Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

تحديات الأمم المتحدة في العراق

يصطدم المجتمع السياسي الشيعي أحياناً بشأن تقييمات وآراء الممثلة الدولية جينين بلاسخارت

تمكّنت جينين هينيس بلاسخارت من التحرّك بفاعلية في عموم المجتمع السياسي العراقي (أ ف ب)

يتلخص عمل الأمم المتحدة في العراق بتوجيه البلاد نحو مستقبل مستقر ومزدهر وديمقراطي، ويتمتع بحالة سلام مع جيرانه، بعد أن اتخذت الأمم المتحدة إجراءات قوية عبر مجلس الأمن الدولي ضد العراق قبيل عام 2003، كونه يشكل "تهديداً للسلم والأمن الدوليين"، كما كانت تقول في ديباجات قراراتها السابقة.

أما في يومنا هذا، فهناك إدراك أكبر بأن الاستثمار في إرساء السلم والأمن داخل العراق يحقق عوائد إيجابية للمجتمع الدولي بأسره، وفق قرارات مجلس الأمن الدولي المتعاقبة التي اتخذتها على مدى حقبة التعامل مع الأوضاع العراقية بعد غزو الكويت 1990.

بلد بحاجة إلى الرعاية

وعملت الأمم المتحدة في العراق على الشروع في إعانته كبلد يحتاج إلى رعاية بعيد شن الحرب عليه عام 2003، وذلك بإنشاء فريقين للعمل.

وتتألف مؤسسات الأمم المتحدة في العراق من كيانين منفصلين، هما: بعثة الأمم المتحدة لتقديم المساعدة إلى العراق (UNAMI) التي تديرها الهولندية جينين هينيس بلاسخارت، وتتلخص مهمتها في تقديم تقاريرها إلى إدارة الشؤون السياسية في نيويورك، وفريق الأمم المتحدة القطري الذي يضم 20 وكالة وصندوقاً وبرنامجاً تعمل في البلاد. وهاتان المؤسستان في حالة صراع وتنافس، حد التناقض في عملهما نتيجة الخلافات السياسية والمذهبية والتوجهات المتنافسة حد التناقض، في مجتمع يعاني الانقسام والتشظي.

وتجري الأمم المتحدة تقييماً خارجياً دورياً لعملها في العراق، وتبدي تصورات استراتيجية للنهوض بهذا البلد الذي حطمته الحروب المتكررة، آخرها حرب 2003 وحروب الردة الداعشية وقبلها "القاعدة"، والتي أزهقت مئات الآلاف من الأرواح، ودمرت المدن الحضارية في نينوى والأنبار وصلاح الدين، وأنتجت عسكرة المجتمع من جديد، واستفزت ميزانيات البلاد وموارده على الدفاع والتجييش الاضطراري، وأشاعت أجواء الفرقة والخلافات التي امتدت إلى المدن والقرى والقصبات.

"يونامي" تعمل في حقل ألغام

أمام هذا الواقع، وجدت بعثة "يونامي" نفسها في أتون واقع جديد، من أجواء سياسية وشعبية معقدة، يطفو فيها الغلو والمحاصصة السياسية، وتعلو نبرة الطائفية، وتتعالى الثارات، وينتشر السلاح الخفيف والثقيل والكواتم خارج مشجب الدولة، وتتأسس الميليشيات التي تدافع عن مصالح أحزاب السلطة قبالة القوى المناوئة التي أخرجت من السلطة والحكم بعد الغزو في مارس (آذار) عام 2003.

وكذلك شيوع معارضات وانقسامات دينية ومجتمعية شديدة الأثر على إمكانية استقرار البلاد ووحدتها في ظل دعوات الانقسام والتمحور الإقليمي، والخلاف على الموارد والنقص المتواصل للمياه، بعد تحويل وتحوير مجاري الأنهر والسدود في تركيا وإيران، ما جعل العراق يختنق، وتسود أجواء التصحر ونقص المياه، التي وصلت إلى مياه الشرب في بلد الأنهر.

من هنا، فإن الأمم المتحدة وبعثتها "يونامي" تتحرك بما يشبه حقل الألغام في أي قرار أو مشورة، لأنها تمس مجتمعاً مجرحاً، يعاني الخراب والفساد المالي، وتحاصره اللصوصية التي هدرت أكثر من تريليون دولار أميركي من موارده على مدى ثماني عشرة سنة عجافاً، واحتمت السلطة والرئاسات فيه حول السفارة الأميركية المطوقة كمنطقة دولية تسمى "الخضراء"، فأوجدت حاجزاً بينها وبين الشعب باتخاذ قصور صدام مقرات لها.

مهمة "يونامي" في العراق

لكن، بعثة يونامي، تطور عملها بتفويض الحكومة العراقية، وتوجيه المنظمة الدولية للعمل مع الشركاء الحكوميين، وتفعيل منظمات المجتمع المدني ودعمها وتقديم الخبرات ورفع شأن الخدمات الإنمائية والإنسانية في البلاد.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

وتأسست يونامي عام 2003 بموجب قرار مجلس الأمن الدولي المرقم (1500)، وهي بعثة سياسية خاصة تتولى تقديم المشورة والدعم للشعب العراقي ومساعدة الحكومة وإثراء الحوار السياسي، لتحقيق المصالحة الوطنية وإجراء انتخابات ديمقراطية، إضافة إلى تسيير الحوار بين العراق وجيرانه وتعزيز حقوق الإنسان وإشاعة الإصلاح القضائي والقانوني في البلاد.

وتمكنت الممثلة الخاصة للأمين العام للأمم المتحدة جينين هينيس بلاسخارت وزيرة الدفاع الهولندية السابقة (2012 - 2017) بعد تعيينها من قبل الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش منذ أواخر عام 2018، بهذا المنصب الرفيع، من التحرك بفاعلية في عموم المجتمع السياسي العراقي، وحظيت بدعم المرجعية الدينية ممثلة بعلي السيستاني، الذي يقابلها بين حين وآخر من دون باقي السياسيين العراقيين الحكوميين، مما يعطي رسالة واضحة للقوى المتصارعة لإبقاء الأبواب مشرعة مع المرجعية النافذة والمؤثرة على عموم المجتمع العراقي، لا سيما مجتمع الأغلبية الشيعي الذي يمتلك الكتلة الأكبر في البرلمانات والمحاصصة السياسية ورئاسة السلطتين التنفيذية والقضائية في البلاد.

أحزاب السلطة تواجه بلاسخارت

غير أن هذا المجتمع السياسي الشيعي يصطدم بين حين وآخر معترضاً على تقييمات وآراء الممثلة الدولية جينين بلاسخارت، التي تعارض وجود الميليشيات، وتدعو إلى التمسك بالشرعية الحكومية والقانونية.

وترى بلاسخارت أن الانتخابات الأخيرة عادلة، مدعومة بإشادة مجلس الأمن الدولي، من خلال بيانين مؤيدين للانتخابات البرلمانية العراقية التي جرت في العاشر من أكتوبر (تشرين الأول) الماضي، الذي وصفها بأنها "حرة ونزيهة".

وأعلنت بلاسخارت رفضها أي محاولات لتخريب نتائجها أو التدخل في عمل المفوضية المستقلة، وأبلغت مجلس الأمن الدولي في إحاطة عاجلة "أن أي محاولات غير مشروعة تهدف إلى إطالة أو نزع مصداقية عملية إعلان نتائج الانتخابات أو ما هو أسوأ، كالقيام بتغيير نتائجها عبر الترهيب وممارسة الضغوط مثلاً لن تسفر إلا عن نتائج عكسية، وأدعو كافة الأطراف المعنية إلى عدم الدخول في هذا المنزلق، وأن الوقت حان الآن لأن يخرج العراق من الجمود السياسي الذي طال أمده، وإنشاء آليات حكم ديناميكية ومتجاوبة".

وعلى إثر إحاطتها تلك، ثارت عليها نقمة وعداوة الولائيين ممن يسمون (الإطار التنسيقي)، الذي يطعن على نزاهة الانتخابات الأخيرة، ويشكك في صدقيتها، ويسعى علناً إلى إعادتها، محركاً جيوشاً إلكترونية ومجاميع سياسية، تسعى لإلغاء الانتخابات والتشكيك في صدقيتها في حفلة معارضة لها، اشترك فيها كل الخاسرين وغير المتوقعين للنتائج التي تمخضت عنها الانتخابات، وطرح بدائل لتبديد حصادها، الذي أقصى المجموعة التنسيقية المؤلفة من الموالين لإيران في السياسة والتوجه.

الأمم المتحدة تزكي عمل المفوضية المستقلة

حتى إن بلاسخارت رجحت دعم الجهة المنظمة للانتخابات، وهي المفوضية العليا المستقلة، بل أكدت "في الواقع يمكن أن تكون الانتخابات البرلمانية الأخيرة بمثابة نقطة انطلاق مهمة على مسار أطول نحو استعادة ثقة الشعب، ولدعواتنا المستمرة إلى أن يسود الحوار السياسي" على حد قولها. نافية أن يكون هناك تزوير مزعوم "القنوات القانونية القائمة مفتوحة في حالة العراق ومستخدمة بشكل كبير، لكن حتى الآن وكما ذكر القضاء العراقي لا يوجد دليل على وجود تزوير ممنهج".

لكن، غالبية القوى والفصائل المسلحة الشيعية ما زالت تدعو إلى حكومة توافقية، وليس حكومة أغلبية سياسية، كما يطالب الطرف الرابح الحاصل على الفوز الساحق بـ74 صوتاً، وهو التيار الصدري الشيعي، وتحاول قلب الطاولة وإعادة الانتخابات بدعوى أنها "مفبركة ومزورة" كما يعلن الولائيون الشيعة، مما دعا الممثلة الأممية إلى المطالبة بضبط النفس، وأن "ردود الأفعال على نتائج الانتخابات العراقية لا يجب أن تصل إلى التهديد والعنف، بعدم وجود دليل على وجود تزوير أو احتيال ممنهج، وأن أي محاولة غير قانونية لتغيير نتائج الانتخابات سترتد على أصحابها".

انقسام شيعي – شيعي

الشارع العراقي الشيعي بات منقسماً على إثر الانتخابات ونتائجها التي رجحت كفة الصدريين، الذين رفض زعيمهم مقتدى الصدر عودة الحالة التوافقية، ودعا إلى تشكيل حكومة أغلبية برلمانية، رافضاً ما وصفه "خلطة العطار" التي تستخلص من أطراف متناقضة في المكون الشيعي بين الولائيين وغير الولائيين.

وقلبت الانتخابات الأخيرة "خلطة العطار" تلك بتوافق قائمة شيعية باتت من الماضي، والتي يشترك في تجهيز طبختها المنتفعون من الساسة، كما يرجح المراقبون العراقيون الارتقاء لمنطق جديد غير مجرب، وهو تشكيل حكومة غير توافقية، ينقسم فيها التشكيل السياسي المأزوم بين توافقي، يريد إبقاء الحال كما هو عليه وفق صيغة خطوط العرض (شيعة، سنة، أكراد)، يفصلون الدولة وحكمها على الأسر الفائزة في البقاء بالمشهد السياسي مع بعض التغيرات غير الضرورية أو الشكلية، أو يجابهون منطقاً جديداً أفرزته تلك الانتخابات بالانشطار طولياً توزع فيه القوى الفائزة، بما يسمى الكتلة الأكبر بالمشاركة بين الشيعة والسنة والأكراد، ينادي به الفائز في الانتخابات مقتدى الصدر وتياره بـ74 مقعداً هم الأغلبية البرلمانية التي تصر على عدم الوقوف بمطب التوافقية، لتجابه فصائل وجيوشاً وسلاحاً خارج مشجب الدولة، ترفض منطق التمثيل السياسي، وفق المعطى الانتخابي، لأنه يتهددها، ويفرض منطقاً آخر لتسيير الدولة، واختيار أعضاء الحكومة مع تفاوض مستمر يصطدم بإصرار الصدر وتياره على أن السابق فاشل، وقاد العراق للانهيار، ولو أنه ضمن إثراء السياسيين المحاصصين، الذين لن يتخلوا عن مكاسبهم المليارية، ولن يعودوا إلى بيوتهم، بعد أن تعودوا العيش في القصور، وما تمنحهم "خلطة العطار" من مكاسب تكاد تكون خيالية، لكنهم يراهنون على خلط الأوراق من جديد، وانتزاع مكاسب الخضراء، التي لم تكن يوماً حتى في الأحلام.

موقف الأمم المتحدة أعطى الدعم الدولي لهذا التوجه السياسي، بالحفاظ على معطيات الانتخابات ونتائجها، من خلال موقف بلاسخارت، التي أعلنت بقوة أنه لا عودة عن نتائج انتخابات التي أجرتها مفوضية وصفتها بالنزيهة، وحظيت بتأييد قضائي قانوني، يفتح أبواب حقبة جديدة في العراق، تتلاشى فيها قوى اللادولة، التي سادت طيلة الثماني عشرة سنة منذ غزو العراق واحتلاله.

المزيد من تقارير