Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

كاميرا محمد ملص تدخل محترف يوسف عبدلكي لتروي مساره التشكيلي

"يوسف" فيلم وثائقي ينتظر قليلاً من الدعم لتكتمل تجربة مشتركة بين مبدعين سوريين

محمد ملص ويوسف عبدلكي في المحترف (اندبندنت عربية)

لم يستكن محمد ملص (1945) لليأس بعد رفض اللجنة الفكرية في مؤسسة السينما سيناريو فيلمه الجديد، فالمخرج السوري الذي أطلق عام 1972 مشروع السينما البديلة في بلاده مع رفيقي دربه عمر أميرلاي ونبيل المالح، توقف تعاونه مع المؤسسة منذ تحقيق فيلمه "الليل" عام 1992، ليرفع بعدها شعار "السينما المستقلة" مدافعاً منذ سنوات طويلة عن ذائقة سينمائية خاصة، يقول "إنها بعيدة كل البعد عن ذهنية الرقابة في سينما القطاع العام، والتي تجيز أفلاماً وفقاً لذائقتها الخاصة".

زرت موقع التصوير في حارة الورد بحي عين الكرش الدمشقي، وهناك طالعني المخرج المخضرم مع فريق عمل فيلمه، في محترف الرسام يوسف عبدلكي. المفاجأة كانت ما أخبرنا به صاحب "أحلام المدينة" قائلاً، "نعمل على فيلم من دون جهة إنتاج، ومن دون أي دعم يذكر. صديقي مدير التصوير وائل عز الدين قدم لنا المعدات التقنية، وبعض الدعم المالي، فيما قدم المخرج جود سعيد الكاميرا التي نصور بها، ولولا هذه المساندة من هذين الصديقين لما رأيتنا هنا اليوم. فبعد عشر سنوات من تحقيق فيلمي الروائي الطويل "سلم إلى دمشق" (إنتاج فرنسي - لبناني) ضاقت بنا السبل، وتعثرت مشاريع عديدة كنت أحلم بتحقيقها، وأخيراً نحن هنا في مرسم يوسف عبدلكي، المكان الوحيد الذي سنحقق فيه فيلماً وثائقياً طويلاً عنه".

صداقة عمر

ولكن لماذا يوسف عبدلكي؟ نسأل محمد ملص، ويجيب، " تجمعني بيوسف صداقة قديمة منذ ثلاثين عاماً، وأكثر، ولم يخطر ببالي يوماً أن أحقق فيلماً عنه، لكن بعد تعرضه أخيراً لأزمة صحية عنيفة نتيجة إصابته بفيروس كورونا، ونتيجة خصوصية – وفرادة- تجربة عبدلكي عن سائر الرسامين في المحترف السوري المعاصر، فكرت بتحقيق وثائقي عنه، وهو يتضمن مراحل عديدة من حياته، أولها الفترة التي أقامها في منفاه بباريس، وعمله على رسم الأشخاص، ومن ثم فترة مجازر سبتمبر (أيلول) الأسود، وتصفية أعضاء الجماعة الشيوعية العربية، وثانيها فترة عمل الرسام على الطبيعة الصامتة، وثالثها العودة إلى الوطن الأم عام 2005 والاعتقال ورسم لوحات عن شهداء، بل وأمهات شهداء الانتفاضة السورية، وصولاً إلى معرضه الأخير عام 2016، واشتغاله على الموديل العاري".

يقدر صاحب فيلم "باب المقام" مدة الوثائقي الجديد بـ52 دقيقة، لكنه لا يملك تخمين فترة لاستكمال العمليات الفنية، إذ إن مساعدة الأصدقاء له في الفيلم لا تشمل أجور العاملين فيه، ولا تمويل عمليات الميكساج والمونتاج، وتصحيح الألوان، وهذا ما يجعل فيلم "يوسف" يواجه العديد من المصاعب المحتملة. وعن هذا الأمر يخبرنا ملص، "يوسف عبدلكي شخصية لا تحتاج إلى تعريف، لقد أمضى هذا الفنان نصف عمره في الرسم، وله شهرة طيبة على المستوى العربي والدولي، لكن هذا لا يشفع لنا، ولم يحفز أصحاب الأموال على تقديم الدعم أو الإنتاج لهذا المشروع. ولهذا أترك توقيت عرض الفيلم مفتوحاً، ومتاحاً لأي جهة أو قناة تلفزيونية لفرصة العرض الحصري والأول، إذا ما ساهمت في تمويل بقية مراحل إنتاج الفيلم".

شريط وثائقي طويل

بدأ ملص التحضيرات لفيلمه منذ أواخر عام 2020 إلى أوائل عام 2021، وهي الفترة التي جمعته بلقاءات ونقاشات مع يوسف عبدلكي، وتدوين العديد من الملاحظات والأفكار حول إنجاز الشريط الوثائقي الطويل، ما ساهم في ما بعد في كتابة مخطط سيناريو لتصوير الفيلم كاملاً في مرسم الفنان السوري، إضافةً إلى تصوير مادة أرشيفية ضخمة لأعمال يوسف عبدلكي، وتشمل لوحات ومنحوتات وصوراً ومشاريع لأعمال حققها الرسام السوري على مدى قرابة نصف قرن داخل سوريا وخارجها. ويقول يوسف عبدلكي (1951)، "جمعتني بمحمد ملص صداقة امتدت لعقود طويلة، وهنا لا أجد مشكلة أو إرباكاً في الوقوف أمام كاميرا صديقي القديم، فلقد خضت هذه التجربة أكثر من مرة، وحقق الكثيرون عني أفلاماً وثائقية، كان منها فيلم "فحم أبيض" مع المخرج الناشط عامر مطر، لكن ما يميز تجربتي الراهنة هي خلاصة أحاديثنا ونقاشاتنا المشتركة، والتي يعرفها محمد ملص عن قرب، وواكبها عن كثب منذ تخرجي في كلية الفنون الجميلة عام 1976، حتى عام 1980 حين ذهبت إلى باريس، وهناك للمرة الأولى تعرفت على الأعمال الأصلية للفنانين الكبار الذين طالما رأيت أعمالهم مطبوعةً في الكتب. وهناك أيضاً عرفت كيف يموضع هذا طبقات اللون بعضها فوق بعض للوصول إلى الرهافة التي ينشدها، وكيف بلمستين يعطينا الآخر ذاك الإحساس المدهش بالعاطفة الفياضة".

وعن تجربته في المنفى يقول عبدلكي، "ما تعلمته في باريس لم يكن في معهد الفنون الجميلة (البوزار)، ولا في الكتب، بل كان في المتاحف وصالات العرض، لكن باريس أيضاً وضعتني أمام أسئلة مقلقة عن عملي وعن هويتي. وليس مصادفة أنني في السنوات الأولى رسمت مجموعةً من قطع الحفر فيها تزاوج بين المنظور الغربي والمنظور الشرقي، بين طرق التكوين في اللوحة الأوروبية والتكوينات الساكنة في الكثير من المنمنمات العربية الإسلامية. ربما يعود ذلك لاعتقادي أن أوروبا جزء منا، وأن حضارتنا جزء منها. كانت فكرة التزاوج ضد التغريب، وكذلك ضد الهوية الضيقة والتمترس خلفها، فباريس مدينة تطرح عليك الأسئلة من جديد: من أنت؟ ماذا تفعل؟ أين أنت؟ ثم إنها وبدفعة واحدة تضعك أمام تحدٍ جبار هو مواجهة 500 سنة من الفن والفن الحديث والمعاصر، غير أنها أيضاً تفتح لك الأبواب لتعمل وتجتهد وتحاول اجتراح الإجابات".

العودة إلى دمشق

العودة إلى مرسم ساروجة في دمشق استغرقت فترة طويلة من إقامة يوسف عبدلكي في العاصمة الفرنسية. فقد بقي في عاصمة النور أربعة وعشرين عاماً مجبراً لأسباب سياسية، وعن هذا يقول، "أغلب أصدقائي ورفاقي الشيوعيين اعتقلوا، وقضوا في المعتقلات سنين طويلة وصل بعضها إلى 17 عاماً، لا لشيء إلا لأنهم جاهروا بأفكارهم المخالفة لأفكار السلطة. لم يكن بحوزتهم لا دبابات ولا طائرات. الشيء الوحيد الذي كانوا يملكونه الكلمات والأحلام. أربع وعشرون سنة وأنا أحلم بالعودة إلى دمشق، ثم قررت في منتصف عام 2005 أن أعود دون أي اتفاق مع أي جهة سياسية أو أمنية. أصدقائي اعتبروا ذلك وقتها جنوناً. وزيادة في الجنون نشرت لي جريدة لندنية مقابلة يوم عودتي في 19/4/2005 لا أخفي فيها شيئاً من آرائي المعارضة لنظام الحكم. كنت أتوقع الاعتقال في المطار. لم يحدث ذلك، ولم يحدث في الأيام والأشهر اللاحقة. لا أعرف لليوم من أين جاءت الحكمة لرجال الأمن وقتذاك! فور عودتي رحت أبحث عن مكان في دمشق القديمة ليكون مرسماً لي، وهو المكان الذي نقف فيه حالياً".

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

يغسل يوسف بعض الفاكهة لكادر الفيلم، ومن ثم يعد إبريقاً من الشاي، ويصب لزواره الذين ينتظرونه كي ينهي طقسه اليومي في وفادتهم، من أجل استكمال العمل. مدير التصوير الفنان وائل عز الدين يوضح عن هذه التجربة التي يخوضها لأول مرة مع المخرج محمد ملص، ويقول، "الدعم والمعدات التي وفرتها لفيلم "يوسف" هي جزء من رسالتي وقناعاتي الراسخة إزاء من تعلمت منهم فن السينما، فأحببته وعشقته، وأبرزهم عمر أميرلاي وأسامة محمد ونبيل المالح، وطبعاً محمد ملص الذي شعرت بأنه لا يصح ولا يجوز أن تبقى مشاريعه السينمائية طي الأدراج. ولهذا بادرت مع المخرج الصديق جود سعيد إلى تقديم كل ما في استطاعتنا تقديمه لتدور كاميرا هذا المعلم الكبير. ومما زاد حماستنا هو ذلك الأسلوب الفريد لدى المخرج محمد ملص، وتلك المسحة الأدبية العالية لديه في إدارة الكاميرا، وتأطير حزم الضوء والظلال ضمن الكادر، والتي أعمل عليها بأناة، وصولاً إلى مادة سينمائية راقية تليق بسمعة كل من المخرج المخضرم والرسام الألمعي".

المزيد من ثقافة