Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

هل اختزلت الأحزاب الجزائرية وجودها في الانتخابات؟

يُنظر بزهد إلى رصيدها في ظل الأزمة الصحية وتفاقم المشكلات الاجتماعية

ترفض الأحزاب تحميلها مسؤولية فشل حكومي مُتعاقب منذ سنوات (أ ف ب)

أبعدت الموجة الثالثة من فيروس كورونا التي تعيشها الجزائر، الأحزاب السياسية عن المشهد العام في البلد، واختفت وجوه قيادييها وتصريحاتهم من على شاشات التلفاز وصفحات الجرائد، في وقت فُـتح المجال على مصراعيه أمام الجمعيات الخيرية، والشباب المتطوع الذين هبوا لنجدة المرضى في المستشفيات في ظل أزمة أكسجين تشهدها مستشفيات حكومية، وعدت السلطات باتخاذ الإجراءات لحلها في ظل تذمر المواطنين من الوضع.

هذا الغياب، أثار تساؤلات عن الأدوار المنوطة بالأحزاب السياسية والعلاقة بينها والمجتمع ومشكلاته الراهنة، التي تتطلب تقديم قراءة وتقييم سياسي بشأنها، وحث الحكومة على تسويتها أو إيجاد حلول جذرية لها باعتبارها هياكل تعمل على مراقبة عمل الحكومة وسياساتها، بدل الدخول في "حجر سياسي" صوّرها في ثوب المتنصل كما يقول محللون وإعلاميون.

ويُنظر بزُهد إلى رصيد الأحزاب الجزائرية في ظل الأزمة الصحية التي تعيشها البلد، لعدم إطلاقها مبادرات ميدانية بارزة ضمن هذا السياق، واكتفائها بالحديث عن مواضيع معلومة، وهي ترهل المنظومة الصحية، وإرهاق الطواقم الطبية المرابطة في المؤسسات الاستشفائية في مَعركتهم ضد "كوفيد 19".

وإن كانت هذه الأحزاب ترفض تحميلها مسؤولية فشل حكومي مُتعاقب منذ سنوات كما يقول قياديوها وناشطوها، بداعي أن هيكلة القطاع الصحي تقع على عاتق الجهاز التنفيذي مثله مثل القطاعات الحساسة، إلا أن اهتمام السياسيين بالمحطات الانتخابية واستفاقتها على وقعها، جعلها محل انتقادات مضاعفة من طرف البعض الذين يعتبرون أن التشكيلات السياسية باتت تختزل دورها إلا في الاستحقاقات التي تضمن لها حصة من المقاعد والامتيازات.

وشهدت الجزائر في فترة تفشي وباء كورونا، حدثين سياسيين، أولهما استفتاء تعديل الدستور الذي جرى في نوفمبر (تشرين الثاني) من عام 2020، وبعدها الانتخابات البرلمانية، التي أقيمت في 12 يونيو (حزيران) 2021، وهي اليوم تستعد لمستجد سياسي جديد، مرتبط بالانتخابات المحلية المرتقب إجراؤها في نوفمبر المقبل، في حال تحسن الوضع الوبائي، وفق ما صرحت به السلطة، وهي الاستحقاقات التي رحبت الأحزاب بعقدها ضمن استكمال ما أسمته بالمسار السياسي في بناء مؤسسات الدولة والتخلص من تركة النظام السياسي السابق.

تعديل الدستور

من الناحية القانونية، تنتهي الولاية الحالية للمجالس الشعبية (على مستوى البلديات والولايات) في نوفمبر 2022، ما يعني أن الرئيس الجزائري عبد المجيد تبون سيُصدر قراراً بحلها لاحقاً.

وعقب انتخابه، وعد تبون بتعديل الدستور الجزائري وحل البرلمان وإجراء انتخابات برلمانية، إضافة إلى حل المجالس البلدية والولائية (في الولايات) وانتخاب أخرى جديدة. والمقصود بالانتخابات المحلية، اختيار أعضاء المجالس البلدية وعددها 1541، والولائية البالغ عددها 58.

غياب سياسة تواصلية

تعقيباً على الانتقادات الموجهة إلى الأحزاب بتنصلها من الحياة العامة وتركيز اهتماماتها على المحطات الانتخابية، يعتقد الكاتب الصحافي عمار لشموت، أنه من غير المنصف الحكم بشكل مطلق على الطبقة السياسية بأنها غير منشغلة بمناقشة أهم المواضيع التي تشغل الرأي العام، موضحاً أن "هناك أحزاب سياسية تنشط على الساحة لكن غياب سياسة تواصلية واستراتيجية إعلامية يُشكل عائقاً أمام قوة اقتراح تلك الأحزاب، إضافة إلى عدم انفتاح الإعلام العمومي على أغلب التيارات السياسية، زيادة على ذلك هناك إرادة في عدم إثراء الساحة السياسية عبر فتح نقاشات سياسية ومجتمعية وقطاعية".

ويعود ذلك، وفق لشموت إلى أن "النظام السياسي هو من يسيطر إعلامياً وسياسياً على توجيه الطبقة السياسية، بالتالي خيارات النظام هي التي تفرض على الأحزاب السياسية". ويردف أن "الانتخابات تشكل إحدى أدوات معالجة الاهتمامات المجتمعية، وهذا ليس عيباً بل أساس الحياة السياسية".

وجرت العادة أن تتحكم السلطة في توقيت ومواعيد النشاط السياسي، وتحديد مواضيع النقاش، الذي تستعيد به الساحة السياسية حركيتها وتفاعلاتها، لكن ذلك لا يستمر طويلاً، وينتهي بمجرد انقضاء النشاط المحدد، ما يجعل الأحزاب صانعة لردة الفعل أكثر من كونها صاحبة مبادرة سياسية.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

ضمن السياق ذاته، يُشير عمار لشموت، إلى أن "التوجه العام يقر بترك النقاش حول الوضع الوبائي في طابعه العلمي والصحي، إلا أن ذلك لم يمنع بعض الأحزاب من المبادرة إلى وضع اقتراحات وبدائل عن تسيير الأزمة الصحية، لكن يبقى من دون وجود تفاعل ميداني، ليردف في السياق "إعلامياً، الصحافة تفضل الخبراء في الصحة والأساتذة على التوجه إلى رأي السياسي".

ومع تضاؤل الحضور الحزبي، يقر الصحافي الجزائري، بهشاشة الأحزاب السياسية في البلد تنظيمياً وهيكلياً، كونها غير منفتحة على الإعلام بشكل واسع، وهي بحاجة إلى تطوير أدائها الاتصالي وتشكيل لجان مختصة تُجيب عن مختلف انشغالات المجتمع كالصحة والتعليم والاقتصاد بدل الاعتماد على الشخص الواحد الذي يتحدث في مختلف التخصصات.

سبب رئيس وأخرى بنيويه

في المقابل، يُرجع عادل أورابح، الباحث الجامعي في العلوم السياسية والعلاقات الدولية، الجمود السياسي الحاصل إلى "طبيعة النظام القائم على خنق الحريات وغلق الفضاء العام ووسائل الإعلام في وجه الأصوات المعارضة لتوجهاته، الذي انتقل أخيراً إلى مستوى أسوأ من خلال سجن رؤساء أحزاب، وهذا المناخ السياسي يؤثر بطبيعة الحال على أي عمل حزبي".

وقبل أشهر باشرت السلطات الجزائرية إجراءات لحل أحزاب سياسية وجمعيات مدنية معارضة، بدعوى مخالفتها للقوانين والتشريعات السارية، لكن هذه التنظيمات تعتقد أن القرار مرتبط بإعلان دعمها ومساندتها للحراك الشعبي 22 فبراير (شباط) 2019، ورفضها المشاركة في كل المسارات الانتخابية التي برمجتها السلطة ابتداء من الانتخابات الرئاسية التي جرت في ديسمبر (كانون الثاني) 2019، التي أفرزت عبد المجيد تبون رئيساً للبلاد، وصولاً إلى الانتخابات البرلمانية التي جرت في 12 يونيو 2021.

وبحسب أورابح ثمة أيضاً "أسباب بنيوية مُرتبطة بطبيعة نشأة الأحزاب السياسية وتطورها عندنا، وإعادة إنتاج ممارسات السلطة داخلها، من خلال عدم التداول على القيادة مثلاً، وغياب التناسق الأيديولوجي داخل معظمها. هذه الهشاشة تمنعها من التأثير في النقاش العام، الذي يفترض أن تكون هي قاطرته".

ولعل المفارقة الصعبة والعصية، أنه في الوقت الذي ينتقد البعض غياب الأحزاب عن النقاش العام الدائر حول قضايا تهم المواطن في حياته اليومية، تجد هذه التشكيلات من يُحملها مسؤولية الإسهام في تفشي فيروس كورونا "كوفيد 19"، لعدم احترامها البروتوكول الصحي القاضي بفرض إجراءات التباعد الاجتماعي في التجمعات الشعبية التي تعقدها خلال الحملات الانتخابية، وهو ما حصل في الاستحقاق البرلماني الذي جرى شهر يونيو المنصرم، وفق ما أظهرته فيديوهات وصور متداولة على منصات التواصل الاجتماعي.

ومنذ أسابيع، تشهد الجزائر موجة ثالثة لتفشي فيروس كورونا، إذ سجلت أرقاماً قياسية للإصابات والوفيات اليومية لم تشهدها البلاد منذ بداية الجائحة، في نهاية شهر فبراير 2020، وهو ما أدخل المواطنين في حالة من الذعر، في حين عادت الحكومة لفرض إجراءات الحجر الصحي، وغلق عدة مرافق عمومية لتطويق الوباء ومنع انتشاره أكثر.

المزيد من العالم العربي