Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

اللبناني في مواجهة المولدات الخاصة: الفاتورة العالية أو العتمة

اقترن ظهور قطاع الاشتراك تاريخياً بعجز الدولة ومؤسسة الكهرباء

مبنى تابع لمؤسسة كهرباء لبنان في بيروت (رويترز)

تبشّر أزمة المولدات الخاصة في لبنان ببلوغ مرحلة "العتمة الكاملة"، بعد أن عجزت عن تأمين حاجتها من المحروقات بالطرق النظامية، واندفاعها مُكرهةً إلى السوق السوداء. كما أنها فتحت باب المواجهة المبكرة على أعتاب الشتاء بين أصحاب المولدات والمواطنين محدودي الدخل، حيث يعيش المواطن اللبناني بين خيارين أحلاهما مُر: إما العودة إلى مرحلة العتمة والحياة البدائية، أو الرضوخ إلى مطالب أصحاب المولدات الخاصة الذين ضاعفوا الفاتورة للحفاظ على هامش مقبول من الربح. وبين هذا وذاك، تستقيل الدولة من دورها في تنظيم العلاقات داخل الجماعة، بعد أن بلغت احتياطاتها من العملات الأجنبية مرحلة الخطر.

"اختنقنا"

بالعودة إلى الوراء، اقترن تاريخياً ظهور قطاع الاشتراك بالمولدات الخاصة للكهرباء بعجز الدولة ومؤسسة كهرباء لبنان عن "تحقيق حلم 24 على 24 ساعة تغذية كهربائية في اليوم". وشكّل هذا المرفق متنفساً للمواطن اللبناني الذي يتوق للحصول على الحد الأدنى من الخدمات الأساسية، فيما حوّل أصحاب المولدات إلى فاعلين أساسيين ومؤثرين في حياة المجتمع. ولكن، مع بلوغ فترة تقنين الكهرباء النظامية مستوى 23 ساعة انقطاعاً، وفقدان مادة المازوت، وانتقال المولدات الخاصة إلى نظام التقنين، ظهرت شكوى المواطنين. فمنذ بدء شهر يوليو (تموز)، تعيش الأسر اللبنانية مرحلة الظلمة شبه التامة. 

وقام بعض أصحاب محلات البقالة بالاستغناء عن بعض السلع التي تحتاج إلى الكهرباء والتبريد على غرار المثلجات، وقامت بعض المستشفيات بفصل التكييف عن بعض الأقسام التي لا يقيم فيها المرضى. هذه الإجراءات كانت من قبيل الاستجابة للأزمة، ولكن في الفترة القليلة الماضية، نزلت فواتير المولدات كالصاعقة على رؤوس المواطنين. لقد تضاعفت بشكل متزايد، وحلقت إلى دنيا الملايين.

تتحدث السيدة ثراء عن غياب تام للكهرباء أخيراً بسبب انقطاع كهرباء الدولة، وكذلك الاشتراك الذي جاء كبديل، لافتة إلى تدرج في الأزمة، "كنا في البداية نتفهم بأن صاحب المولد يريد أن يقطعه لبضع ساعات من أجل إراحته، ولكن وصلنا إلى ارتفاع الفواتير إلى مستويات قياسية، في ظل انقطاع الاشتراك الخاص". وتضاعفت الفواتير أربعة أضعاف خلال الأشهر الثلاثة الماضية. وتشعر ثراء بأن "أصحاب الاشتراك لا يتعاملون بشفافية مع المشتركين، ويتذرعون دائماً بأنهم يشترون المازوت من السوق السوداء بسعر 250 ألف ليرة للتنكة"، مشيرة إلى "تزويد الجيش لأصحاب الاشتراكات بالمازوت المدعوم"، لذلك فهي تدعو لانتظار نهاية الشهر للتأكد من التزامهم بالتسعيرة الرسمية. 

بات الاشتراك يشكل عبئاً على المواطنين، ويستغرق الجزء الأكبر من أجورهم. وبدأ في غير مكان الحديث عن استعداد بعض المواطنين للتخلي عنه، وتتخوف ثراء من اعتماد أسلوب القضم والزيادة التدريجية المستمرة، مؤكدةً أنه "في حال الزيادة سأقوم بالاستغناء عنه بالكامل". تنسحب هذه القصة على حياة مئات الآلاف من المواطنين والمقيمين في لبنان الذين يعيشون النكبات المتتالية، ما إن يتعايشوا مع أزمة حتى يجدوا أخرى بانتظارهم. 

أصحاب الاشتراك ينفون المسؤولية

يدرك أصحاب اشتراك المولدات الخاصة حجم النقمة عليهم من قبل المواطنين، لكنهم في المقابل يدعون الناس لالتماس الأعذار لهم في ظل تخلف الدولة عن القيام بواجباتها. وبدأ أصحاب الاشتراكات يتعرضون لبعض الحصار المعنوي والإدانة الشعبية، على غرار ما حصل في منطقة جبل محسن التي تشهد تحركات مستمرة على الأرض بسبب العتمة، وتعتبر واحدة من المناطق الأكثر تحركاً في ظل أزمة العتمة الكاملة. وأخيراً، تقدم المواطنون من هذا الحي الطرابلسي بعريضة لمحافظ لبنان الشمالي للتدخل مع هؤلاء الذين، حسب العريضة، "بعد جباية الاشتراكات الشهرية بيومين، قاموا بقطع الكهرباء لأكثر من 4 ساعات يومياً"، كما عبّر الأهالي عن استيائهم من "عدم تدخل أجهزة الرقابة في الدولة". 

يتذرع أصحاب الاشتراكات بعدم القدرة على تأمين مادة المازوت، ودفعهم إلى الشراء من السوق. ويشير محمود مجذوب، صاحب مولدات في جبل محسن، إلى "نصيحة من قبل عناصر أمنية بالشراء من السوق السوداء"، متسائلاً "عوضاً من قمع السوق السوداء التي اتسع نطاقها ليصبح كل مواطن تاجر مازوت، يتم الطلب منا التعامل معها، بالتالي رفع التعريفة على المواطنين". ويدافع مجذوب عن أصحاب المولدات، لأن الشركات المستوردة توقفت عن تسليمهم الكميات الكافية من المحروقات، فهو على سبيل المثال يحتاج إلى نحو 130 ألف ليتر مازوت لتشغيل 20 ساعة كهرباء لنحو 2500 مشترك شهرياً. ويضيف أنه في 20 يونيو (حزيران) أبلغته الشركة الموردة بأنها تعاني نقصاً في مادة المازوت، وطالبته بتدبيرأمره. 

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

يلفت مجذوب إلى أنه "خلال الأيام العشرة الأخيرة، يقتصر تشغيل المولدات على الفترة المسائية، وضمن حدود الكميات التي تعهدت بعض الجهات الرسمية تأمينها للمنطقة كالبلدية ومخابرات الجيش"، موضحاً، "أصبحنا نعيش كل يوم بيومه، وفي بعض الأيام لا نحصل على المازوت إلا بعد منتصف الليل، وبعد وساطات سياسية ودينية على غرار نظام الإعاشة". يقول مجذوب، "تعبنا، ولا أحد يحدد آلية الحل، وكأننا في لعبة تنس، يرمي كل طرف المسؤولية على الآخر"، معبراً عن أسفه بسبب حصر المسؤولية في أصحاب المولدات، وكأن "هناك يداً خفية". يعتقد مجذوب أن هناك "دفعاً نحو تحرير سعر المازوت ليصل إلى مستوى 250 ألف ليرة، عندها سيصبح ثمن 3 أمبير بمستوى 750 ألف ليرة، وسيعجز عندها الموظف العادي عن شرائها أو دفع الفاتورة". 

لا تتوقف شكوى أصحاب المولدات عند فقدان المازوت والبحث عنه في السوق السوداء، وإنما تصل إلى مستويات قطع التبديل والزيوت، بالإضافة إلى تكاليف الإصلاح. لذلك، لم يتأخر البعض منهم في التهديد بالتوقف عن العمل، أو حتى تسليم مفاتيح الاشتراك إلى البلديات. واتجهت بعض البلديات في قرى الاصطياف كـ"بقاع صفرين الضنية" إلى تسلم عملية إنتاج الكهرباء، لتأمين استمرارية الخدمة وتحسينها، بالاعتماد على تعهد مخابرات الجيش بتنظيم عملية تسليم المازوت إلى مولدات الكهرباء بصورة دورية لعدم الوقوع في العتمة الشاملة. 
 
أين بواخر المازوت؟

يوماً بعد يوم، تزداد الأزمة جسامةً، وتغيب آليات الحلول الجذرية، لتصبح أزمة المولدات نتيجة لأزمة المازوت، وسبباً لخنق حياة المواطنين. يؤكد فادي أبو شقرا، ممثل موزعي المحروقات، أن "هناك مشكلة أساسية في تأمين المازوت، ما ينعكس على سائر القطاعات الاجتماعية"، لافتاً إلى أنه "كنا موعودين بقدوم مجموعة بواخر إلى لبنان، بالإضافة إلى شحنات من العراق، ولكن لم يأتِ أي شيء بعد مرور أسبوعين، وانعكس الأمر زيادة في تقنين الكهرباء لدى مؤسسة كهرباء لبنان إلى 23 ساعة انقطاعاً". 

يوضح أبو شقرا، أن "كل يوم انقطاع للكهرباء، يؤدي إلى زيادة استهلاك المازوت بصورة مضاعفة، لأن الحاجة اليومية تصل إلى نحو 17 مليون ليتر يومياً يتم استهلاكها من قبل المولدات"، وعليه، فإن أي باخرة يمكن استهلاك حمولتها في فترة 3 أو 4 أيام، ويؤدي عدم توفير الدولة لهذه الكميات إلى ازدهار السوق السوداء. يشير أبو شقرا إلى أن المشكلة بين الشركات المستوردة ومصرف لبنان لناحية عدم تأمينه الاعتماد للاستيراد بالعملة الأجنبية، ينعكس على الموزعين، قائلاً "لا نجد حلحلة، والأمور تزداد صعوبة، وتتقلص الكمية في الأسواق باستمرار".

ينفي أبو شقرا قيام الشركات بتخزين المواد المستوردة لأن "كل البضاعة الموجودة لدى الشركة، تخضع لرقابة الدولة اللبنانية"، متحدثاً أن "الحل الجذري إنما يكون بتعويم السوق بمادة المازوت، أو برفع الدعم عن المحروقات من أجل توفير الكميات الكافية، لأنه في ظل غياب المحروقات تصبح حياة الناس بخطر بفعل عدم قدرة المستشفيات على إتمام عملها، بالإضافة إلى حاجة كثير من المرضى لتيار دائم في منازلهم". يوازي أبو شقرا بين استمرار الحياة ووجود الكهرباء، ويؤكد ممثل موزعي المحروقات أن السوق السوداء في لبنان أصبحت توازي التهريب من ناحية الخطورة، لأن "بعض التجار والمهربين أصبح يبيع تنكة المازوت في لبنان بالسعر نفسه، أو حتى أكثر مما يتم بيعها بعد تهريبها إلى سوريا"، لذلك يناشد المسؤولين الخروج من المأزق، لأن "الخطر دق الأبواب". 

في المحصلة، اعتاد اللبناني لعقود عديدة على ازدواجية الخدمة والفاتورة، فهو من الشعوب التي ما زالت تدفع "فاتورتين للكهرباء"، إحداهما للقطاع العام، وأخرى للخاص، وهذا ما ينسحب على المياه والاتصالات والاستشفاء، ولكنه حالياً يجد نفسه داخلاً في مرحلة سقوط نحو الهاوية، والعودة إلى مرحلة المجتمع البدائي، وصولاً إلى فقدان أدنى مقومات وخدمات المجتمع الحديث.