Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

ما هي أسباب استمرار الحال الثورية لدى الشباب في السودان؟

ما يمكن ملاحظته في الشعارات هو التصورات لوطن ما بعد الانتفاضة التي تعبر عن الأمل

هناك فجوة بين متطلبات الشباب وتفكير مؤسسات الدولة في السودان (اندبندنت عربية - حسن حامد)

ظلت مشاركة الشباب في ثورة ديسمبر (كانون الأول) 2018، والاحتجاجات قبلها وبعدها التي اتسمت بمستوى مصادمة مرتفع بينهم وبين القوات النظامية السودانية، مما أسفر عن عدد كبير من الضحايا، ونبهت إلى ازدياد نسبة الشباب مقارنة مع فئات المجتمع الأخرى. وبينما ترى أصوات أن هذا التفوق العددي يؤدي إلى حالات عدم الاستقرار السياسي والاجتماعي، يشكو الشباب من وجود فجوة واسعة بينهم وبين الأجيال السابقة. ما عرقل تلبية متطلباتهم وجعلهم ينتظرون بترقب هو ما ستسفر عنه التغييرات الواسعة التي أعلنت عنها الحكومة لضخ دماء شابة وللاستفادة من الأجيال الجديدة.

تأثير ديموغرافي

يقول أستاذ علم الاجتماع والأنثروبولوجيا في جامعة الخرطوم منزول عسل، "أصبحت فئة الشباب تشكل معظم سكان السودان، وهناك تقارير تشير إلى أنهم يمثلون حوالى 60 في المئة؜ من سكان السودان، مما يلفت إلى تأثير العامل الديموغرافي في التحولات التي تحدث في السودان". ويضيف، "هناك أيضاً التوسع الكبير في التعليم العالي الذي أفرز حركة اجتماعية كبيرة أدت إلى تغيرات وتحولات في المجتمع، وذلك مقرون بالتغيير في السلم التعليمي لمرحلة الأساس، مما وفر فرصاً كبيرة للتعليم العالي، وبالتالي تخريج مئات الآلاف من الشباب الطامح إلى التوظيف، لكن مواعين سوق العمل غير قادرة على استيعاب هذه الأعداد الهائلة، وأنتج ذلك مشكلة اجتماعية كبيرة هي عطالة الشباب ونتيجتها طاقات مهدرة، وأدت حال الإحباط إلى حال ثورية دائمة وسط الشباب".

وينوه عسل إلى أن "تفكير مؤسسات الدولة قاصر ومتخلف، وليس هنالك تناغم أو تواصل بين المؤسسات المختلفة، فعلى سبيل المثال، يجب أن يكون هناك تنسيق بين وزارات التعليم العالي والعمل والمالية، في أمر زيادة أعداد القبول في الجامعات الذي ترك لوزارة التعليم العالي لتقرر فيه".

ويتابع، "ينظر الشباب أو الخريجون إلى التوظيف بصورة غير واقعية، فالكل يريد وظيفة في القطاع العام، ويجب أن تكون هناك بدائل لأن القطاع العام غير قادر على استيعاب هذه الأعداد الهائلة من الخريجين".

مخرجات التعليم

يقول المتخصص في الشأن الاقتصادي محمد الناير، "خلق وجود عدد كبير من الخريجين عدم توافق بين مخرجات التعليم العالي وسوق العمل، وهي مشكلة مستمرة خلال الحقب الماضية، مما يتطلب استراتيجية من الدولة، بأن تخرج الجامعات مهناً محددة تتوافق مع حاجات سوق العمل السودانية، مما يُسهم في معالجة قضية البطالة، وأن تفتح برامج الدولة فرص عمل في القطاعين العام والخاص ومن خلال برامج التمويل الأصغر وتشجيع الشباب على تبني مشاريع صغيرة تنمو بصورة متدرجة بمساعدة البنوك، وكان هناك مقترح باعتماد 15 في المئة من حجم التمويل في المصارف السودانية، ولكن لم يتم تنفيذه".

ويضيف الناير، "هناك سبب آخر هو أن الشباب دائماً ما يطلبون مشاريع لمهن تعد غير مؤثرة بصورة كبيرة في الاقتصاد، ولا يقبلون على مشاريع مجدية اقتصادياً أو إنتاجية تحسن مستوى المعيشة للأسر".

ويلفت إلى أن "هناك فشلاً ملازماً لبعض المشاريع المحلية والاستثمارية الأجنبية مثل مشروع الراجحي الوقفي الخيري في مدينة بربر في شمال السودان، إما بسبب البيروقراطية في إجراءات الدولة، أو بسبب التقاطعات الموجودة في اللوائح والقوانين في مستويات الحكم المختلفة، ووجود مشكلات بين هذه المشاريع والمواطنين في المواقع التي تنفذ فيها، فمثل هذه المشاريع تعد نموذجاً لما يمكن أن يحقق في إطار استيعاب الشباب من الجنسين وتحقيق التنمية، ولكن أوقفته تعقيدات المجتمع المحلي وعدم استيعابهم لأهداف المشروع".

تصورات الشباب

وعن الشباب والحال الثورية وتوظيف الطاقة من ناحية أنثروبولوجية، توضح المحاضرة في قسم علم الاجتماع والأنثربولوجيا الاجتماعية في جامعة الخرطوم، عروب الأمين، "ما يمكن ملاحظته من شعارات الشباب وحراكهم الثوري هو تصوراتهم لسودان ما بعد الثورة، التي تعبر عن الأمل في تنمية اقتصادية واجتماعية، واهتمام أكبر للدولة بخدمة الوطن والمواطنين، وتوزيع أكثر عدالة للثروة والموارد والفرص والخدمات، ورعاية الشباب وتبني مشاريعهم وأفكارهم، فقد كانت الشعارات تردد في اعتصام القيادة حتسقط وحنعرس (نتزوج) كنداكة، مما يعبر عن طموح الشباب الذي لم يقصر نجاح ثورته على سقوط نظام ديكتاتوري وإحداث بعض التغييرات السياسية، وإنما حدوث تغيرات اقتصادية واجتماعية هيكلية ومفصلية بما يسهم في تحقيق حياة أفضل لهم".

وتتابع الأمين، "لم يتحقق ذلك، بل إن الأحوال الاقتصادية والاجتماعية لسودان ما بعد أبريل (نيسان) 2019 ازدادت تدهوراً، عقبها عدد من الأزمات المتتالية كركود سوق العمل نتيجة لتداعيات جائحة كوفيد-19، مما أثر على الشباب الباحثين عن فرص عمل والعاملين أيضاً".

"كل هذا التناقض بين الواقع السياسي والاقتصادي للبلاد وبين ما كان يطمح إليه هؤلاء الشباب ويعبر عنهم خلق فجوة واسعة بين تحقيق مآلات الثورة من وجهة نظر الشباب وبين الواقع الفعلي، ليس فقط السياسي وإنما أيضاً الاقتصادي والاجتماعي، وهذا ما أثر بشدة في تقييم الشباب لمنجزات الثورة وإلى أي مدى نجحت الثورة في تحقيق مطالبها، فالثورة بالنسبة إلى الشباب ليست حدثاً منفصلاً عن حياتهم اليومية، وكذلك تقويمهم لمآلاتها لا ينفصل عن واقعهم اليومي".

فجوة واسعة

وعند سؤالها عن الفجوة بين متطلبات الشباب وتفكير مؤسسات الدولة في استيعابهم، تجيب الأمين أن "جزءاً من هذه الفجوات متعلق بعدم عدالة الفرص وتوزيعها، وجزء مرتبط بعدم التزام الدولة بأدوارها التنظيمية والتنموية تجاه مواطنيها خصوصاً الشباب، إضافة إلى أن انفتاح الشباب على العالم خلال عقود العولمة جعل المقارنة بين الأوضاع السياسية والسوسيو- اجتماعية للشباب في الداخل وهؤلاء في الخارج، أكثر إدراكاً ووعياً بما يجب أن يكون عليه واقعهم وحجم الفجوة بين ما يتطلعون إليه وما هم محرومون منه".

وتضيف، "هناك فجوة جيلية واسعة بين الشباب الموجود في الشوارع اليوم وبين الأجيال الأخرى، وهي ليست ظاهرة جديدة ولا تقتصر على المجتمع السوداني، ولكنها تتضمن نماذج من التفكير المتباينة بين الأجيال، تنظر إلى الواقع السياسي والاجتماعي والاقتصادي والثقافي بطرق متباينة، وتسلك سلوكاً متبايناً تجاهه بالضرورة. وبمعنى آخر، فإن الثورة السودانية تتضمن تحولات اقتصادية واجتماعية لا تقل أهمية عن التحولات السياسية، وأهم هذه التحولات تعبير الشباب والنساء بوضوح عن رفض بعض ملامح الحياة الاجتماعية والثقافية السودانية، والاندفاع لتغييرها وخلق واقع مغاير بدلاً من الاكتفاء بالتأقلم معها أو تغييرها تدريجاً".

وتتابع إن "الحال الثورية الطويلة أو متوسطة المدى هي حال استثنائية تتطلب وجود دوافع استثنائية مثل حال اليأس أو الغضب أو الفراغ واللاجدوى، ومع أن تدهور الأوضاع المعيشية كان كفيلاً بصرف انتباه الشباب نحو كيفية التأقلم معها، لكنه خلق حال مقاومة مستمرة، لأن المصلحة العليا للشباب تقتضي استمرار الثورة وإنجاز متطلباتها، كما أن الافتراض الذي يؤيده عدد من أفراد المجتمع، خصوصاً من الأجيال الأكبر سناً ويرى أن استمرار المقاومة الثورية سيؤدي بالضرورة إلى استمرار حال عدم الاستقرار التي يعيشها السودان، وأنه من الأفضل الرجوع عن هذه الحال واتاحة الفرصة للاستقرار وصولاً لانتخابات شرعية، لم يعد محل تأييد مجموعات المقاومة الشبابية".

تحقيق المطالب

اتفق عدد من شباب "تنسيقية لجان المقاومة في الخرطوم بحري"، على وجود فجوة واسعة بين جيلهم والأجيال السابقة، مما وسع الهوة بين مطالبهم وتلبيتها، ذكر عضو لجنة مقاومة السامراب أيوب النور أن ما دفعهم إلى مواصلة الحال الثورية هو أن لديهم "مطالب لم تنفذ منذ بداية الثورة وهي مدنية الدولة من غير شراكة مع العسكريين وتشكيل حكومة كفاءات ثورية، والتحقيق في أحداث القتل في اعتصام القيادة العامة للقوات المسلحة عام 2019، وأحداث انقلاب 25 أكتوبر (تشرين الأول) ومحاسبة الجناة، وتكوين مجلس تشريعي، واستقلال القضاء وإعداد دستور جديد، وتمثيل جميع الفئات في البرلمان، وتطوير قوات شعب مسلحة موحدة ومؤهلة ومهنية، وتفكيك نظام الـ 30 من يونيو (حزيران)، وتحسين الوضع الاقتصادي للشعب بما يضمن العدالة الاجتماعية واقتصاداً سودانياً مستقلاً عن التبعية وهدر الموارد، وإنهاء الحروب الأهليه ونبذ القبلية".

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

ويتفق عباس كاريكا ودعاء أمين وأحمد أمين على أن "مؤسسات الدولة لا تزال قائمة على مرتكزات الدولة العميقة، إذ ظلت الوظائف حكراً على شباب تنظيم المؤتمر الوطني في المؤسسات الحكومية والقطاع الخاص، واستمر استيعاب الشباب في الوظائف من طريق الواسطة التي يستبعد منها المناضلون، مما يستوجب إزالة تمكين النظام السابق لمصلحة المؤهلين للعمل".

أما أمل صلاح فذكرت أن "الثورة الفرنسية استمرت 10 سنوات حتى حققت نتائجها السياسية والاقتصادية والاجتماعية، ويمكننا أيضاً أن نستمر، وما يدعونا إلى التفاؤل بأن مطالبنا ستتحقق هو أن ثورتنا السلمية أكسبتنا مواقف داخلية وخارجية، وهو ما يجعل موقفنا في الشارع ثابتاً تحت شعار الردة مستحيلة إلى أن تتحقق كل المطالب".

ويقول عمر الزين، من تنسيقية لجان مقاومة الحلفايا، "لم يؤثر القصور الاقتصادي في الفترة الانتقالية فينا لوعينا بأننا في فترة مؤقتة وبعدها سينمو الاقتصاد، وستكون المتطلبات الاقتصادية مستندة إلى نتائج المتطلبات السياسية، فإذا قامت دولة مدنية سينمو الاقتصاد".

مسؤولية مشتركة

وعن مسؤولية وزارة العمل، تقول المستشارة فيها آلاء محمود، "تقوم الدولة بتنفيذ برامج ومشاريع تستهدف الشباب من طريق وزارات عدة تعمل كمنظومة متكاملة، أهمها وزارت العمل والتنمية الاجتماعية والشباب والرياضة، وتعد قضايا الشباب أقرب إلى وزارة العمل لدورها في إصلاح الخدمة المدنية وتطويرها، خصوصاً بعد انفصال الوزارة في التشكيل الوزاري في فبراير (شباط) الماضي، أما التنمية الاجتماعية فعملها ينصب في الحماية الاجتماعية مع فئات الأطفال وكبار السن والأشخاص المعوقين والمشردين، إضافة إلى العمل الإنساني مع النازحين وتنمية المجتمع".

ويقول المحلل الاقتصادي والأكاديمي الناير "المسؤولية مشتركة بين وزارة العمل ووزارة التنمية الاجتماعية بتفعيل صناديقها ومؤسساتها لمساندة مشاريع الشباب، وهناك جهات أخرى مثل بنك السودان الذي يصدر السياسات النقدية للبنوك لتوفير التمويل الأصغر لمؤسسات تُعنى بالشباب مثل مشروع تشغيل الخريجين، التي يفترض أن يعول عليها إذا ما توفر المال اللازم لإيجاد فرص للشباب".

ويتابع الناير، "يجب أن تتبنى الدولة هذه المشاريع من خلال وجود حاضنات سواء عبر الجامعات أو المراكز أو غيرها كي تمكن الشباب من الإنتاج الجيد والبحث العلمي والتسويق المناسب لمنتجاتهم، إضافة إلى الفوائد الأخرى للاقتصاد السوداني ستحل هذه المشاريع مشكلة البطالة التي يبلغ معدلها حوالى 40 في المئة ولا سيما من الشباب، وهي نسبة عالية عالمياً تهدد الاستقرار إذا لم تعالج قضايا الشباب وتشغيلهم وفقاً لاستراتيجية توفق بين مخرجات التعليم العالي وسوق العمل".

المزيد من تقارير