Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

لماذا تونس أمام سيناريو مالي مخيف؟

متخصصون في الاقتصاد يحذرون من تداعيات تخفيض التصنيف وإعلان إفلاس الدولة

شواطئ تونسية خالية من السياح في ظل تداعيات كورونا والأزمة الاقتصادية (أ ف ب)

في الوقت الذي تشهد فيه تونس أزمة صحية حادة تتسم بانتشار المتحورة "دلتا" (السلالة الهندية) وارتفاع عدد الإصابات والوفيات بمعدل 180 حالة وفاة يومياً في الأسبوع الأخير، ما وضع تونس في مقدمة الدول في عدد الوفيات، تتلقى البلاد ضربة اقتصادية موجعة جداً.

فقد خفضت وكالة التصنيف الائتماني "فيتش رايتينغ"، الخميس 8 يوليو (تموز) 2021، التصنيف السيادي لتونس إلى مستوى "ب" مع آفاق سلبية.

وأكدت وكالة التصنيف، في بيانها التفسيري، أن خفض التصنيف "يعكس زيادة مخاطر السيولة المالية والخارجية، في ظل تأخر الاتفاق مع صندوق النقد الدولي بخصوص برنامج جديد ضروري لدعم الوصول إلى تمويل الميزانية من معظم المانحين الرسميين"، وشددت الوكالة على أن "المشهد السياسي المجزأ والمعارضة الاجتماعية الراسخة يحدان من قدرة الحكومة على تبني إجراءات ضبط أوضاع مالية قوية، ما يعقّد الجهود لتأمين برنامج صندوق النقد الدولي".

نادي باريس في انتظار تونس

وأثار التصنيف الجديد انتقادات واسعة من المتخصصين في الاقتصاد، متوقفين عند ما ورد في تقرير "فيتش" بأن تونس تنحدر نحو مستويات مخيفة جداً تنبئ بعجزها عن سداد ديونها وتواصل تراجع المؤشرات الاقتصادية.

وانتقد عدد من المتخصصين صمت الحكومة وعجزها عن اتخاذ التدابير والإجراءات الضرورية لإنقاذ ما يمكن إنقاذه من الاقتصاد الوطني.

يشار إلى أن محافظ البنك المركزي التونسي، مروان العباسي، كان قد حذر في 21 مايو (أيار) 2021 أمام البرلمان، من مواصلة تخفيض وكالة "فيتش" تصنيف تونس في حال عدم مبادرة الحكومة إلى إصلاحات اقتصادية سريعة وعاجلة.

وعلى الرغم من أن وكالة "فيتش" تتوقع التوصل إلى اتفاق في شأن برنامج جديد مع صندوق النقد الدولي قبل نهاية 2021، فإنها حذرت من "استمرار المعارضة الاجتماعية القوية للإصلاحات الضريبية وهشاشة الدعم البرلماني للحكومة".

وأبرزت "فيتش" أن "تونس قد تحتاج إلى معالجة نادي باريس"، وهو الإطار المشترك لمعالجة ديون البلدان الفقيرة.

ولفتت إلى أنه "في سيناريو غير إصلاحي، قد يُنظر إلى تونس، في نهاية المطاف، على أنها بحاجة إلى معاملة نادي باريس، قبل أن تكون مؤهلة للحصول على تمويل إضافي من صندوق النقد الدولي، مع ما يترتب عن ذلك من آثار على دائني القطاع الخاص".

ولفتت إلى أنه "في سيناريو غير إصلاحي، قد يُنظر إلى تونس، في نهاية المطاف، على أنها بحاجة إلى معاملة نادي باريس، قبل أن تكون مؤهلة للحصول على تمويل إضافي من صندوق النقد الدولي، مع ما يترتب عن ذلك من آثار على دائني القطاع الخاص".

ووفقاً لوكالة التصنيف، فإن "الوصول المتوقع إلى الأسواق الدولية سيكون معقداً بسبب غياب برنامج صندوق النقد الدولي".

وأشارت إلى "انتهاء آجال السندين المضمونين من الحكومة الأميركية بقيمة 500 مليون دولار لكل منهما في أواخر شهر يوليو وأوائل أغسطس (آب) 2021، غير أن هناك ضماناً أميركياً جديداً للإصدارات الدولية قيد المناقشة، ولكن في رأينا أنه من غير المرجح أن يتم طرحها قبل الثلاثي الرابع من 2021 ويمكن ربطها بنجاح مع المفاوضات مع صندوق النقد الدولي".

عجز الحساب الجاري

وقدّرت "فيتش" أن عجز الحساب الجاري التونسي سيتسع في 2021 ليبلغ قرابة ثمانية في المئة من الناتج المحلي الإجمالي، وسيظل عند هذا المستوى على المدى المتوسط ​​مقابل 6.8 في المئة سنة 2020، مضيفة، "لقد زادت التحويلات المالية للعمال التونسيين في الخارج في سنة 2020، وستبقى كذلك وهي مصدر مهم للاحتياطي من العملة الأجنبية"، وتوقعت أن يقترب ميزان الخدمات من الصفر في 2021، إذ إن الموجة الحالية من الإصابات بجائحة "كوفيد-19" تحد من السياحة الدولية خلال موسم الذروة.

وتوقعت الوكالة أن يرتفع صافي الدين الخارجي إلى 83 في المئة من الناتج المحلي الإجمالي في سنة 2023 مقابل 77 في المئة سنة 2021، مدفوعاً باستئناف الاقتراض العام الخارجي، وأشارت "فيتش" إلى احتمال نمو الاقتصاد التونسي بنسبة 3.4 في المئة في 2021 بعد تسجيله نسبة نمو سلبية في حدود 8.8 في المئة في 2020.

يشار إلى أن وكالة "فيتش" راجعت توقعاتها لتونس من "مستقرة" إلى "سلبية" في نوفمبر (تشرين الثاني) 2020، مع تأكيد التصنيف الائتماني الطويل المدى لإصدار العملة الأجنبية عند "ب".

مشهد سياسي مجزأ

ويرى رضا الشكندالي، أستاذ الاقتصاد في الجامعة التونسية، أن من بين أسباب هذا التخفيض المشهد السياسي المجزأ وقوة المعارضة البرلمانية، التي تستند إلى الجانب الاجتماعي لرفض أي برنامج اتفاق مع صندوق النقد الدولي، وهو ما يحد من قدرة الحكومة على سنّ إصلاحات قوية لضبط أوضاع المالية العامة، ما يجعل من الجهود المبذولة لتطبيق برنامج الإصلاح لصندوق النقد الدولي غير ذي فائدة.

ويعتقد أن تونس مقبلة على سداد مبالغ عالية من الديون مقارنة بالموارد المحدودة، إذ ستمثل هذه المبالغ ما بين 7.3 و9.2 في المئة من الناتج المحلي الإجمالي خلال الفترة 2021-2023، بما في ذلك سداد الديون الخارجية وهي ما بين 3.2 و5.1 في المئة، مضيفاً أنه وفي حال عدم وجود إصلاحات قوية للمالية العمومية، قد تلجأ تونس إلى طلب إعادة هيكلة الديون على الرغم من تصريح الحكومة بأنها لا تفكر في إعادة هيكلة الديون وأن تونس لم تشارك في مفاوضات "نادي باريس".

ويشير الشكندالي إلى أن الوكالة ذكرت في فبراير (شباط) 2021، أن ديون تونس "ستصبح غير مستدامة ما لم يتم اعتماد برنامج إصلاح قوي ومصحوب بدعم واسع". وفي سيناريو عدم الإصلاح، قد يُنظر إلى تونس على أنها تحتاج إلى الانضمام إلى "نادي باريس"، وهو ما يصعب عليها الحصول على تمويل إضافي من صندوق النقد الدولي، ويترتب عن ذلك تداعيات سيئة على دائني القطاع الخاص.

ويتابع، "من مآخذ الوكالة على تونس أنها لجأت إلى التمويل النقدي المباشر من البنك المركزي للمرة الأولى العام الماضي، على الرغم من اعتراضات البنك المركزي، وهو ما يعكس التوترات على المستوى التنموي".

التصنيف المقبل أكثر خطورة

ويعتبر الشكندالي أن "فيتش" تطرقت في تقريرها الأخير عن "نادي باريس" إلى الدول التي تعرف صعوبات في سداد ديونها الخارجية، مشدداً على أن هذه النقطة تعد رسالة واضحة للحكومة التونسية عن التصنيف المقبل الذي قد ينزل بتونس إلى مستوى "س"، أي شبه حالة إفلاس البلاد، الأمر الذي وصلت إليه اليونان في السنوات الماضية.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

ويقول إن الحل بالنسبة إلى تونس يكمن في الوصول وفي أسرع وقت ممكن إلى اتفاق مع صندوق النقد الدولي للحصول على الضوء الأخضر لبقية المانحين الدوليين، غير أنه استدرك بأن وكالة "فيتش" تحدثت في تقريرها عن المعارضة القوية في البرلمان التونسي التي قد تمنع تمرير الإصلاحات التي يطالب بها صندوق النقد الدولي.

ويحذر من إمكانية وصول تونس إلى مرحلة عدم سداد ديونها الخارجية بالعملة الصعبة في ظل التعطل الذي أصاب أهم رافعات الاقتصاد التونسي، ولا سيما السياحة وإنتاج الفوسفات، وتواضع صادرات زيت الزيتون، وهي القطاعات التي تدر العملة الأجنبية.

ويستنتج الشكندالي من أن التخفيض الأخير للتصنيف السيادي لتونس يزيد تعقد وضعية خروج تونس إلى الأسواق المالية الدولية، ما يضيّق عليها الخناق في الحصول على الموارد المالية الضرورية لمواصلة تعبئة موازنة العام الحالي.

تخفيض منتظر بسبب المناكفات السياسية

ويذكر معز الجودي، رئيس الجمعية التونسية للحوكمة، أن "تخفيض فيتش لتونس كان منتظراً من منطلق أن الوضعية الاقتصادية لتونس لم تتحسن بدليل تحقيق مؤشرات سلبية على مستوى نسبة النمو (انكماش بـ 3 في المئة في الربع الأول من العام الحالي)، وتواصل تحقيق عجز الميزانية إلى جانب بلوغ مستويات كبيرة من الاقتراض الخارجي. ما يهدد وفق اعتقاده قدرة البلاد على سداد هذه القروض وبالعملات الأجنبية".

ويضيف أن "وكالة فيتش خفضت من التصنيف السيادي لتونس إلى مستوى "ب" مع آفاق سلبية، وهو التصنيف الذي كانت قد قامت به وكالة "موديز" في مطلع العام الحالي"، لافتاً إلى أنه بعد ثلاثة أو أربعة أشهر، وفي حال عدم الإسراع بالوصول إلى اتفاق مع صندوق النقد الدولي، هناك إمكانية كبيرة لتخفض الوكالتان تصنيف تونس إلى مستوى "س"، وهو المستوى الأخير في التوجه نحو إعلان الإفلاس ودق أبواب نادي باريس.

ويشدد الجودي على أن "تدهور الوضع الوبائي والأزمة السياسية الخانقة، خصوصاً عدم تحسن المؤشرات الاقتصادية الكلية، أمور تجعل تونس في حالة صعبة تحتاج إلى معجزة اقتصادية في ظرف وجيز للخروج من أزمتها".

خبر سيئ

وقد وصف محافظ البنك المركزي التونسي، مروان العباسي، تصنيف "فيتش" تونس بـ "الخبر السيئ جداً لتونس"، ويعود إلى عدم الاستقرار السياسي في البلاد، ودعا في تصريح إعلامي الحكومة إلى الإسراع لسنّ إصلاحات قوية تهم الدعم وكتلة الأجور، معتبراً أن الوضعية الاقتصادية اليوم حرجة "لكنها ليست مستحيلة"، لافتاً إلى ضرورة إقرار "هدنة سياسية واجتماعية" والمضي في التوافق حول الإصلاحات الاقتصادية.

وخلص العباسي إلى أن "لا وضوح في الرؤية الاقتصادية ولا ميزانية واضحة ولا يوجد قانون مالية تكميلي واضح"، مؤكداً أن التوافق بين كل الأطراف سيمكّن من إنقاذ تونس من أزمتها الاقتصادية.

اقرأ المزيد