Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

"سوق البالة" في لبنان للغني والفقير

شبان يشترونها ويعيدون تجديدها لتسويقها عبر الإنترنت

محل لبيع الملابس المستعملة شمال لبنان (اندبندنت عربية)

وجوهٌ جديدة تستقبلها سوق "البالة" في لبنان، فمنهم من يسعى لسلعة رخيصة، في حين يبحث آخرون عن "ماركات عالمية" بميزانية تتوافق مع مداخيلهم التي أطاحها تحليق سعر صرف الدولار، إلى جانب المبتكرين والفنانين الذين يحتاجون إلى أقمشة راقية بأسعار زهيدة، ولكن الجديد هو هؤلاء الشبان الذين يجولون بين المحلات سعياً عن قطع يمكن تسويقها عبر مواقع التواصل الاجتماعي واستقطاب الفئات الشابة. هذا الأمر يخرج "البالة" من دائرة الصورة النمطية كـ"سلعة للفقراء" لينقلها إلى العالم الافتراضي باعتبارها وجهة للتجديد والتكيّف مع الواقع، حيث تبرز أهمية الإبداع في أزمنة الأزمات. 

منصات شبابية

لم يعد "إنستغرام" مجرد منصة للترفيه والاستعراض للشاب محمد هدى، وإنما وسيلة لكسب بعض المال والتأسيس لتجارة مربحة على غرار كثير من الشبان. لا يقدم محمد عبر صفحته الفيديوهات المضحكة أو النكات، وإنما يعرض قطع ملابس وأحذية لماركات عالمية وبأسعار مقبولة، هذه القطع هي حصيلة جولات الشاب العشريني على محلات الملابس الأوروبية المستعملة، حيث يمشي أحياناً كيلومترات عديدة، وهو ينتقل من مكان إلى آخر بغية الحصول على "قطع مرتبة وتبدو كالجديدة". 

جاءت الفكرة لهذا الشاب بعد تخرجه في الثانوية، فأسواق العمل موصدة في وجه الشباب اللبناني، وكذلك الأمر بالنسبة للجامعات، حيث إن "التعليم أونلاين منخفض المردود". وانطلاقاً من أن "الحاجة هي أم كل اختراع"، تطلع محمد لإدماج السلوك اليومي للجلوس مطولاً أمام شاشة الهاتف الذكي بالسعي لجني بعض المال، فأعد العدة للاستجابة للرغبة الواضحة لدى الشبان الصغار بالحصول على ملابس وأحذية أنيقة، في مقابل أن تكون بأسعار معقولة. فقد تسبب ارتفاع سعر صرف الدولار بارتفاع كبير في أسعار الملابس، وتحديداً تلك ذات المنشأ الأجنبي، لذلك كان لا بد من البحث عن البديل في سوق المستعمل.
يشير محمد إلى أن رحلته تبدأ بالبحث عن القطع الممتازة، ويقوم بدفع ثمنها من دون تردد لأنه يعتقد أن لها زبائن مستعدة لشرائها بثمن أعلى. بعد ذلك، يقوم بتصنيف القطع، فيجد أن البعض يحتاج فقط إلى تنظيف أو طلاء، وأخرى تحتاج إلى صلاح بعض الجوانب منها. من ثم ينتقل إلى المرحلة الثانية من خلال تصويرها من وجوه عديدة، وزوايا فنية، وصولاً إلى عرضها عبر صفحة خاصة على موقع "إنستغرام"، وتطبيق "واتساب".

يتجاوب الكثير من الزبائن مع عروض الصفحة، إلى أن يأتي الشاري. ويتم تحديد الأسعار وفق الحالة التي عليها القطعة، وماركتها، ويتعهد محمد بتوصيلها إلى الزبون عبر خدمة التوصيل إلى كافة المناطق اللبنانية. 

يؤكد الشاب أن هذه التجارة لا تُدر الدخل الهائل عليه، وإنما يؤمّن الحد الأدنى من الدخل لشاب في مقتبل العمر، ضاقت به الأحوال. وهذه التجربة تفتح الباب أمام قدرة الشباب على خلق حلول صغيرة لمشاكل كبيرة تعترض طريقهم في ظل مستويات قياسية من الفقر والبطالة. يشير محمد إلى أنه كان من "الشباب المتفوقين في الدراسة، إلا أن العائق المادي حال دون متابعة تحصيله العلمي العالي"، كما أن هذا العمل على الرغم من تواضعه يؤمن له الاستقلالية في حياته، و"ألا يكون موظفاً خاضعاً لرب العمل". ويطمح محمد لتحقيق أحلامه في عالم الأزياء والانتقال من صفحة لتسويق المنتجات عبر مواقع التواصل الاجتماعي إلى "تأسيس متجر رقمي على نطاق واسع"، يدمج من خلاله مواهبه المتعددة وخبراته المتزايدة في التسويق والتجارة عبر الإنترنت.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

"البالة" لكل الناس

اتسعت الشريحة التي تزور أسواق الملابس المستعملة، يقول سامر كريم (تاجر)، "أصبحنا نرى في هذه السوق وجوهاً لم نكن نألفها من قبل". ويعتبر ذلك مؤشراً على الحالة الاقتصادية المتردية، ونتيجة أكيدة للانهيار المالي. ففي السابق، كانت الطبقة الوسطى تتجه لشراء الملابس الجديدة من المتاجر الكبرى التي تستورد الملابس الصينية والتركية، فالقطعة التي كان ثمنها 20 دولاراً كانت تساوي 30 ألف ليرة لبنانية على سعر الصرف الرسمي 1500 ليرة لبنانية. أما اليوم، فقد تضاعفت أسعار الملابس الجديدة 10 أضعاف، وأصبح مبلغ الـ20 دولاراً يقارب نحو نصف الحد الأدنى الرسمي للأجور. 

يعمل سامر كريم منذ 40 عاماً، شهدت على حقبات تاريخية مختلفة عاشها لبنان، يقول إن الفترة التي تعيشها البلاد من الأسوأ في التاريخ إلى جانب الحروب المتعاقبة، حيث يجد التاجر نفسه مضطراً لإعادة تأسيس نفسه بصورة متكررة بسبب حالات الإفلاس. يصف الوضع بالسيئ في ظل ارتفاع سعر صرف الدولار، ويشير إلى تأثير هذا الارتفاع على سلوكيات الناس التي لم يعد بإمكانها شراء الجديد. فقد أصبحت "تستقطب كل فرد يتقاضى أجره بالليرة اللبنانية من موظفي الدولة، إلى مستخدمي البنوك والمعلمين، وغيرهم".  

الملابس تحت رحمة الدولار

ويتحدث كريم عن تأثير صعود وانخفاض الدولار على هذه التجارة، ويوضح أن "البالة لم تعد للطبقة الفقيرة، وإنما للباحثين عن التوفير"، وبدأ يستقطب "الطبقة الجديدة على السوق"، على سبيل المثال "كان يبيع القطعة بألفي ليرة، أي نحو الدولار ونصف الدولار، أما الآن فأصبح هذا المبلغ بأضعاف مضاعفة، ولم يعد من القدرة لمحدودي الدخل على شراء كميات كبيرة".

يجزم كريم أن تأثير الدولار يعتبر أمراً واقعاً على التاجر الذي عليه تأمين العملة الصعبة من أجل استيراد البضاعة من خارج لبنان، وهم بحاجة إلى "الدولار الفريش"، لأن دولار استيراد هذه السلع غير مدعوم. ويلفت إلى صعوبة تأمين الدولار النقدي، ففي السابق كان يتم تحويل الدولار عبر البنوك أو البوليصة لدفع ثمن البضاعة في أوروبا، أما الآن فأصبح هذا الأمر متعذراً.

يلاحظ كريم تفاوت السلوك بين طبقات المجتمع في الإقبال على شراء الملابس وأعداد القطع، فالبعض يبحث عن الماركات، فيما يهتم كثيرون بالقطعة التي تلائم سوق العمل كالحداد والدهان والبناء الذين يفضلون القطع الرخيصة، و"المهم ألا يكون البنطال أو السروال ممزقاً لأنهم يغيرونه بصورة دورية". 

وينوه بظاهرة الشباب والمراهقين الذين يبحثون عن القطع المميزة من أجل شرائها وتسويقها عبر الإنترنت، وتتم مسايرة هؤلاء لمساعدتهم في الانطلاقة، "لأنه لا يوجد وظائف، ويحاولون تأمين بعض الدخل اليومي". كما تأثرت التجارة بفعل انقطاع المحروقات التي تؤدي إلى تراجع الأعداد المقبلة من المناطق البعيدة والضواحي البعيدة. 

مصادر متنوعة

يشير كريم إلى أنه يستورد الملابس المستعملة من أوروبا، والمناطق الحرة، وتركيا. ويتم تصنيفها إلى درجات ومستويات، نخب أول، وثانٍ، وثالث. وتكون نسبة النخب الأول ضئيلة، ففي الحاوية المؤلفة من 25 طناً، تبلغ النسبة شبه الجديدة نحو الطن الواحد أو الطنين. ويتم تصنيف هذه البضاعة لدى الشركات المصدرة في الخارج وفرز الصيفي عن الشتوي، ولذلك تتفاوت الأسعار حسب النوعية والجودة.   

في داخل السوق، تتنوع البضائع، حيث توجد البدلات الرسمية وملابس السهرة الفاخرة، إلى الملابس الرياضية، وكافة أنواع الأحذية. كما يتسع نطاقها ليشمل البياضات المنزلية، الأغطية الشتوية، والمفروشات المنزلية. ولا يخلو الأمر من وجود الألعاب، والكتب، والألبسة الخاصة بالطواقم الطبية والإطفاء، وأحياناً الحقائب المدرسية، والكتب الأجنبية وقصص الأطفال المصورة.

فقد أدت الأزمة الاقتصادية التي يشهدها لبنان إلى تغيير النظرة لسوق "البالة" أو محلات الألبسة الأوروبية المستعملة التي تنتشر في مختلف المناطق، فقد قادت الحاجة المتزايدة إلى التأسيس للمصالحة فيما بين هؤلاء الناس وهذه السوق، حيث يتحد المكان، وتختلف المقاصد.

المزيد من تقارير