Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

ماذا ينتظر الاقتصاد التونسي بعد التصنيف عالي المخاطر؟

محللون يحذرون من تداعيات ستعترض طريق الاقتراض الدولي

أعلنت "موديز" أن تخفيض تصنيف تونس "يأتي تبعاً لضعف الحوكمة وتنامي الشك في قدرة الحكومة" (رويترز)

أعلنت وكالة "موديز" تخفيض التصنيف السيادي لتونس على المدى الطويل بالعملتين الصعبة والمحلية، من "ب 3" إلى "سي أ أ 1"، مع المحافظة على الآفاق السلبية.

وراجعت "موديز" تصنيف البنك المركزي التونسي، المسؤول قانونياً عن الدفوعات المتعلقة بالحكومة، نحو الانخفاض من "ب 3" إلى "سي أ أ 1"، مع المحافظة على آفاق سلبية.

وأعلنت "موديز" أن تخفيض تصنيف تونس "يأتي تبعاً لضعف الحوكمة، وتنامي الشك في قدرة الحكومة على إرساء إجراءات تكفل الاستجابة لحاجيات التمويل المرتفع بعنوان السنوات المقبلة".

وسيكون لهذا التصنيف "الخطير" لتونس تداعيات كبيرة بأنها أصبحت بلداً عالي المخاطر الاقتصادية والمالية، وأنه سيكون من الصعب إن لم يكن من المستحيل الخروج إلى الأسواق المالية الدولية للاقتراض مجدداً، وسيكون الاقتراض باهظاً بنسب فائدة تصل إلى 12 في المئة، وربما أكثر. ما يزيد ارتهان البلاد والأجيال المقبلة.

وتظهر دراسات اقتصادية حديثة أن كل تونسي (حوالى 12 مليون نسمة) مرتهن بالقروض الخارجية بأكثر من ألفي دولار.

يشار إلى أن أحدث تقرير للبنك الدولي، الصادر في 9 أكتوبر (تشرين الأول)، كشف أن ديون تونس الخارجية بلغت في عام 2020، أكثر من 41 مليار دولار مقابل 22.6 مليار دولار سنة 2010.

ويأتي تصنيف "موديز" في وقت بلغت فيه نسبة الانكماش الاقتصادي 8.8 في المئة عام 2020، ونمو سلبي 2 في المئة في الثلاثي الأول من عام 2021، مع ارتفاع غير مسبوق لنسبة الدين الخارجي إلى حدود 110 في المئة من الناتج الداخلي الإجمالي، بينما قفزت نسبة البطالة إلى حدود 17.8 في المئة في الثلاثي الثاني من 2021.

وتحتاج تونس سنة 2021 إلى موارد تناهز 7 مليارات دولار، موزعة بين تمويل خارجي بحوالى 4.8 مليار دولار، وتمويل داخلي من البنوك التونسية بنحو مليار دولار.

نتيجة منتظرة

وفي الواقع، فإن هذا التراجع السلبي في الاقتصاد التونسي كان منتظراً بالنظر إلى الأوضاع السياسية، وخصوصاً الأزمة الاقتصادية والمالية وعلى مستوى التأخر في الإصلاحات المرجوة.

ويتفق متخصصون في الاقتصاد في تونس على أن وكالات التصنيف العالمية لم تظلم تونس وأنها تعاملت بحياد وموضوعية مع الوضعية الاقتصادية والمالية لتونس، على الرغم من انتقادات الرئيس قيس سعيد أداء هذه الوكالات وطريقة تعاملها مع بلاده.

ويؤكد المتخصصون أن تصنيف "موديز"، الذي يضع تونس مع سريلانكا وجزر بارباد والسلفادور، جاء بعد عشر سنوات من تدهور وضع المالية العمومية وتراجع المؤشرات الاقتصادية.

ويتوقع متخصصون في الاقتصاد أن تقوم وكالة "فيتش رايتينغ" قريباً بخطوة مماثلة بخفض التصنيف السيادي لتونس في ضوء حدة الأوضاع المالية والاقتصادية.

وخفضت وكالة التصنيف الائتماني، "فيتش رايتينغ" التصنيف الطويل المدى لإصدار العملة الأجنبية في تونس من "ب" إلى "ب" مع آفاق سلبية في يوليو (تموز) 2021.

ويقر هؤلاء بأن وضعية تونس تعقدت من خلال صعوبة النفاذ إلى التمويلات الدولية، المصدر الرئيس للعملة الأجنبية، والذي يسمح باقتناء المحروقات والحبوب والأدوية وخلاص الديون القديمة.

ويعتبرون أنه أمام انسداد الأفق واستحالة الحصول على التمويل والقروض الخارجية، فإن خلاص تونس في هذا الظرف الدقيق هو استعادة النشاط السياحي، أحد المصادر الثلاثة لتعزيز الاحتياطي من النقد الأجنبي (بعد تحويلات المغتربين وتدفق الاستثمار الخارجي)، فضلاً عن عودة التصدير بأقصى ما يمكن واستعادة قيمة العمل ورجوع آلة الإنتاج لا سيما في قطاع الفوسفات والمناجم المعطل تقريباً.

الأزمة السياسية تلقي بظلالها

ويلفت رضا الشكندالي أستاذ الاقتصاد في الجامعة التونسية أن تخفيض وكالة "موديز" التصنيف السيادي لتونس كان متوقعاً في ظل استمرار الأزمة السياسية وغياب الاستقرار الحكومي لنحو شهرين، والذي انعكس بشكل مباشر على الجوانب المالية والاقتصادية للبلاد.

ويعتقد الشكندالي أن التصنيف الجديد أخذ بعين الاعتبار الوضع السياسي المتأزم، وقد طغى على الجوانب والمبررات الاقتصادية التي ذكرها خلال عملية تخفيض التصنيف.

ويضيف "التصنيف هو تقييم لقدرة البلاد على الوفاء بالتزاماتها الخارجية، بالتالي فإن هذا الالتزام رهين أرضية سياسية مستقرة تعكس نظرة اقتصادية مستقبلية لخلق الثروة وسداد الدين".

ويذكر الشكندالي أن التصنيف الائتماني لتونس تراجع 9 مرات منذ 10 سنوات، محذراً من مغبة نزولها إلى الدرجات الأخيرة العالية المخاطر من التصنيف، في حال لم تقم بالإصلاحات المستعجلة. وهو ما سيحرمها من دخول السوق المالية الدولية واستقطاب الاستثمار الأجنبي.

ويعود التقرير الأخير لوكالة "موديز" الأميركية في فبراير (شباط) 2021 بعد تخفيض تصنيفها الائتماني لتونس من "بي 2" (B2) إلى "بي 3" (B3)، مع نظرة مستقبلية سلبية.

شكوك حول القدرة على سداد الديون

من جانبه، يعتقد المتخصص في الاقتصاد آرام بلحاج أن "موديز" خفضت التصنيف السيادي لتونس من "B3" إلى "caa1" مع الإبقاء على آفاق سلبية يعود إلى ضعف الحوكمة والشكوك الكبيرة في شأن قدرة الحكومة على تنفيذ التدابير التي من شأنها ضمان التمويلات اللازمة، إلى جانب المخاطر الناتجة من الضغوط على السيولة. ما يعني "شكوكاً لا بأس بها في شأن القدرة على سداد الديون".

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

ويضيف بلحاج أن من "أهم أسباب الإبقاء على آفاق سلبية، التأخير الكبير في تنفيذ الإصلاحات الذي من شأنه أن يؤدي إلى تآكل الاحتياطيات من العملات الأجنبية وتفاقم المخاطر على ميزان المدفوعات وإمكانية الذهاب نحو سيناريو إعادة هيكلة ديون القطاع العام التي قد تترتب عنها خسائر لا بأس بها لدائني القطاع الخاص".

ولا يخفي بلحاج تشاؤمه من "تعكر الوضعية المالية لتونس وضيق هامش التحرك لتوفير التمويلات الضرورية لإعداد موازنة العام المقبل".

ويسأل عضو المجلس الوطني للجباية، محمد صالح العياري، هل سيُحدث تصنيف "موديز" الصدمة النفسية المرجوة للتوجه مباشرة ومن دون إضاعة الوقت نحو القيام بالإصلاحات الاقتصادية وتجاوز المناكفات والصراعات السياسية والانصراف إلى العمل واسترجاع آلة الإنتاج؟

وتتلخص أهم الإصلاحات الاقتصادية، وفق العياري، في "إنجاز مراجعة للنظام الضريبي التونسي بإقرار العدالة الضريبية بين المطالبين بالضرائب ومقاومة التهرب الضريبي والإسراع في تحصيل العائدات الجمركية المتخذة".

البنك المركزي يوجه رسالة خطيرة

سبق أن نبه المجلس الأخير لإدارة البنك المركزي التونسي في 7 أكتوبر 2021 إلى خطورة الوضع المالي لتونس، معرباً عن انشغاله العميق في شأن "الشح الحاد في الموارد المالية الخارجية مقابل حاجات مهمة لاستكمال تمويل ميزانية الدولة لسنة 2021". وهو ما يعكس تخوف المقرضين الدوليين في ظل تدهور الترقيم السيادي للبلاد وغياب برنامج جديد مع صندوق النقد الدولي.

وأكد البنك المركزي أن الأمر يستدعي تفعيل التعاون المالي الثنائي خلال الفترة المتبقية من سنة 2021 لتعبئة ما أمكن من الموارد الخارجية، وذلك لتفادي التمويل النقدي للموازنة في هذه الفترة لما يتضمنه من تداعيات لا على مستوى التضخم فحسب بل على الاحتياطي من العملة الأجنبية أيضاً، وعلى إدارة سعر صرف الدينار، إضافة إلى أثره السلبي على علاقة تونس بالمؤسسات المالية المانحة ووكالات التصنيف السيادي.

وعبر المجلس عن عميق انشغاله بالنظر إلى دقة الوضع المالي الحالي، مشدداً على ضرورة التعجيل في إعطاء إشارات واضحة للمستثمرين المحليين والأجانب بخصوص استرجاع نسق النشاط الاقتصادي والتوازنات الكلية والمالية وتعزيز حوكمة القطاع العمومي وتحسين مناخ الأعمال والرفع من المجهود الاستثماري.