Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

نقص المواد الأولية في لبنان ينتج حلولا بيئية بلمسة أنثوية

بعضها تحتاج إليه الصناعة وبعضها الآخر ينتمي إلى الفن والتجديد الثقافي

تأتي المبادرات الفردية في ظل غياب المبادرات الرسمية (اندبندنت عربية)

فتحت أزمة الاستيراد في لبنان الباب واسعاً أمام "الحلول الصديقة للبيئة"، وكان لافتاً بروز مجموعة من المبادرات الخضراء بلمسة أنثوية. جاء بعض الحلول استجابة لحاجة طارئة، ألا وهي نقص المواد الأولية التي تحتاج إليها الصناعة، فيما لبست أخرى لبوس الفن والتجديد الثقافي. وفي سائر الأحوال، تطرح المبادرات تلك تساؤلاً عن الدور الذي يمكن أن يلعبه الأفراد في ظل غياب شبه تام للمبادرات الرسمية، وتشكل تحدياً لمدى تجاوب المواطن مع عمليات "إعادة التدوير" المدفوعة ببدل مالي للتشجيع على جمع العبوات المستعملة.

الحقيبة الصديقة للبيئة

تعد الأكياس البلاستيكية أحد أكثر العناصر الملوثة للبيئة، وتدخل ضمن العناصر التي تزيد العبء والكلفة على التجار في الأسواق اللبنانية. أمام هذا الواقع، فطنت الشابة ملاك سلطان التركاوي إلى أهمية العودة إلى استعمال أكياس القماش، ولذلك أطلقت مشروع Brio Bags. وقد شكل "موت عدد كبير من الحيوانات البحرية بصورة يومية جراء التلوث البلاستيكي في البحر" الدافع الأساسي لإبصار فكرتها النور. لذلك، تحاول ملاك الحد من هذه المشكلة من خلال تأمين بديل "مصنوع من قماش طبيعي بالكامل"، ويمتاز بأنه قابل للتحلل وإعادة التدوير، بالإضافة إلى عدم الإضرار بالمخلوقات البحرية.

في سبيل تجهيز البديل، جهدت ملاك للوصول إلى النموذج المثالي، وضعت 20 نموذجاً، وبعد أشهر من البحث توصلت إلى أن الأفضل هو "التركيز على الأكياس الشخصية، وأن تكون قابلة للطي"، و"توضع في الشنطة لأن أغلبية الناس تنسى الأكياس عند الخروج إلى مراكز التسوق".

وتشدد ملاك على الطابع العملي لحقائب التسوق "مصنوعة من نوعية قماش مريحة، مرنة، وتناسب قصتها الانسيابية جسم الإنسان". وتشير ملاك إلى مميزات هذه الحقائب، فهي تلبي احتياجات المستهلكين من خلال تصميم الشنطة ومناسبتها لمختلف الرحلات من تسوق وحتى للأغراض اليومية. وتقسم Brio Bags إلى ثلاثة أقسام من الداخل وهي مخصصة للخضار والفاكهة، لأن "بالعادة معظم المجتمع العربي يشتري الفاكهة بكميات كبيرة"، ولذلك تساعد الشنطة على تقليل أعداد الأكياس التي يحملها الأفراد.

انطلق مشروع ملاك في يناير (كانون الثاني) 2021، فيما كانت على موعد مع بدء الإنتاج في شهر يونيو (حزيران) من العام السابق. وقدمت ثلاثة تصاميم، وبالتأكيد كانت الكمية محدودة نسبياً لاختبار السوق ومعرفة الآراء. حظيت ملاك بتشجيع ودعم من المحيطين، خصوصاً أولئك المهتمين بقضايا البيئة.

توسّع المشروع ليأخذ طابعاً جمالياً وفنياً، إذ تعاونت مع المصمم يوسف التكريتي الذي قدّم هوية جديدة لـBrio Bags، واكتشف القائمون على المشروع أن اللمسة الإبداعية تشجع بصورة أكبر على اقتناء هذه الشنط. وقدّم التكريتي تصاميم تشكل انعكاساً للبيئة الطرابلسية وثقافتها، فكان "تصميم المروكبي الذي يستوحي الليمون الأصفر، الحامض باللهجة المحكية الطرابلسية"، أحد أكثر التصاميم جاذبية. ويؤكد التكريتي أنه أراد من خلال تصاميمه "عكس التاريخ المنسي للمدينة، وجعلها تصاميم معاصرة من ناحية الخط والشكل والألوان".

ويعتبر التكريتي أنه يقدم عصارة جهوده وتحصيله العلمي، منذ امتلاكه الدفتر الأول للرسم في سن الثانية من عمره، حتى تأسيس مجموعة للرسم وورشة العمل "تعا نكتب" مع الكاتب صهيب أيوب. ويؤكد أنه "مع مبادرة Brio Bags يقدّم حقائب صديقة للبيئة تحمل طابعاً من حيث الألوان وصيحات موضة ما يسمى StreetWear مضافاً إليها ثقافة طرابلسية محكية".

امرأة غينيس البيئية

منذ سنوات، تراكم الناشطة كارولين شبطيني الإنجازات في عالم "صناعة المجسمات من خلال إعادة استخدام العبوات البلاستيكية المستعملة". فقد أطلقت ابنة بلدة مزيارة - شمال لبنان أولى مبادراتها في عام 2019 من خلال هاشتاغ "جمعوها وما تكبوها"، طالبةً من متابعيها تجميع عبوات الماء البلاستيكية. وصنعت كارولين أكبر شجرة عيد ميلاد على مستوى العالم، متفوقةً على المكسيك كأكبر مجسّم من 140 ألف عبوة بلاستيكية. شكل ديسمبر (كانون الأول) 2019 نقطة الانطلاق، وتلتها مبادرات جديدة.

تؤكد كارولين أن الظروف التي عاشها لبنان، من وضع أمني واقتصادي، معطوفاً على كورونا، حدّت من الاندفاعة بصورة محدودة لأنها عاودت نشاطها. وصنعت كارولين أكبر هلال في العالم خلال شهر رمضان في مايو (أيار) 2020، لتأكيد وحدة الهوية والنسيج اللبناني المتعدد ثقافياً.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

تتحدث كارولين عن مبادرات ذاتية من دون "رعاية" أو دعم مادي. فهي "بنت أكبر هلال من مليون غطاء لعبوات ماء بلاستيكية، ودون شراء مادة السيليكون حتى"، وشكّل ذلك تحدياً لذاتها. أثبتت كارولين قوة إرادة المرأة اللبنانية، لذلك انتقلت إلى إقامة "العلم اللبناني". وأضافت إلى إنجازاتها أكبر علم دولة في العالم، مصنّع من مواد يعاد تدويرها، مسجلةّ رقماً قياسياً جديداً لدى غينيس في ديسمبر 2020. وبلغت المساحة 300.2 متر مربع، واستحدث مع هذا الإنجاز خانة جديدة غير مسبوقة على مستوى العالم.

تعبر كارولين عن سعادتها بالنجاحات المتلاحقة، لأنها "تمنح الأمل للناس"، وتثبت أن "المرأة يمكنها أن تتحدى كل الظروف، وتحارب ثقافة الاستسلام للواقع والبكاء". وأخيراً، بدأت العمل على فكرة جديدة "يعتبر المشروع الرابع الأكبر على الإطلاق من بين مشاريعها على مستوى العالم"، وتكشف أنها "تعمل على بناء أكبر كرة أرضية على مستوى العالم من مواد معاد تدويرها"، ومن ثم تقديم "تحية إلى القطاع الصحي الذي تعب خلال جائحة كورونا".

أنهت كارولين المخطط الأولي للكرة الأرضية، وبدأت بتجميع وتركيب أعلام 50 دولة من مواد تتضمن شعارات القطاعات الطبية والصحية. وتتطلع للحصول على راعٍ يقدم لها دعماً وإن كان محدوداً لإنجاز المشروع الأكبر. فقد اختارت الدول التي يوجد فيها مغتربون لبنانيون لإظهار قوة الانتشار في العالم، وكذلك الدول التي ساعدت لبنان بعد تفجير مرفأ بيروت في 4 أغسطس (آب) 2020. حتى الآن، أنجزت كارولين 28 علماً من أصل 50 علم دولة، بالإضافة إلى شعارين للقطاع الصحي.

التدوير يكسب الدولار

في ظل ندرة الدولار وعجز الصناعيين عن شراء المواد الأولية الخام، برزت بعض المبادرات لشراء عبوات البلاستيك والتنك الفارغة، بالإضافة إلى زيوت القلي النباتية المستعملة. وتتراوح أسعار هذه المواد في السوق على النحو الآتي 2500 لكيلو البلاستيك، وعشرة آلاف لكيلو التنك، وثمانية آلاف لقاء ليتر الزيت (سعر صرف الدولار نحو 22 ألف ليرة).

من بين تلك المشاريع، ذاك الذي أطلقته ريتا ألفونس العلم لدعم عمليات إعادة التصنيع والتدوير، ابتعدت الفكرة عن السلوك الرائج الذي يعتمد توزيع المستوعبات البلاستيكية على جوانب الطرقات وفي الأحياء، حيث يختلط الطعام مع البلاستيك والكرتون وهكذا دواليك. لذلك، استدركت عدم التجاوب مع عمليات الفرز من المصدر، فلجأت إلى خيار دفع ثمنها نقداً في المنزل. ولاحظ القائمون على المشروع تجاوباً من المواطنين في قضاء الكورة، ولعب الحافز المادي دوراً إيجابياً في التشجيع على ذلك، والاستعاضة عن رميها من دون معالجة في ظل عدم جدية الدولة.

يتطلع أصحاب المشروع إلى اتساع نطاقه والتعاون مع المجتمع المدني والبلديات لنشر ثقافة التدوير، لأن "هناك مصلحة للفرد والبيئة"، و"الهدف البيئي يأتي في المقام الأول، وفي مقام ثانٍ يخفف استخدام المواد الأولية واستيرادها، ويأتي الربح التجاري في المقام الثالث".

مع مرور الأيام، يتحقق هؤلاء من صوابية الفكرة، لأنه "لو اعتمدت سائر الشركات عملية جمع المواد المصنعة من البيوت، لأسهمت في حل مشكلة النفايات بصورة كبيرة". ففي لبنان تشكل النفايات البلاستيكية والتنك والنحاس والحديد جزءاً كبيراً من المشكلة. وهناك تخطيط للانتقال إلى عملية "تسبيخ" النفايات العضوية وبقايا الطعام. وهذا الأمر بمثابة "اقتراح لحل جذري لمشكلة النفايات من خلال القطاع الخاص وتشجيع المواطن على الفرز لقاء بدل مادي"، لأنه في ظل هذا الانهيار من المستبعد أن يكون تركيز السلطات الرسمية على الإجراءات الصديقة للبيئة.

المزيد من منوعات