Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

طارق إمام يوقع القارئ في متاهة السرد المشوق

"ماكيت القاهرة" رواية تجريبية بين الواقعية والفانتازيا

من أجواء القاهرة بريشة محمد عبلة (صفحة الرسام على فيسبوك)

الزمن خدعة، والأماكن نسخ مكررة، والناس مزيج من وهم وحضور. هكذا صنع طارق إمام في روايته "ماكيت القاهرة" (دار المتوسط) من السرد متاهة تمارس سطوتها على القارئ، عبر لغة مشفرة، تنتج دلالاتها الخاصة، وتحيل إلى مدلولات تكمن بين السطور.

بدا في اختيار الكاتب عنوانه "ماكيت القاهرة" توطئة، أبرز عبرها، دور المكان كعنصر رئيس في رحلة السرد. وعبر هذه العتبة الأولى للنص - بما تحيل إليه من معاني التناسخ والمحاكاة - تجلت السيميولوجيا، التي ظلت تغلف النسيج.

اختار الكاتب أسماء شخوصه كعناوين لفصول روايته، ما يوحي أنه سيترك لها صوت السرد، لكنه خالف هذا الإيهام، مستخدماً أسلوب الراوي العليم في بناء دائري، ينتهي من حيث يبدأ. فقد تشكلت الفضاءات المكانية والزمنية في دوائر تداخل بعضها ببعض، ليحيط الأصلي بالمقلد. يلتف "غاليري شغل كايرو" حول ماكيت القاهرة، في حين يتحول الماكيت إلى واقع أكثر تقزماً، يدور حول الواقع الحقيقي، يعبر قاطنوه من دائرة إلى دائرة أصغر. وكذلك انسابت الأزمنة الثلاثة للأحداث (2011 – 2020 – 2045)، في المسار الدائري نفسه، الذي امحت معه الحدود، فلم يعد هناك مستقبل ولا ماض، وإنما باتت كل اللحظات حاضراً، يلتف حول الشخوص وتلتف حوله الشخوص، التي كانت هي أيضاً شخوصاً "مدورة" متطورة ومركبة، وبعيدة كل البعد عن التنميط.

سطوة الفانتازيا

استدعى الكاتب أحداثاً حقيقية، وقعت في زمنين متباعدين واقعياً، ومتوازيين روائياً (2011-2020)، ثورة يناير، و"كوفيد-19"، واستقدم شخوصاً مألوفة من قلب الواقع المعيش، ما وشى بطبيعة واقعية للسرد، ومحاولة لرصد لحظات فارقة في تاريخ "المدينة". غير أنه في الوقت نفسه منح الفانتازيا سطوة على الأحداث، عبر تحرره من المنطق، باستدعاء المستقبل والخيال، ليمزج بينه وبين الواقع في تناغم لا يشوبه نشوز. فيجسد في لوحته السردية "بلياردو"، الذي فقد إحدى عينيه في ثورة يناير. يطارده الجنود والكلاب والمرأة العملاقة. ويمنح "نود" خريجة الإعلام ومخرجة الأفلام؛ رجلاً لا يحيا إلا في مرآتها؛ لا يغادرها، وعلى الرغم من ذلك يثمر منه رحمها طفلاً كامل الإنسانية. ويتيح للطفل ذي الخمسة أعوام "أوريغا" قتل أبيه، بمجرد أن يشهر سبابته نحو رأسه!

في ظل حضور كثيف للرمز، يحيل استهلال الكاتب رحلته، بحادثة قتل الطفل أباه؛ إلى نظرية فرويد في التحليل النفسي، التي تجد في قتل الأب هدماً؛ يهدف إلى البناء. وهو التفسير نفسه الذي يطرحه الكاتب ضمناً لثورة يناير المصرية، التي أشعلها الشباب، وإن كان كل ما تحقق بعدها لا يعدو أن يكون نسخاً مكررة ومتقزمة من المدينة ذاتها، التي تلامس جسورها بيوتها. وتمارس قسوتها على أبنائها؛ بأيديهم وعبر أفكارهم، فتتجلى في تفاوت طبقي، وتعصب ديني، في انقساماتها، في كراهيتها الحب ونبذها العناق، تمارس قسوتها حتى في قوانينها... "كثيرون قتلهم أوريغا في ذهنه دون أن يضغط الزناد. نساء دار الأيتام القاسيات، حارسو العقارات المؤجرة الذين نصبوا من أنفسهم رقباء على جسده، وضباط المباحث الذين يسألونه عن اسمه المكتوب أمامهم في بطاقته، كأنهم لا يصدقون أن شخصاً في المدينة يعرف من هو، أو يستفسرون بتشكك حقيقي عن السبب الذي من أجله يتحرك الآن في هذا الشارع رغم أنه يقطن في شارع آخر، منتظرين إجابة مقنعة على السؤال الهذياني" صـ 38.

التماهي والعزف على الحواس

استخدم إمام من أدواته ما يتيح للقارئ حالة من التماهي مع النص، كيلا يستطيع فكاكاً من متاهته، وذلك عبر إبرازه النواقص الأخلاقية للشخوص، وخطاياهم البشرية، التي تستحث على التعاطف والتضامن معهم؛ فـ"بلياردو" يمارس شذوذاً مع تماثيله "المانيكانات". يقتل "المسز" أو نسخة منها، في حين تقتل "نود" قاطني ماكيت أو مدينة القاهرة. تدمر معالمها. تترك طفلها لليتم غير عابئة. و"أوريغا" يكذب، يكيد، ويدفع إلى القتل. كذلك كانت لكل واحدة من الشخوص عذاباتها الخاصة، ما أضفى على السرد طابعاً تراجيدياً يمنح القارئ شعوراً بالتحرر والتطهير.

مارس الكاتب نوعاً من العزف على الحواس، فتارة يعزف على حاسة البصر عبر حضور الصورة واستخدام لغة مشهدية وتقنية سينمائية، وتارة يعزف على حاسة السمع مجسداً أصوات الارتطام، وطلقات الرصاص، وتشظي الزجاج وصخب السيارات في شوارع القاهرة، وتارة يداعب حاسة الشم فتفوح من السطور روائح الدخان، والغاز، والدم والبول، كما في المدينة.

سيمولوجيا النص

 اعتمد الكاتب لغة رمزية تعتمد على العلامات والتشفير. تحيل إلى معانٍ ضمنية تعبر عن رؤيته لحركة الحضارة والتاريخ، بدءاً من الأسماء الأجنبية لشخصياته المحورية (بلياردو، نود، أوريغا)، التي تشي؛ بافتتان أصحابها -الذي يعبر عن افتتان الكاتب- بحضارة الغرب، لا سيما أنهم اختاروا تلك الأسماء لأنفسهم بإرادتهم الحرة لا إرادة آبائهم. كذلك تعبر أسماء الشخوص الثانوية مثل "هيلاري خميس"، وآخرين من الذين كانوا دائماً أجانب من أصول مصرية؛ عن تباعد رؤى وأفكار وثقافة، وأحلام الفروع عن الجذر، وإن كانوا من شجرة واحدة. أما "المسز" فتشي عيناها الزرقاوان، ولغتها غير العربية؛ بانتماء أجنبي. لكنه انتماء من نوع آخر يحيل إلى تبعية، ورغبة في التقويض والهدم، وعززت هذه الدلالة سطوتها على الشخوص، وإملاء إرادتها عليهم واختراقها أفكارهم وإجبارهم على الانحناء أمامها.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

كذلك كانت للمزاوجة بين ملامحها المسنة وصورتها الطفولية على الجدار؛ دلالة على قدم -وتجدد- سطوتها واستمرارها. أما الأحداث التي كان "بلياردو" محوراً لها، بداية من عثوره على عين عملاقة، ملقاة في أحد شوارع المدينة، وحتى وضعه تلك العين في جدارية على حائط بيته، إضافة إلى حضور شارع "محمد محمود" في منطقة وسط البلد، كان جميعها يحيل إلى العيون التي نالت منها رصاصات القناصة خلال ثورة يناير، وما خلفته من مرارة لا تنفك تتقيأها الذاكرة، على الرغم من مرور الوقت وانقضاء الأعوام.

صبغة تشويقية

عمد الكاتب إلى معادلة كثافة الرمز وشيوع الشفرة داخل النص، بإضفاء صبغة من التشويق، عبر ما استبقه من ألغاز ومشاهد ضبابية، تحمل القارئ على تتبع الأحداث، امتثالاً لغريزة الكشف، والرغبة في استجلاء الأسرار، التي كان إمام يرجئ تفسيرها دوماً، إلى مراحل لاحقة من السرد. فأسباب انفجار الدم من رأس "بلياردو" بعد أن وجه ابنه سبابته نحو رأسه، وانغلاق باب الغاليري خلفه من دون مطارديه، وحقيقة الأقدام العملاقة التي حطمت المدينة، والسماء التي تمطر زجاجاً، وغير ذلك من أحداث تعمد الكاتب الاستباق بها، واستخدمها كفخاخ، أتاحت له إحكام قبضته على القارئ ودفعه إلى التعاطي مع الشفرات والعلامات، التي فتحت باباً على تأويلات لا تنتهي.

اعتمد الكاتب العديد من الثنائيات الكلاسيكية المتقابلة في نسيجه الروائي؛ وتراوحت بين البناء والهدم، الهروب والملاحقة، سلب الحرية ومحاولات اقتناصها. وقد أزكت هذه الثنائيات جذوة الصراع، لكنها على الرغم مما عبرت عنه من تنافر وتضاد؛ أنتجت أنماطاً معادة ومتشابهة من الأحداث، والأزمنة، والأماكن، والشخوص والأخطاء. لتكون الحصيلة النهائية لها تاريخاً معاداً لا ينتج عبر دوراته المتعاقبة إلا نفسه.

واتساقاً مع النسق الدائري للبناء الروائي، اختار الكاتب أن يسطر نهايته داخل المتاهة نفسها، ليعود إلى بداياتها الأولى، لكنه استدرك نهايته الأولى بنهاية ثانية، شارعاً في سرد حكاية جديدة، تبدأ في لحظة أبعد من المستقبل. تتبع الدوائر ذاتها: خداع الزمن، وسطوة "الميسز"، وذاكرتين تنبئان بتجدد الحكايات.

المزيد من ثقافة