التنشيط الثقافي وتأسيس المشاريع الكبرى كأحد البنائين العظام، ولعب الدور الأهم في رسم ملامح السياسة الثقافية المصرية، بدءاً من منتصف تسعينيات القرن الماضي وحتى العام 2015 عقب خروجه من التشكيل الوزاري، بعد أن تولى حقيبة الثقافة في وزارة المهندس إبراهيم محلب للمرة الثانية، بعدما جرت عليه  الوزارة الأولى غضب كثير من المثقفين لأنها جاءت في الأسبوع الاخير من حكم مبارك، فاستقال سريعاً، بعد سبعة أيام فقط قضاها في المنصب الذي لم يكن بحاجة إليه. وقد أتيحت له فرصة تصحيح "خطأ" تولي الوزارة في غمرة أحداث انتفاضة يناير 2011 التي كان واحداً من كبار مؤيديها والمنظرين لها، وخلال الأعوام الخمسة الأخيرة بعد أن تحرر تماماً من أعباء المناصب الرسمية، انصرف عصفور إلى الكتابة العميقة والجذرية في الشأن العام وتفرغ لمساجلة الإسلاميين.

الأكاديمي المثقف

والميزة الأهم في مسيرة عصفور كناقد أدبي جاءت من ارتباطه المبكر بالجماعات الثقافية المؤثرة، بفضل توجيهات أساتذته المباشرة، ومنهم الدكتورة سهير القلماوي التي دافعت عن حقه في أن يعين أستاذاً في الجامعة ودفعته إلى كتابة رسالة إلى الرئيس جمال عبدالناصر يناشده فيها بانصافه في التعيين الجامعي بعد أن تم تجاوزه في التعيينات، وعمل لفترة مدرساً في إحدى مدارس محافظة الفيوم.

 

وبعد أن استجاب عبدالناصر لرسالته، وبعد التحقق من مدى استحقاقه الوظيفة الجامعية، التحق بالجامعة معيداً في قسم اللغة العربية، وهناك تأثر بنشاطات أساتذته ورفاقه أمثال عبد العزيز الأهواني وعبدالمحسن طه بدر وعبدالمنعم تليمة الذين قادوا خطواته في التعرف على الحياة الثقافية خارج أروقة الجامعة، بفضل انتماءاتهم اليسارية التي صاغت الملامح الأولى لأفكاره.

ومن داخل الجامعة تعرف للمرة الأولى على الأصوات الشعرية الصاعدة في جيل السبعينيات، وكان الأقدر على التقاط الحساسية الجديدة في نصوصهم التي اعتنى بقراءتها والإشارة إليها في كتاباته الأولية.  وكان اللقاء مع الشاعرين أمل دنقل وصلاح عبدالصبور نقطة تحول كبيرة في مسيرته، بحيث دعاه صاحب "الناس في بلادي" للعمل معه في هيئة الكتاب عند تأسيس مجلة "فصول" تحت رئاسة تحرير الراحل الدكتور عز الدين إسماعيل وإلى جوار الدكتور صلاح فضل.

وكما هو معروف نجحت المجلة في إطلاق حركة نقدية عربية ذات تأثير واسع، وفتحت أبوابها للتعريف بالنظريات والمناهج الأدبية الحديثة، فضلاً عن دورها في تبني نظرة أكثر جذرية إلى التراث العربي في مواجهة الصعود اللافت لتيارات نقد التراث العقلي والنهضوي للثقافة العربية، مع نمو تيارات الإسلام السياسي.

المفكر النقدي

وساعدت فرصة العمل مع هيئة تحرير "فصول" جابر عصفور في امتلاك صلات مباشرة مع كثير من النقاد العرب المجايلين، أمثال فيصل دراج ويمنى العيد ومحمد برادة، مما زاد حضوره في الفضاء الثقافي العربي وإسهاماته في مؤتمرات علمية ومجلات كان لها كثير من التأثير.

انتقل عصفور للتدريس في جامعة الكويت ليعزز من قوة ارتباطاته العربية، وبالمثل كان سفره إلى الولايات المتحدة الأميركية للعمل في إحدى جامعاتها بعد فصله من جامعة القاهرة في جريرة الأساتذة المعارضين للرئيس السادات، ثم عمل في جامعة السويد موطداً وسيلة أخرى لتوثيق علاقاته العربية والدولية، وموجداً فرصة لاكتشاف مناهج نظرية جديدة والعمل على إبراز تطبيقاتها في طريقة قراءته للتراث النقدي العربي، سواء في أعماله القديمة كما فعل مع قراءته لعبدالقاهر الجرجاني أو الحديثة في قراءته لطه حسين في كتابه "المرايا المتجاورة"، وهو الكتاب الذي صنع شهرته كناقد، إضافة إلى ترجماته الأولى لكتابات لوسيان غولدمان أو رامان سلدن والباحثة إديث كريزويل.

وعلى الرغم من أن كتابات عصفور اعتنت بالماضي، إلا أن هذه العناية كانت كاشفة عن وعي بالمعنى التقدمي للتاريخ، مع نظرة لصناعة المستقبل، فقد كان لا يهرب إلى الماضي وإنما يستعيد منه القيم الإيجابية، مستحضراً بيت أمير الشعراء أحمد شوقي، "وإذا فاتك التفات إلى الماضي/ فقد غاب عنك وجه التأسي".

المثقف العربي

نظر عصفور إلى نفسه دائماً كمثقف قومي عربي وابن بار لمشروع ثورة يوليو 1952، ولم يقع على الرغم من نقده للناصرية في دائرة المعادين لها، معتبراً أن أفضل ما في تكوينه العقلي والثقافي يرجع إلى السنوات التي تعلم فيها مفاهيم الحرية والاشتراكية والوحدة، ويفسر هذا الاعتقاد جوانب من سياساته الثقافية التي رسخها بعد توليه مسؤولية الأمانة العامة للمجلس الأعلى للثقافة عام 1993، وعمل على استعادة روابط مصر العربية على الصعيد الثقافي بعد سنوات المقاطعة العربية لمصر، وتبني سياسة المؤتمرات الثقافية الكبرى التي وفدت إليها أبرز وجوه الثقافية العربية والعالمية.

وعلى الرغم من الانتقادات التي وجهت إليه كمثقف يعمل من داخل السلطة ويدفع المثقفين إلى حظيرة الدولة، بحسب منتقديه، إلا أنه جاهر بقناعاته التقدمية والتنويرية التي أكد فيها انتماءه إلى تيار أصيل في الثقافة النهضوية، يبدأ برفاعة الطهطاوي ويمتد إلى طه حسين، فالتنوير كمفهوم يحتاج إلى سلطة داعمة له.

رسخ عصفور نجاحاته الكبيرة داخل وزارة الثقافة المصرية كمؤسس لمشاريع كبرى أبرزها المجلس الأعلى للثقافة والمركز القومي للترجمة، وابتدع حال جدل حول هوية المثقف والسلطة والمثقف في السلطة، بطريقة تجدد التساؤلات حول دور المثقف في صناعة السياسة التي يمكن استعمالها في بيئة شمولية، وكان في كل مراحل عمله العام التي امتدت نحو 30 عاماً قد ترك إرثاً غنياً من المكاسب المؤسسية التي لا يجوز التفريط فيها، وهو ما يفسر في بعض الجوانب الشعور المصري العام بفداحة فقده كشخصية ذات فاعلية.

 ومن المثير أن كل هذه السجالات حول أدواره الثقافية الرسمية لم توقف طاقته في العمل المستمر والانتظام في الكتابة النقدية والصحافية، وقد ترك إرثاً غنياً من العطاء النقدي المتقدم، وصاغ كثيراً من المصطلحات النقدية التي تحولت إلى "كليشيهات نقدية" من فرط استعمالها في المجال العام، مثل تعبير "بلاغة المقموعين" أو اصطلاح "زمن الرواية" الذي أطلقه واصفاً صعود السرد في عالمنا العربي خلال الـ 40 عاماً الأخيرة، لكنه هو من أنصف أيضاً الشعر بمؤلفات مهمة منها "رؤى العالم" و"ذاكرة الشعر" و"نقد الشعر"، إضافة إلى مؤلفاته عن أمل دنقل وصلاح عبدالصبور.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

 وقد انطوى مشروعه النقدي على ملامح لافتة جداً، أهمها تمثله الذكي لكافة أفكار طه حسين، ليس فقط في إطار العلاقة مع المجال العام، بل أيضاً في أهمية الوعي بالتراث مع انفتاح على الإنتاج الثقافي العالمي. وعزز عصفور معارفه النقدية دوماً بمنهجية راسخة تستند إلى مفاهيم مستمدة من علم الجمال والنقد الماركسي، من دون التقيد بالمفاهيم التقليدية لنظريات الانعكاس أو الالتزام في الحدود التي عرفتها مناهج الواقعية الاشتراكية التقليدية، وزاد عليها خلال الثمانينيات اهتماماً واضحاً بالنظرية البنيوية ومدارس التحليل النفسي.

وفي الربع قرن الأخير راح يتقدم نحو آفاق النقد الثقافي واعتماد العلوم النقدية ألماً بعد حداثية، والاهتمام بـ "تاريخية النص" والعلاقة بين النص والسياق المنتج فيه، والكيفية التي تدفع أي نص نحو إنتاج خطابه.

لا يمكن النظر بإنصاف إلى تجربة جابر عصفور العظيمة من دون التوقف أمام إسهاماته الأصيلة في تناول الإرث النهضوي لخطاب التنوير والتسامح، وهذا ما قاده إلى درس هذا الإرث في مسعاه الدائم إلى مساجلة الإسلاميين بشجاعة يندر أن تجدها لدى مسؤول رسمي. وتشهد على ذلك أعماله المهمة "هوامش على دفتر التنوير، أنوار العقل، ضد التعصب، مواجهة الإرهاب، مقالات غاضبة، جامعة دينها العلم، نقد ثقافة التخلف"، وقد فصل في بعضها أخطار العيش بين الاستبداد السياسي والديني حتى لو اتهمه خصومه بتجاهل الاستبداد السياسي والاكتفاء بنقد تيارات التعصب، إلا أنه ظل يدعو طوال سنواته الأخيرة إلى إقرار ثقافة التسامح وترسيخ مفهوم الحوار في كل مستوياته.

المزيد من ثقافة