Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

عودة إلى "آخر شرائط كراب" مسرحية "العبث" الأكثر ضراوة

بيكيت يصور شرطنا الإنساني في مواجهة الدروب المسدودة والاحتمالات القاتلة

مشهد من تقديم حديث لـ"آخر شرائط كراب" (غيتي)

إذا كان علينا في كل حديث عن تلك الثورة المسرحية التي قلبت فن المسرح معبرة عن أكثر مظاهر الشرط الإنساني سوداوية، أن نعود تحديداً إلى يوم الخامس من يناير (كانون الثاني) 1953، أي ذلك اليوم الذي انطلق فيه صموئيل بيكيت ليحدث تلك الثورة الهائلة في عالم المسرح، مع العرض الأول في مسرح "بابيلون" الباريسي لمسرحيته التي ستصبح فائقة الشهرة وتأسيسية لاحقاً "في انتظار غودو"، لا بد من الإشارة منذ الآن إلى أننا لن نتوقف طويلاً عند ما حدث في ذلك اليوم. فلقد أشبع ذلك "الحدث المسرحي" الكبير بحثاً وتدويناً، ويخيل إلينا أن لا أحد يجهل حقاً أن المسرح في العالم لم يعد معه كما كان سابقاً، بل إن جزءاً أساسياً من حياة الفن والكتابة تبدل. وخلال فترة قصيرة من الزمن صار اسم بيكيت (ومعه غودو) على كل شفة ولسان، وراحت التفسيرات تتوالى توالي نصوص راحت تقدم منتمية إلى نوع جديد من المسرح أطلق عليه اسم "مسرح العبث" أو مسرح "اللا معقول"، مصحوباً بأسماء كتاب آخرين، سيكون من أبرزهم آرثر آداموف (الروسي الأصل) ويوجين يونسكو (الروماني الأصل)، كتبوا في اتجاه بدا هو نفسه، وإن كانت كتابة آداموف بدت أكثر سياسية، وكتابة يونسكو أكثر عبثية وتهكماً وهزلاً، ثم أكثر اشتغالاً على اللغة.

اللجوء الجماعي إلى اللغة الفرنسية

واللافت حقاً هو أن هؤلاء الكتاب الثلاثة، الذين أتوا من آفاق جغرافية ولغوية وثقافية مختلفة، كتبوا بالفرنسية وانطلقوا معاً من باريس. وهم نالوا جميعاً شهرة كبيرة كما نعرف، لكن بيكيت ظل حتى النهاية أشهرهم وكذلك أكثرهم غموضاً وعمقاً... وأقربهم، كما نعرف، إلى سمة ميزت بعض ذلك المسرح: الصمت. ونعرف أن الشهرة، رافقت، في الأقل، مسار صموئيل بيكيت الكتابي حتى رحيله. ومن هنا صارت مسرحياته التي راح يكتبها ببطء، إنما بثقة، علامات في تاريخ المسرح الحديث. ولئن ظلت "في انتظار غودو" الأشهر والأكثر شعبية بين أعمال بيكيت، فإن أعماله التالية كان لها مجدها وسجالاتها ومعجبوها وخصومها. ومن بين هذه الأعمال، تلك المسرحية التي نعود إليها اليوم، والتي لئن بدت سوداوية "أكثر كثيراً مما ينبغي" في رأي نقاد تلك المرحلة، فإنها، ونتحدث هنا عن "آخر شرائط كراب" التي كتبها بيكيت بالإنجليزية ثم ترجمها إلى الفرنسية بنفسه، كانت واحدة من المسرحيات القليلة التي كتبها بيكيت بلغته الأم، ولنبادر إلى القول هنا إننا إذ بتنا اليوم أمام ما آل إليه الشرط الإنساني على مسرح الحياة نفسها ولا سيما في عامي الكورونا الأخيرين، نجدنا أمام فرضية تملي علينا أن "آخر شرائط كراب" تكاد تكون الأكثر واقعية بين نصوص بيكيت جميعاً! وربما بسبب سوداويتها المطلقة تحديداً.

في لندن أولاً

أنجز بيكيت كتابة "آخر شرائط كراب" عام 1958، لتقدم في العام نفسه في عرض أول في لندن، ويعاد تقديمها بالفرنسية، في باريس في العام التالي. وهي مسرحية متوسطة الطول في فصل واحد. هو عبارة عن جلسة "حوار" متواصل بين رجل تحول حيواناً من جهة، وآلة من جهة أخرى. ولا بأس أن نشير منذ البداية هنا إلى أن الحوار حوار مرعب صارخ، مليء بالألم، وذلك لأن بيكيت اختار أن يعبر هنا، عن الغياب التام لأي وجود حي، إلى درجة أن الذين كانوا رأوا اليأس والسوداوية الصارخين يطغيان على ثالث مسرحيات بيكيت "نهاية اللعبة" سيقولون ما إن ينتهي العرض الأول للمسرحية الجديدة، إن "نهاية اللعبة" تبدو متفائلة مقارنة بـ"آخر شرائط كراب". أما بطل المسرحية، وشخصيتها الوحيدة فهو كراب الذي نفهم منذ البداية أنه يعاني قصر النظر. إنه الآن جالس وسط هالة من الضوء تركز عليه، فيما يحيط بالمكان ظلام مطبق أو هذا ما يحسه كراب في الأقل ويبدو مريحاً له. أما كل ما يفعله فإنما الاستماع إلى شريط كان سجله قبل ثلاثين سنة، أي حين كان، كما سنفهم بسرعة، في التاسعة والثلاثين من عمره.

بين العجوز وأناه/الآخر

كراب الآن في التاسعة والستين. وإذا كان الاستماع إلى الشريط يرعبنا كما يرعبه، فإن التناقض لا ينبع من تلك المقارنة التي تبدو حتمية هنا، بين كراب العجوز والآخر: الشاب الذي سجل الشريط. وذلك، بكل بساطة، لأن ليس ثمة أي فارق في المزاج والرؤية بين الاثنين. ومعنى هذا أن لا شيء حدث ولا تبدل طرأ على كراب منذ سجل الشريط. وها هنا يكمن الرعب. إذاً، فإن المأساة التي أراد بيكيت أن يعبر عنها، لا تكمن في أننا نحن الآن ما صرنا عليه تحت وطأة مرور الزمن، بل تكمن في أننا كنا ولا نزال، ونحن الآن، نحن أنفسنا من دون أن يطاولنا أدنى تبديل. ليس السوء في ما أصبحناه، السوء في ما كناه ونبقى عليه دائماً. فكراب، يفعل دائماً ومنذ البداية، الشيء نفسه. إنه يشرب الكحول ويقتات بالموز الذي يرمي قشوره على الجمهور. إضافة إلى أنه، كما يروي لنا، يمضي لياليه دائماً مع بنات الهوى. إذاً، في حياة كراب، ومنذ ذلك الزمن البعيد، لم يتبدل شيء، اللهم إلا الأمل والعقل الواعي اللذان غابا عنه تماماً، ناهيك بتوقه إلى كل ما ليس جسدياً. لم يعد يرغب في أي شيء من هذا. والأدهى أنه بات عليه اليوم، خصوصاً وهو يصغي إلى الشريط الذي سجل بصوته، أن يلجأ إلى القاموس كي يبحث فيه عن معاني الكلمات، الكلمات نفسها التي كان يستخدمها في الماضي. الكلمات التي كان يحسن استخدامها وفهمها وها هي ذي تملأ الشريط. وفي المقابل سنلاحظ بسرعة أيضاً أن ما ازداد لديه الآن، إنما هو انهياره الجسدي. فنظره اليوم صار ضعيفاً، وسمعه ينهار. وها هو ذا يسعل في شكل متواصل، وإن مشى فإنه بالكاد قادر على إكمال خطوات قليلة قبل أن ينهار. في هذا المجال صار كراب شيئاً آخر مختلفاً عما كانه في الماضي. وهو واع تماماً بهذا كله.

اللذة في "بكرة" الشريط

ولكن هل حقاً ليس ثمة ما يلذه الآن؟ بلى، هناك في الأقل كلمة بكرة (في النص الفرنسي الذي هو الأكثر شيوعاً الآن)، التي يقولها بين الحين والآخر متلذذاً، لا سيما حين يمط الحروف فيها، ويسهب لنا، نحن المشاهدين، في شرح مبلغ اللذة التي تثيرها هذه الكلمة لديه. والحال أن هذا ما يشكل جوهر هذه المسرحية، وجوهر "الحوار" الذي يقيمه كراب فيها قبل أن تصل إلى خاتمتها حيث يبقى جالساً في مكانه، جامداً، ينظر بعينيه في ثبات إلى الفراغ الهائل المحيط به، في الوقت الذي تواصل بكرة الشريط الدوران إلى ما لا نهاية، ولكن في صمت هذه المرة، بعد أن انتهى الكلام الذي سجله كراب الشاب. انتهى الكلام، لأن هذا الـ"كراب" الأخير لم يعد لديه، كما هو واضح، أي شيء يقوله. ولكن هل كان لديه حق في ما يقوله حين كان يتكلم؟ بالكاد كانت لديه رسالة ما. وهذا يعني أن صمته وكلامه كانا وجهين لميدالية واحدة.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

عالم الحرب الباردة والخطر النووي

عندما كتب صموئيل بيكيت هذه المسرحية كان تجاوز الخمسين من عمره. فهو الذي ولد سنة 1906، ظهر في عالم الكتابة المسرحية متأخراً، إذ كان في السابعة والأربعين حين انطلق معه مسرح العبث (أو اللا معقول) كالعاصفة في فضاء المسرح والفكر الأوروبيين، طارحاً على عالم ما بعد الحرب العالمية الثانية، وعالم الحرب الباردة والخطر النووي والأسئلة الصعبة، قلقاً بشرياً لم يكن للعالم من عهد به من قبل. ولعل اللافت حقاً، في مسيرة صموئيل بيكيت الكتابية، أنها سرعان ما تبين مدى شبهها العميق بحياة هذا الكاتب، من ناحية طغيان الصمت والألم على حياته ووجوده، الذي ظل باريسياً حتى النهاية (رحل صموئيل بيكيت عن عالمنا سنة 1989)، كما طغى على مسرحياته وعلى رواياته وقصصه، وكذلك على الفيلم السينمائي الوحيد الذي حققه وأعطاه عنواناً مختصراً هو "فيلم"! وهو، للمناسبة فيلم صامت أو بالأحرى يكاد يكون صامتاً لولا كلمة واحدة تنطق في نهايته وينطقها بالتحديد، في لعبة أسلوبية بالغة الدلالة، ممثل الإيماء الصامت الأكبر والأشهر في العالم مارسيل مارسو. ومن أشهر أعمال بيكيت، إلى ما ذكرنا، "يا للأيام السعيدة" و"مسرحية" و"ذهاباً وإياباً" و"كل ما يسقط" و"فصل من دون كلام".

المزيد من ثقافة