Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

علي شحرور يمسرح ذاكرة الفقدان بالرقص الحديث

بعد  بيروت "الجريحة" ومهرجان أفينيون يستعد لتقديم عروض في مدن أوروبية

حكاية ليلى في المسرحية الراقصة (صفحة الفنان على فيسبوك)

من يتابع مسيرة علي شحرور الفنية عن كثب، يعلم أن الفنان يخطط لمشاريعه قبل ما يزيد على العام، وهنالك جدول عمل محدد يصعب خرقه. في السنتين الأخيرتين، أقفل كوفيد-19 معظم مسارح العالم وقامت الثورة في بيروت ووصلت الأزمة الاقتصادية والسياسية إلى القاع، ثم ابتلعت شحنة الأمونيوم المدينة. إزاء تعجيز المرحلة الآنية، وجد علي نفسه يواجه الجائحة وتداعيات الانهيار المحلي بتصميم عرضين في شكل مواز: "كما روتها أمي" الذي كان مقرراً في شكل مسبق، فـ"هجمت عليه الجائحة فأجلته لعام"، و"نوم الغزلان" الذي ولد من رحم الحجر الكوروني وتعثرت ولادته قليلاً قبل أن يخرج إلى الضوء.

بين الموروث والعائلة

يستند شحرور- إضافة الى الموروث الطقسي الديني وإلى تظهير الإرث الحركي الخاص بطقوس الرثاء- إلى ذاكرة العائلة في عدد لا يستهان به من أعماله. فهو يبني علاقة متينة مع الأفراد– هواة كانوا أم محترفين- الذين يتعاون معهم. ليلى شحرور، كحلا عمران، كالثنائي الموسيقي علي الحوت وعبد قبيسي، كغيوم تيسون مهندس الإضاءة، أصبحوا ركناً أساسياً أو مرتكزاً لهوية علي شحرور الفنية. حمل مسار العمل سلسلة علاقات وروابط ثابتة باتت تشبه بالعائلية، في حين تحتل العائلة مكانة في سرديات أعمال علي: بعد "موت ليلى" – حيث تشارك ليلى ذاكرة الفقد، متنقلة بين مرثيات الزوج والأم والأخت التي تمتزج بلحظات الحب. يشتغل علي في "كما روتها أمي" على الفقد كاحتمال ينقذه الرقص.

لا تحتاج ليلى أن تؤدي دوراً في هذا العرض لأنها تحكي حكايتها مع ولدها عباس المولى الذي أوشك أن يحارب وأن يستشهد في سوريا، ومنعه الرقص في اللحظة الأخيرة من ذلك. في هذا العرض، يظهر عباس كراقص على الخشبة. وبموازاة حكاية ليلى، هنالك حكاية فاطمة التي تتلوها حلا عمران بجسدها وصوتها. فاطمة هي عمة علي. خسرت ابنها حسن الذي فقد في سوريا وبقيت تبحث عنه حتى ماتت. بين ليلى وفاطمة، ثمة شبكة علاقات عائلة داخل عائلة حول الفقد واحتمالات النجاة منه من ناحية وهنالك إحالة إلى المكون السياسي العام في العرض، دون تدخل من علي شحرور في تسجيل موقف مباشر، باستثناء التركيز على حب الأم لولدها وهذا ما منعها من القبول باستشهاد ابنها في سوريا. مسارات الحكايتين المتناقضتين في نهايتيهما، كافيتان لتسجيل ما لم يصرح به علي.

حب يعلن موته

في عرض "نوم الغزلان"، يعود علي مع ليلى شحرور، ويجعلها شاهدة على آلام عاشقين لم يكتمل حبهما في القرن التاسع (أو لربما اكتمل بعدم اكتماله) هما عالم وشاعر، وصيدلاني. كتم الرجلان "حبهما حيناً ثم اشتهر فلم ينكراه واتضح فلم يخفياه". وكان الشاعر عاشقاً عفيفاً لم يأخذ الناس عليه هفوة، بحيث قال في أحد أبياته "أخفيت حبك حتى قد ضنيت به/ فصار يظهر ما أخفيه إخفائي". اشتغل علي مع فريقه على فكرة وصل الحب العذري بمصاف روحانية لا تقصي بعض الموروث الذي يعد رافضاً للحب المثلي الذي يتماهى معه العاشقون عندما يبلغ الحب قمة الألم: استند علي إلى ترنيمة "وا حبيبي" التي تعد من أشهر ترنيمات أسبوع آلام لدى المسيحيين. بهذا المعنى، هو يجعل من آلام المسيح حالة ندية لآلام العاشقين وفعل الارتقاء هنا يأتي كفعل رديف يوازي بين مكانتين.

هكذا تحمل ثلاثية الحب التي بدأها علي بعرض "ليل" مترسبات ثلاثية الموت دون أن يتم تحييد السياقات الاجتماعية والسياسية للمنطقة التي يستطيع المشاهد فهمها من خلال قصص الحب والعلاقات الحميمية المحظورة، فكل حب يعلن موته، وفي الموت ارتقاء طقوسي لبطولات صغيرة. يذكر علي أنه يسعى للإضاءة على هذه البطولات، مشيراً إلى عرض "كما روتها أمي" الذي أهداه "إلى بطولات وانتصارات أمهاتنا الصغيرة المستترة في بيوت هذه المدن المتهاوية... نحن نبحث عن القصص الصغيرة ضمن هذا الركام وهي كفيلة باختصار كل ما نعيشه اليوم. هذه القصص نجدها أيضاً في "نوم الغزلان" الذي يربط الحب بالموت بعيداً عن موضوعة الجندرة وهوية العشاق... هذا العرض هو عرض عن الحب قبل كل شيء. هو عرض عن قصة لم يعشها أصحابها بكليتها نتيجة الدين أو السياسة أو نتيجة منصب الواقع في الغرام".

يتجنب شحرور وضع عرضه تحت خانة "عرض عن المثلية الجنسية"، بالنسبة له العرض هو عرض عن الحب وأي تصنيف تحت خانة الجندر قد يفقد من قيمة الحب الذي يتغلب على كل الخانات التصنيفية. ينظر علي إلى "نوم الغزلان" على كونه عرضاً إشكالياً وحساساً في الوقت نفسه، ويرى أن ركناً مهماً في هذا العرض هو هذا البحث في القصص غير المروية والمحرمة في الذاكرة العربية والتي ما زال أثرها حاضراً  في مجتمعنا المعاصر.

تداعيات الجائحة... والتفجير

في لقاء مع "اندبندنت عربية" يروي شحرور كيف حاول تجنب دوامة الفراغ، بخاصة وأن عام 2020 كان عام افتتاح "كما روتها أمي" في بيروت قبل أن يصار إلى عرض المسرحية الراقصة في مهرجان أفينيون. يلي هذا الأمر سلسلة من العروض الدولية ولكن "العالم أغلق أبوابه"  كما قال. وكان عليه أن يجد ما يشغله. فقرر بدء العمل على عرض وصفه بالصغير. فباشر بالعمل على عرض "نوم الغزلان" وقرر العمل مع شادي عون، صديقه الذي يراه بشكل منتظم في كل الأحوال. بعد أخذ إجراءات السلامة اللازمة، بدأ الثنائي في جلسة التمرين الأولى وفي اليوم الثاني كان تفجير الرابع من أغسطس (آب). هنا كان الإغلاق الحقيقي وتم تعليق التمارين: "لم نستوعب، حتى الآن لا نستوعب ما جرى في الرابع من أغسطس 2020". 

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

تطلب الأمر وقتاً قبل أن يعود علي وفريق عمله لتقديم العروض بعد الرابع من أغسطس. ما يزيد الأمور صعوبة هو تعاون علي الدائم في مجمل أعماله مع فنانين لا يعيشون في لبنان، وإصراره دائماً أن ينطلق كل عرض يقدمه للجمهور من لبنان إلى العالم. لمدة ما يزيد على السنة ونصف السنة لم يلتق علي مع حلا عمران وعلي الحوت ومع مديره التقني ومصمم الإضاءة غيوم تيسون. وفقاً لعلي هذا الغياب الذي لم يشهده هو وزملاؤه منذ خمس سنوات، جعل العودة إلى الخشبة أكثر حميمية، جمالاً وكثافة، على الرغم من مسؤوليات السلامة العامة. 

ما كان أكثر خطورة من الجائحة هو ما يجري حالياً على الصعيد السياسي والإقتصادي في لبنان. على الرغم من إصراره جعل بيروت المحطة الأولى والدائمة لإطلاق عروضه، يقول علي إن "المشكلة أن لبنان يندثر: ما بقي في لبنان". تطرق شحرور إلى الأثر النفسي الذي يتركه الوضع العام، ما جعل مسار التمارين صعباً أحياناً وأشار إلى سرقة الأموال المخصصة للعرض من المصارف، بحجج صرف الدولار والحجز التعسفي للتمويل الخاص بالعروض، كما كان من الصعب جداً العمل تحت وطأة فكرة تفجير الرابع من أغسطس.

بعد العرض الذي تم تقديمه في مسرح المدينة، يتم التحضير حالياً لسلسلة عروض في ألمانيا وباريس وبروكسل ولشبونة.

المزيد من مسرح