Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

سيف الرحبي يكتب شعريا يومياته في زمن الكورونا

نصوص مزيج من التداعي والمونولوغ والذكريات المستعادة

العزلة كما رسمها وليد المصري (صفحة الفنان على فيسبوك)

كتاب جديد للشاعر العماني سيف الرحبي عنوانه "في النور المنبعث من نبوءة الغراب - أوراق 2020". صدر حديثاً عن دار الجمل. ربما لوحت الجملة الثانية في العنوان إلى أن الكتاب أقرب إلى اليوميات أو المذكرات، بحيث يعمد الكاتب إلى "الحفاظ على ما يبلى في الذاكرة " بحسب العبارة النقدية الشهيرة. بيد أن قراءة متأنية للنصوص التي يضمها هذا الكتاب تفيد أنها مزيج من التداعي والمونولوغ، فالشاعر من خلالها لا يسجل "الأحداث" من أجل الذكرى والتذكير، كما هو الشأن في اليوميات التقليدية، وإنما من أجل عقد حوار مع ذاته في المقام الأول، فمن خصائص اليوميات أنها تضم الخواطر التي لا نريد أن نود قولها للآخرين، فهي خواطرنا الأشد خصوصية وتأملاتنا الأكثر حميمية.

يضم الكتاب سبعة نصوص، ستة نصوص نثرية، ونصاً شعرياً طويلاً سماه الشاعر "عن حديقة الحيوان المنقرضة" وأهداه "إلى أعداء الحياة والمعرفة".

الكتاب، كل الكتاب، يسكنه هاجس الجائحة، جائحة "كوفيد-19" التي انتشرت في العالم وأصبحت بعضاً من كوابيسه الكبرى. صحيح أن الشاعر انتقل بخفة طائر من موضوع إلى آخر، ومن مناخ شعري إلى مناخ شعري ثان، لكن شبح الجائحة ظل يبسط ظلاله على كل الفصول ليحول الكتاب إلى ضرب من التأملات في الحياة والموت.

"كوفيد" طعنة في جسد العالم وروحه

من النصوص اللافتة في الكتاب النص الأول "في هشيم العالم" الذي دار حول هذا الوباء الذي وجه، في نظر الكاتب، طعنة عميقة إلى جسد العالم وروحه في آن، ومن هنا كان التهافت المجنون على إيجاد علاج يعيد الاعتبار إلى الحضارة، ومنجزات العلم والحداثة التي وجهت لها الجائحة الضربة في الصميم، وذكرت الإنسان في خضم نشوة القوة بـ "أن ليس هناك في تاريخ البشر والواقع ماهو نهائي". كما ذكرته أيضاً بأن النظم الليبرالية المتطرفة تؤدي "بالضرورة إلى تكديس البضائع والظلم والكوارث".

ثم يلتفت الكاتب إلى "الأعاصير الإعلامية" التي صاحبت انتشار الوباء حتى كادت الحملات الإعلامية والتنظيرات والإشاعات تتجاوز مفهوم الخرافات والأساطير، وقد ذكر كل ذلك الكاتب بمسرحية يوجين يونسكو "الخرتيت" التي يصاب فيها السكان بالهلع بعد فرار الخرتيت إلى مدينتهم، فتمضي الأحداث والمواقف المضحكة المبكية وتتأزم حتى يتحول السكان إلى خراتيت شكلاً ومضموناً.

يتساءل الكاتب: ألا تذكر هذه الأعاصير من عواهن الكلام ومن الرهاب الذي صاحب هذا الفيروس، برهاب سكان تلك المدينة الرمزية في مسرحية "الخرتيت"؟

النصوص الأخرى

لم يقتصر الحديث عن الجائحة على النص الأول، بل تسرب إلى النصوص الأخرى، ففي نص جميل عنوانه "صحبة وجوه وأطياف" يتحدث سيف بلغة تجمع بين الأناقة والعمق عن الطبيعة في لحظات الفجر الأولى، ويشير بشاعرية عالية إلى وجوه ومدن تتراءى له في تلك اللحظات النقية الصافية، ويقول في شبه اعتراف إن الانسان يزداد تعلقاً بالحياة كلما تقدم به العمر وتتراجع لديه الرغبة في الانتحار، ويلتفت بعفوية طفل إلى مباهج الحياة الصغيرة: الطيور، السماء، القمر، الكتب، فيستعيد بعض النصوص التي وسمت ذاكرته: قصيدة عمر بن ابن أبي ربيعة المتوجس خيفة من القمر، قصة هنرى ميلر المحتفي بالكوكب الجميل، أناشيد مالدرور ورائعة توماس مان "الموت في البندقية" ورواية "على الطريق".

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

كل هذه المباهج لم تنسه الجائحة والخوف الذي بات يسكن نفوس الجميع: "أن يرى الواحد منا على سطوح الشاشات مدن الحضارة العظمى بخاصة على ضفتي الأطلسي من نيويورك حتى برلين ولندن وباريس وروما خاوية على عروشها، تجوسها أشباح الخطر والموت بسبب هذا الوباء، فذاك ملخص لانفجار المخاوف البشرية في عصورها المختلفة، منذ حياة الكهوف حتى هذه البرهة التي إنما تدشن لمشهد قيامي قادم".

تراسل الفنون

 لكن الكاتب لم يلتزم في نصوصه بمواضيع محددة وإنما خاض في مواضيع شتى، في ضرب من التداعي الذي لا يرد، فالمتأمل في هذا الكتاب يلاحظ أن نصوصه أفق مفتوح على شتى الأجناس الأدبية والألوان الثقافية، فيها تتضام أمشاج من الفنون السردية والشعرية والتأملات الفكرية والخواطر الفنية وفق نظرة جديدة لا تلقي بالاً للحدود من الأجناس والأنواع. " وحدة الموضوع" كانت إلى وقت قريب من العناصر التي يوليها الكاتب عنايته الكبرى بحيث يجعل نصه يدور على فكرة رئيسة واحدة لا يخرج عنها، ومن هنا تواترت صورة النص بوصفه جسداً كاملاً لكل عضو فيه عمل يؤديه.

حضور الشعر

الشعر حاضر حضوراً غامراً في الكتاب، يتخلل النصوص النثرية حيناً ويستقل بذاته حينا آخر. يعود إليه سيف باستمرار وكأن هذا الجنس من القول يظل الأقدر على قول مواقف الشاعر وأحلامه وانكساراته. وقد أشرنا في مقالة سابقة إلى أن الرحبي يسعى باستمرار إلى ابتكار "لغته" الشعرية التي تقول تجربته المخصوصة، فاللغة عنده ليست صندوقاً يستخرج منه الألفاظ ليضعها علامة على الأشياء، وإنما هي تجربته، لكن قصيدة الرحبي ليست مجرد رسالة تنطوي على رؤى الشاعر الفكرية وحسب، وإنما هي قبل كل شيء خطاب شعري تشدنا دواله إلى حضورها الذاتي قبل أن تشدنا إلى شيء آخر خارج عنها، وقد لا نجانب الصواب إذا قلنا إن قصائد الشاعر استحضرت بنية الحلم وتركيبته، والحلم في تعريف فرويد لغة من خصائصها الإغماض والتحريف ومجانبة الدقة التي تقوم عليها لغة التواصل، لهذا عد الحلم "بوحاً معمى" يكشف ولا يكشف، يقول ولا يقول.

ومثل الحلم كانت قصائد سيف الرحبي، فهي تقوم على الإضمار والإيحاء ولهذا تغري القارىء بالتأويل إثر التأويل: "كانت الأيام تترى / راكضة بين الجيوش والمذابح/ وكان البحر يوزع هداياه الصباحية على الأطفال".

والواقع أن كل قصائد الرحبي إنما هي تأمل في فاعلية الكتابة وتفكير في وظيفة الشعر واستقراء لإمكانات اللغة، وهكذا تمكن الرحبي من نقل أسئلة الشعر من خارج القصيدة إلى داخلها، وأسهم في استبدال الأسئلة الاجتماعية والأيديولوجية التي كانت تستبد باهتمام القصيدة بأسئلة الكتابة وقضايا الشعر.

المزيد من ثقافة