Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

"الفصول الأربعة" لفيفالدي تحية للطبيعة وتضافر بين الشعر والموسيقى

القسيس الأحمر يعيد تصوير حياة البشر وأعمالهم

رسوم من أرشيومبولدو على غلاف تسجيل لـ"الفصول الأربعة" (غيتي)

في معرض حديثهم المبالغ فيه بعض الشيء أحياناً، عن أنطونيو فيفالدي، يذكر المؤرخون الموسيقيون أنه خلف نحو 96 أوبرا، وأعداداً لا تحصى من الكونشرتوات وغيرها من المؤلفات الموسيقية بالمئات. صحيح في هذا السياق أن غيرهم من الكتاب الأكثر موضوعية يتحدثون عن نحو 40 أوبرا بقي منها بين أيدينا اليوم بالفعل ما لا يزيد على الـ 30 فيما ضاع الباقي، غير أن الغريب في الأمر أن اسم هذا المبدع الموسيقي الكبير لا يرتبط اليوم بشكل أساس بأكثر من عمل واحد معروف على نطاق عالمي، ويعتبر قمة في الموسيقى الكلاسيكية، وهو طبعاً "الفصول الأربعة" المؤلف من أربعة كونشرتوات بنيت على سوناتات شعرية تنسب كتابتها إلى الموسيقي نفسه، إنما من دون أن يكون هذا مؤكداً تماماً، فأين الباقي؟

قسيس مع وقف التنفيذ

لا نعرف تماماً وإن كان يحدث لنا بين الحين والآخر أن نعثر على تسجيلات لبعض قطع بديعة من فيفالدي قد لا تقل جمالاً عن "الفصول الأربعة" غالباً ما يصدر الواحد منها على شكل "كونشرتو غروسو" ضمن أنطولوجيات تضم أعمالاً من النوع نفسه لآخرين، بينهم كوريللي أو سكارلاتي، يحدث كثيراً أن تُدرس بفضل إيقاعاتها البحرية المدهشة أكثر مما بفضل هارمونيتها التي لا تزال أكثر وأكثر في حاجة لأن تكتشف ويكتشف معها الدور التأسيسي الكبير الذي لعبه ذلك "القسيس الأصهب" في تحديث الموسيقى الأوركسترالية.

والقسيس الأصهب هو بالطبع فيفالدي نفسه، وكان لقباً عرف به من ناحية لكون شعره أصهب ما يعتبر حالاً نادرة في إيطاليا، ومن ناحية ثانية لكونه رُسم كاهناً وهو في الـ 25 من العمر مع أنه سيكتب لاحقاً في إحدى رسائله أنه لم يخدم كقسيس في أي كنيسة، ناهيك عن أن موسيقاه كان يغلب عليها الطابع العلماني حتى وإن كان كرّس للموسيقى الدينية أعمالا كثيرة تخوض في القداسات والجنازات والتحيات إلى السيدة العذراء وتلحين المزامير، إلى جانب أن المنصب الديني مكنه طوال سنوات عدة من أن يعمل كمدرس ومسؤول موسيقي في دير للبنات بالبندقية.

القرن العشرون يكتشف

والحقيقة أن تلك لم تكن التناقضات الوحيدة في حياته، فحياة فيفالدي كانت مزدحمة بها وهو الذي كانت مؤلفاته الموسيقية الأكثر من أن تعد أو تحصى، قد اختفت طوال قرون بحيث أن صدفة غير متوقعة جعلت اكتشافاً مهماً تحقق خلال النصف الأول من القرن العشرين، يميط الستر عن مئات المدونات الموسيقية والقطع وألوف الصفحات من النوطات بخط فيفالدي أو بخطوط غيره، تنقذه من مصير أن يعتبره الجمهور العريض ليس أكثر من ذلك الملحن العبقري لعمل موسيقي واحد كبير لا غير هو، طبعاً "الفصول الأربعة"، لكن فيفالدي كان أكثر من ذلك بكثير بالتأكيد، بل كان من التألق بحيث أن زميله ومعاصره تقريباً يوهان سيباستيان باخ سيكون هو من يكشف عن عظمة كونشرتواته كما عن تجديداته الموسيقية المذهلة، ومع ذلك سوف نحصر حديثنا هنا في ذلك العمل الخالد والعلماني المرتبط بالطبيعة وعلاقة الإنسان بها، أي تلك الكونشرتوات الأربعة المترابطة والمؤلفة في مجموعها من 12 حركة حيث يتألف كل كونشرتو من ثلاث حركات، ونعرف أن كل واحد من الكونشرتوات مختص بفصل من فصول السنة، على غرار ما تفعل إبداعات كثيرة في الشعر والرسم والموسيقى، حاول فيها كبار مبدعون على مدى تاريخ الفنون أن يطرحوا أسئلتهم المندهشة أمام نزوات الطبيعة وتغيرات الفصول وتفاعل البشر معها.

الكمان ورفاقها كافية

وتكاد هذه الأعمال أن تكون في مجملها أعمالاً مكتوبة للآلات الوترية المتنوعة، وفيها ينطلق المؤلف من محاولة ربما هي الأولى في تاريخ التأليف الموسيقي تشتغل على ما سماه فيفالدي بنفسه "المجابهة بين الهارمونيا والاختراع"، ومن المفترض أن يكون فيفالدي قد ألف تلك الألحان بين عامي 1723 و1725 حين كان له من العمر أكثر قليلا من 47 سنة، وكانت موسيقاه قد وصلت إلى ذروة النضج وبات قادراً على التعبير عن تلك التحية الموجهة إلى الطبيعة وتقلب مناخاتها تبعاً لتعاقب الفصول، ومن هنا اعتبر العمل ككل أنشودة إلى الطبيعة لا تقتصر على التعبير الموسيقي وحده بل تتعداه إلى التعبير الشعري من خلال تلك القصائد (السوناتات) المرافقة التي كما قلنا، يفترض بصورة عامة أن فيفالدي كاتبها.

ولعل ما يلفت هنا أن الموسيقي قد حرص على أن تكون لعبة الطباق (الكونتربوان) تشتغل أساساً في نوع من حوار على طريقة "الكونشرتو غروسو" بين الكمان المنفرد والأوركسترا.

ولعل في إمكاننا أن نبسط الأمور هنا بعض الشيء للإشارة إلى أن الموسيقى في حد ذاتها، وإن كانت تحمل استقلاليتها الخاصة عن أي تفسير لغوي، تبدو في نهاية الأمر وكأن فيفالدي قد انطلق فيها من كونها تصور بلغة اللحن ما كان دونه في سوناتة موازية بلغة الشعر، وهكذا مثلاً إذا أخذنا الكونشرتو الأول "الربيع" سنجده يبدو وكأنه استجابة للسوناتا الشعرية التي تواكبه أو تمهد له وتقول، "ها هو الربيع قد حل سعيداً جزلاً تستقبله صغار العصافير بأغانيها، فيما تسيل مياه الينابيع تحت وقع الرياح المنعشة كهمس عذب". ومن الواضح هنا أن عبقرية فيفالدي الموسيقية وبراعته المذهلة في جعل الآلات الموسيقية تعطي أروع ما عندها، سرعان ما تجعل الكلام الوصفي الشعري هذا زائداً عن اللزوم، فالموسيقى وحدها تأتي قادرة على رسم هذا الوصف وأكثر، لا سيما حين تحل العاصفة بغتة بعد ذلك كما يحدث في الربيع لتعبر سريعا تاركة العصافير تستعيد غناءها.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

لهيب الشمس في انتظار العاصفة

بعد ذلك وبشكل طبيعي يحل الصيف ومعه قسوة الشمس ولهيبها، وهنا من جديد تستعيد الموسيقى في الكونشرتو الثاني ومنذ الحركة الأولى الخاصة به، قوتها التعبيرية لتصور ما تقوله سوناتا فيفالدي "ها هو الصيف يتسلل ويستلقي الناس والكائنات في خمول فيما تنصرف الشمس إلى حرق الصنوبر"، في صورة يكاد المستمع معها ينصت عبر آلات فيفالدي الوترية إلى صوت اللهيب متقاطعاً مع أصوات تعبر عن خوف الراعي من العاصفة الصيفية المقبلة. لكن ذلك الخوف سرعان ما يتحول في الكونشرتو الثالث إلى فرح وجزل بقدوم الخريف، موسم الحصاد والاحتفالات الديونيزية، الذي يتيح لموسيقى فيفالدي أن تنوع على تقاطع بين ألحان الفرح والرقص والاحتفالات من ناحية، وموسيقى الجدّ في انتظار ما يتوقعه الفلاحون من جهود ينبغي أن يبذلوها في الأسابيع التالية استعداداً لصعوبات الشتاء.

وهكذا من الوصف اللغوي وتعبيره الموسيقي المتزامن مع "الخريف" حيث، وبلغة فيفالدي الشعرية "، القرويون صاخبون هائجون يغنون ويرقصون محتفلين بالحصاد الوفير"، فننتقل موسيقياً وكذلك شعرياً إلى تلك السوناتا التي لن يفوت فيفالدي أن يحرص فيها على مواصلة زرع الأمل، فهو لئن كان يقول في شعره هنا "صحيح أنه الشتاء لكنه شتاء يحمل المسرة إلى البشر"، نجده يختتم العمل ككل بكونشرتو رابع يختمه بلحن جزل مرح يحمّله بكل ما في جعبته من وعود حيوية بغد مشرق، ما يشكل ختاماً للكونشرتوات الأربعة لا يقل قمة في الحقيقة عما سيفعل بيتهوفن لاحقاً حين يختم سيمفونيته التاسعة والأخيرة بموسقة رائعة لقصيدة "نشيد إلى الفرح" لشيلر.

موسيقى ذات برنامج

أما بالنسبة إلى أنطونيو فيفالدي (1675 – 1741) فمن الواضح أن عشقه الدائم لآلة الكمان التي بدأ حياته الفنية عازفاً عليها، تتجلى هنا من حركة إلى أخرى ومن كونشرتو لآخر حيث من الواضح أنه في مسعى فني لا مثيل له يبدو بين لحن وآخر، وغالباً بين عزف منفرد وغيره، وكأنه يعصر تلك الآلة للبرهان على لا محدودية إمكاناتها، ولكن كذلك على شاعرية الموسيقى التي ربما سيكون هذا العمل واحداً من أولى المؤلفات التي، وللتضافر الذي أقامه فيفالدي فيها بين النص الشعري والموسيقى، أول عمل من النوع الذي سيسمى "الموسيقى ذات البرنامج" أو بكلمات أخرى "الموسيقى ذات الموضوع".

المزيد من ثقافة