Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

مغني الأوبرا بافاروتي مكشوفا شخصا وسيرة في فيلم وثائقي

"حاولت أن أبقى زوجا مخلصا وأبا جيدا لكن كما تعلمون... وقعت في الحب"

المغني الأوبرالي لوتشيانو بافاروتي (رويترز)

"بافاروتي" فيلم وثائقي عن حياة مغني الأوبرا التينور الإيطالي لوتشيانو بافاروتي، من إخراج رون هوارد وإنتاج أميركي. عرض الفيلم لأول مرة في يوليو (تموز) 2019 ولم يتابع دورته بسبب الوباء، وقد حاز أوسكار أفضل فيلم وثائقي. والآن استأنف عروضه متيحاً الفرصة أمام جمهوره العالمي كي يتعرف إلى حياته وشخصه عن كثب. وقد تم عرض الفيلم في الهيئة الملكية للأفلام في موسم جديد آمن بعد كورونا.

كان المشهد الأول من رحلة بافاروتي إلى البرازيل، حيث يتوقف القارب الذي يجول في الأمازون في مدينة ماناوس عاصمة ولاية الأمازون في شمال البرازيل، التي تضم مسرح دار الأوبرا الملكية العائد إلى القرن التاسع عشر. كان العرض الأول على هذا المسرح في 7 ديسمبر (كانون الأول) 1897، وقدم فيه التينور الإيطالي الشهير كاروزو دوراً في أوبرا بونتشيللي المعروفة بـ"جيوكندا"، ويقال إن دار الأوبرا برمتها قد أنشئت لجذبه إلى ماناوس. وهكذا يباغت بافاروتي الموظفين ويطلب اعتلاء المسرح الذي غنى فيه كاروزو ذات مرة.

يركز السرد على الأوبرا البوهيمية لـجياكومو بوتشيني، ولادونا إي موبايل (امرأة متقلبة) الأكثر أداء في العالم، وهي من ريغوليتو لفيردي، و O solo mio الأغنية النابوليتانية لدي كابوا، وكلها نصوص تقوم على قصص الحب الخالدة، كما سيظهر في أدائه مقطوعات من كونسرتات عدة من أجل لاجئي كوسوفو وغواتيمالا وباكستان.

رؤية مونودرامية

تشتغل كاميرا الفيلم برؤية مونودرامية للشخصيات التي دخلت يوماً ما عالم التينور الشهير، وتجمع المشاهد المصورة مع كثير من الصور الفوتوغرافية، وفيديوهات الحفلات الشهيرة، وفيديوهات منزلية بكاميرات شخصية لأفراد العائلة والأصدقاء لتجعل من شخصيته الدرامية التي تجمع بين هيبة الفن الذي اختاره، والسمات الذاتية المحببة إلى القلب، بؤرة لحركة السرد البصري.

تظهر في اللقاءات الزوجة أدوا فيروني بشرعيتها وقوتها لتسرد تاريخ العائلة وحركة البدايات بوهجها وعثراتها، فهي قد عاشت على ذمته منذ عام 1961 إلى عام 2000، لنكتشف في ثلث الفيلم الأخير حقيقة انفصالهما التي ستسوغ لنا المظهر الصلب لهذه المرأة، لعلها صلابة العذاب والخيانة والهجران. لقد ظهرت بثقة وبقليل من التحامل، إذ خفف الفقد والزمن من حرارة الجرح. تظهر بنتان من ثلاث بنات من زواجه الأول بصلابة أقل وبجراح عائلية بادية، لا مفر منها في العلاقة الشائكة مع الأب الفنان والحنون والعاشق لنساء أخريات. يظهر المتعهدون الفنيون، يتحدثون عن أسرار صناعة النجوم وهستيريا الحفلات والمآزق التي تصنعها شخصية عصابية مثل بافاروتي المتطلب والنزق، الذي يسافر بعشر حقائب في الأقل، ويعود بملايين الدولارات.

يبدي الفيلم الوجه الإنساني لبافاروتي والتحديات التي مر بها في سبيل أعماله الخيرية، وحفلاته عبر العالم من أجلها، من بناء مدارس ومستشفيات ومراكز صحية سواء في بلدته (مودينا) أو غيرها من بقاع الأرض. تظهر المعجزات أيضاً التي يقود إليها الإيمان بقوة الحياة من مثل شفاء ابنته من مرض خطير جعله يترك كل شيء ويبقى إلى جانبها، ويسخر إمكاناته لإجراء عملية انتهت بشفائها تماماً، وسنرى في هذا الإطار دعمه صديقه التينور الإسباني جوزيه كاريراس، وتخليصه من الاكتئاب الناتج عن علاجه من اللوكيميا، إذ أصر بافاروتي على إنشاء ثلاثي التينور العظيم الذي ضم أيضاً الإسباني بلاسيدو دومينغو. جاب الثلاثي مسارح العالم، مما جعل كاريراس يقف على قدميه مجدداً، وسنرى الصديق الناجي متحدثاً عن تلك اللحظات المؤثرة، كما سيتحدث النقاد عن درجة C العالية التي يؤديها بافاروتي ثابتاً كالصخرة.

عالم الحب وآلامه

تمهيداً للدخول إلى عالم الحب وآلامه، يجلي الفيلم العلاقة بين بافاروتي وليدي ديانا، ونتوقف مع مقاطع من حفلة 1991 في هايد بارك لندن، حيث ينسكب المطر ويهدي بافاروتي ديانا أغنية Donna Non Vidi Mai (لم أر في حياتي امرأة مثلها) تحت عشرات الآلاف من المظلات المائلة، وأمام محاولات التجاهل من قبل الأمير تشارلز، وسيبدوان ديانا وبافاروتي متآزرين في تراجيديا الغرام.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

لعل الوصفة الناجحة لفيلم وثائقي سيري هي أن يجد صانعه الخطوط التي تربط المحطات المضيئة في حياة البطل إلى اللحظات السرية أو المجهولة أو المشوبة بوصمة، ليكون سرديته المكتوبة أو البصرية، التي لا بد لها من بؤرة جاذبة. لذا يظهر بين المشاهد كلها الحب، يلمع مثل برق ينذر بعاصفة لا نمل من انتظارها. هكذا نستمع بشغف إلى أقوال مادلين رينيه مغنية الأوبرا الأميركية من بوسطن وطالبته ومساعدته، التي تعترف بعد حين بأنها عشيقته التي توقفت عند سور العائلة، وانسحبت من حياته تماماً لتخلي المكان لمروضة الخيول الإيطالية نكوليتا مانتوفاني التي تصغره بـ34 سنة، تلك التي جرف غرامها كل شيء: العائلة، والجمهور، الذي كثيراً ما احتج على تلك العلاقة، ورباط الزواج الطويل.

وعلى الرغم من اكتشاف بافاروتي مرضها الصعب فقد طلق زوجته وتزوجها في دار الأوبرا بعد رفض الكنيسة استقبال المراسم، وأنجب منها ابنته الرابعة، ومات في حضنها في عام 2007. بدت مانتوفاني في الفيلم مغتبطة بحياتهما معاً حتى بعد الرحيل، ويبدو أن مثل هذا الكرم في الحب لا يقدر عليه غير الملهمين، بحيث تصير نقاط ضعفهم نقاط قوة جبارة. وبمثل هذه الرؤية نتلقى اعترافاً ملهماً من لوتشيانو بافاروتي، إذ يخاطب جمهوره في إحدى اللقطات يقول "حاولت أن أبقى زوجا مخلصاً وأباً جيداً، لكن كما تعلمون، وقعت في الحب!". إن مثل هذا الاعتراف ظهر يوماً في إحدى رسائل غسان كنفاني إلى غادة السمان، وظهر ثانية في اعترافات كمال بصمجي عن علاقته بـفسون سكسين في رواية "متحف البراءة" لأورهان باموق، ولا شك سيجده كل متلق في تاريخه الشخصي أو الثقافي. ومرة أخرى أقول تلك هي سمة للنصوص الاستثنائية التي تتناص مع حياة الناس وعذاباتهم وشغفهم. لقد ذكرت جوليا كريستيفا في "قصص في الحب" أن الحديث عن حكايات حبنا الشخصية باللغة المباشرة مستحيل وغير ملائم، لكنه يتحقق بالاستعارات، وأجمل الاستعارات هي سرد حكايات الآخرين!

المزيد من ثقافة