Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

أحمد المديني يعود إلى الرجل الذي قلب موازين الرواية

ينتقد الكاتب المغربي النقاد والكتاب العرب الذين يظنون أن كل تكسير لزمن الرواية وتشتيت لمعناها وتغييب للحكاية يجعل العمل الأدبي جديرا بحمل صفة "رواية جديدة"

برز تيار "الرواية الجديدة" بخروجه عن المواضيع المألوفة وتشسيع مساحات التجريب (غيتي)

مع منتصف القرن الماضي بدأ السرد الأدبي يعرف تحولاً كبيراً، عبر كتابات وتنظيرات انطلقت من فرنسا، وأثرت في مصير الآداب في العالم. كانت الحياة الجديدة تفرض وجود أدب جديد يواكبها. فقد شكل بروز تيار "الرواية الجديدة" منعطفاً كبيراً في تاريخ الكتابة الروائية، إذ بدأ ألان روب غريي وناتالي ساروت وميشيل بوتور ومارغريت دوراس وكلود سيمون وصموئيل بيكيت وغيرهم في الخروج عن المواضيع الروائية المألوفة وتغيير حجم البطل وموقعه وسماته ووظائفه، وتشسيع مساحات التجريب، وتغيير أشكال الحضور الإنساني في الرواية، وتكسير البنى الزمانية والمكانية، والعمل على عدم اتساقها بالضرورة.

في كتابه الصادر حديثاً "كي نفهم الرواية الجديدة" يعود الكاتب المغربي المعروف أحمد المديني إلى هذه الحقبة الفرنسية المهمة، ليضيء التجربة وينزع كثيراً من الشوائب عن التمثلات التي انبثقت وتشكلت عنها، خصوصاً أنه كان قريباً جداً من مختبراتها، بدليل أنه حاور باكراً ألان روب غريي، وضمن هذا الحوار في كتابه الجديد الصادر عن "منشورات ملتقى الطرق" بالدار البيضاء ضمن سلسلة "مواعد" التي يشرف عليها الشاعر حسن الوزاني.

يجد المديني مبرراً لعودته إلى زمن "الرواية الجديدة"، فما وصل إلى القارئ العربي، عبر الترجمة، قد "قدم غالباً في قشور، وبتعميمات". هذا ما يقوله الكاتب المغربي في الصفحات الأولى من كتابه، وما يسعى إلى مناقشته وتفسيره عبر فصول الكتاب الذي لم يحتف بألان روب غريي فقط، باعتباره عراب الرواية الجديدة أو "الرجل الذي قلب موازين الرواية" كما سماه، بل امتد للحديث، في فصل خاص، عن مارغريت دوراس، إحدى الأيقونات الأساسية للرواية الجديدة، وإن اختلف أسلوبها وتصورها عن تنظيرات العراب.

تشكل عودة المديني إلى غريي عودته هو بنفسه إلى شبابه، وإلى انتباهه المبكر لأدب جعله ينأى بالتدريج عن أدب بلزاك وفيكتور هوغو وتولستوي ويجنح أكثر إلى روايات كافكا وسولرس فضلاً عن دوستويفسكي وبروست. هذا التحول القرائي الذي عاشه المديني في الستينيات كان متناغماً ما عرفه العالم الأدبي من تحول في خطوط السرد وإحداثياته عقب صدرو رواية "المماحي" لألان روب غريي التي خرجت إلى الوجود في الخمسينيات، وكتابه النقدي التأسيسي "من أجل رواية جديدة" الصادر في مطلع الستينيات.

الرواية العربية تأخرت في استيعاب مفهوم "الجديد"

يحاكم المديني مفهوم "الجديد" الذي صار صفة لصيقة بالرواية العربية في العقود الأخيرة. فهو إذ يرى أن هذا المفهوم منسجم في الأساس مع تربة الأدب التي نبت فيها بفرنسا، يبدو في المقابل، في الحياة الثقافية العربية التي استنبت فيها، فضفاضاً ولا يترجم طموح الحركة الأدبية التي ناضلت لأجله. ما يرسخ هذا الطرح هو التفاوت الزمني الهائل بين تاريخ الرواية في أوروبا والعالم ونظيرتها في عالمنا العربي. فالتحولات والقطائع الفكرية والأدبية تقتضي وجود مساحة زمنية تسمح بحدوث مراحل وتجارب تتجاوز بعضها. والحال أن الرواية العربية لم تتجاوز في عمرها القرن الواحد سوى ببضع سنوات، هذا إذا اعتبرنا أن كتاب فرنسيس فتح الله المراش "غابة الحق 1881" هو أول رواية عربية.

لقد ظهرت الرواية العربية في مرحلة متقدمة من زمن الرواية الواقعية في العالم. وهي بالتالي لم تعش المراحل السابقة، على الأقل منذ زمن رابلي في القرن السادس عشر، ومن دون كيخوطي في مطالع القرن السابع عشر.

يرى المديني أن أقطاب تيار غريي كانوا يعرفون جيداً تاريخ الرواية العالمية التي يرغبون في تجاوزها، وبالتالي فالتجريب الذي خاضوه كان عن معرفة وعن وعي، ولم تكن الرواية الجديدة فقط "تفككاً في الشكل، وغياباً للحكاية، وضياعاً للمعنى، بل وتخففاً من الدراية باللغة، جهلاً بها" كما سيفهم كثير من النقاد والكتاب العرب الذين رفعوا شعار الجدة في الرواية العربية. لم تكن الرواية الجديدة إذاً تشتيتاً مجانياً، بل كان الأمر يتعلق ببناء أدبي وفني جديد يتجاوز البنى السابقة.

ينفر المديني من كل محاولة تسعى إلى ربط الرواية بالتراث الأدبي العربي، إذ يرى أن هذه المحاولات النقدية والتنظيرية "ادعاء لأصالة منتحلة" أسهم في تأخير الكتاب العرب عن الالتحاق بفن السرد التخييلي.

تعرف المديني على غريي وزاره في بلدته المتاخمة لباريس، نشأت بينهما صداقة والتقاه في أكثر من مكان. وهو إذ يستعرض في كتابه سيرة الكاتب يستعرض في الآن ذاته سيرة الكتابة، والتدرج الأدبي لغريي عبر تعقب تحولات السرد في تجربته. وسيقدم الخطوط العامة لقراءتين في غاية الأهمية أنجزهما ناقدان معروفان، تناولا بشكل عميق تجربة غريي، هما الفرنسي رولان بارث والأميركي بروس موريسيت. وسيضمن كتابه مقالتين أساسيتين لغريي لخصتا التصورات التي قام عليها تيار الرواية الجديدة.

وفي فصل من الكتاب يترجم المديني الحوار المهم الذي أجراه مع غريي، والذي يستهله هذا الأخير بمقاطعة المديني في سؤاله الأول، نافياً بذلك كون "الرواية الجديدة" مدرسة. إنه ضد أن تكون حركته مدرسة، بل هي خيار كل من "ذهب إلى أبعد مدى في تصوره الشخصي للكتابة، من دون أن يحترم قوانين السوق".

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

رفض الواقعية وانتقد الأدب الفرنسي المنغلق على ذاته

يؤكد غريي في هذا الحوار أن كتابه "من أجل رواية جديدة" كان رداً على النقاد الذين بدوا له متأخرين في مواكبة التحول الأدبي. وهو إذ يستثني رولان بارت وموريس بلانشو، يصب في المقابل غضبه على ما سماه "النقد الرائج في الصحف". ثم إنه يتنصل من قراءة لوسيان غولدمان لتجربته، فهو يرى أن هذا الأخير يحاول أن يقرأ الأدب من خارجه عبر استحضار عدة ماركسية، بدت لغريي أنها ضد الأدب.

ينفر غريي من الواقعية في الرواية، معتبراً أن كل ما نسميه الواقعية في الأدب لا علاقة له بالواقع، منحازاً إلى بورخيس ونابوكوف ومن سار في مدارهما ضداً في الواقعية التي لا تعني بالنسبة إليه سوى الأيديولوجيا. إنه يرفض الأدب الذي يقوم على بنية دلالية ثابتة تتناغم وتوقع القارئ: علة ونتيجة، من دون نقص أو تناقض، فيما الواقع يحفل بالتناقضات.

ينتقد غريي انغلاق الأدب الفرنسي على نفسه، قياساً مع آداب العالم، لذلك حمل على كاهله رفقة رفاقه في التصور عبء فتح الرواية الجديدة على العالمية، مما أربك النقاد الفرنسيين الذين لم يقرؤوا الرواية منذ بلزاك كما يشير غريي في حواره مع المديني.

يحفل كتاب المديني، وهو كتاب بالغ الأهمية، بكثير من الأسماء والأحداث الثقافية وسجالات الأفكار التي شكلت مدار نقاش مهم في الحياة الأدبية والفكرية بفرنسا والعالم في سنوات الخمسينيات والستينيات، في زمن كان الأدب يخرج بالتدريج من عباءة التقليد نحو آفاق جديدة، وكان لألان روب غريي دور بارز في هذا التحول سواء عبر تنظيراته ومرافعاته النقدية أو عبر آثاره الأدبية.

المزيد من ثقافة