ملخص
تواجه القوات الحكومية في مديرية المقاطرة بمحافظة لحج تصعيداً عسكرياً ومحاولات تقدم حوثية باتجاه مواقع إستراتيجية، وسط استمرار المواجهات بمشاركة قوات العمالقة ودرع الوطن وإسناد جوي.
تشهد مديرية المقاطرة، شمال محافظة لحج، تطورات عسكرية متسارعة، مع استمرار المواجهات بين القوات الحكومية وجماعة الحوثيين في عدد من المناطق والمرتفعات، بالتزامن مع تحركات ميدانية ومحاولات تقدم باتجاه مواقع حاكمة وممرات إستراتيجية.
وتخوض القوات الحكومية، بمشاركة وحدات من ألوية العمالقة وقوات درع الوطن، مواجهات في مناطق متفرقة من المديرية، في مسعى إلى احتواء التصعيد والتصدي للتحركات الحوثية التي شهدتها الجبهة خلال الساعات الماضية.
وقال مدير عام مديرية المقاطرة، جمال شمسان، إن المواجهات لا تزال مستمرة في مناطق المحلة ونجيشة والأشاهبة، وكذلك في محيط سوق الربوع، مشيراً إلى رصد محاولات تسلل باتجاه منطقة محمية أرف، في ظل استمرار الاشتباكات ومشاركة الطيران الحربي في استهداف مواقع الحوثيين.
وأوضح شمسان في حديث خاص إلى "اندبندنت عربية" أن التطورات الميدانية امتدت إلى منطقة زريقة الشام، وتحديداً منطقة الجمرك، حيث تمكن الحوثيون من التقدم والوصول إلى نقيل المسيود، المحاذي لمنطقة المجزاع التابعة لمديرية المضاربة ورأس العارة.
وتعكس هذه التطورات طبيعة المعركة التي تشهدها المقاطرة، حيث تسعى القوات الحكومية إلى التعامل مع تحركات عسكرية تستهدف المرتفعات والمواقع المشرفة على الطرق والمنافذ، وهي مواقع تكتسب أهمية كبيرة في تحديد مسارات المواجهة وخطوط الانتشار العسكري.
تشهد منطقة قلعة المقاطرة التاريخية بمحافظة #لحج جنوب #اليمن مواجهات عنيفة بين القوات الحكومية وميليشيا الحوثي، إثر هجمات متكررة وقصف مدفعي استهدف مواقع في المنطقة وقرى سكنية، وسط تقارير عن سقوط قتلى وجرحى في صفوف المتقاتلين وتضرر منازل مدنية #نكمن_في_التفاصيل https://t.co/aF75pfhTp6
— اندبندنت عربية (@IndyArabia) November 1, 2026
وفي معرض حديثه عن أسباب التغيرات الميدانية، أشار شمسان إلى أن انسحابات قوات محور طور الباحة من مواقع عدة كانت ضمن نطاق عملياتها أسهمت في إيجاد فراغات عسكرية، استغلها الحوثيون للتقدم والسيطرة على بعض التباب والمرتفعات الحاكمة.
وانتقد شمسان مستوى التنسيق العسكري بين الوحدات والتشكيلات الموجودة في مسرح العمليات، ورأى أن وصول قوات العمالقة ودرع الوطن جاء متأخراً، وأن طبيعة انتشارها في بطون الأودية لم تكن كافية لمواجهة واقع ميداني تتحكم فيه المرتفعات والتباب الإستراتيجية.
وتكشف هذه المعطيات عن أهمية إعادة تقييم الانتشار العسكري، وتوحيد الجهود بين التشكيلات الحكومية، بما يضمن تأمين المواقع المرتفعة والطرق الحيوية، وتفادي الثغرات التي يمكن أن تستغلها الجماعة لتحقيق مزيد من التقدم.
ومع استمرار المواجهات في أكثر من محور، لا تبدو المعركة قد وصلت إلى نهايتها، إذ لا تزال التحركات العسكرية ومحاولات التسلل قائمتين، فيما تظل حماية المواقع الحيوية ومنع اتساع نطاق التقدم الحوثي من أبرز التحديات المطروحة أمام القوات الحكومية.
تاريخ المقاومة في مواجهة الحرب
وفي تطور لافت يعكس حجم التحولات التي شهدتها الجبهة، تمكن الحوثيون مساء أمس الأحد من الوصول إلى قلعة المقاطرة التاريخية والسيطرة عليها، في حدث أثار اهتماماً واسعاً بالنظر إلى القيمة التاريخية والرمزية التي تحتلها القلعة في ذاكرة أبناء المنطقة.
أكد مدير عام المديرية جمال شمسان سقوط القلعة، مشيراً إلى أن الوصول إليها ليس أمراً سهلاً، نظراً إلى طبيعة تضاريسها الجبلية الوعرة ومسالكها التي تتطلب الصعود والتسلق على الأقدام، فضلاً عن صعوبة إيصال الأسلحة والمعدات إليها، غير أن هذه السيطرة الميدانية لا تختزل أهمية القلعة في بعدها العسكري، ولا تنتقص من مكانتها التاريخية التي ارتبطت بمحطات بارزة في مقاومة الحكم الإمامي والاستبداد السياسي في اليمن.
تعرف القلعة أيضاً باسم "سودان"، وهي من أبرز التكوينات الجبلية الطبيعية في المقاطرة، وقد اكتسبت عبر الزمن حضوراً خاصاً في الموروث الشعبي والتاريخ السياسي للمنطقة، بوصفها حصناً طبيعياً وملاذاً للمقاومين في مراحل مختلفة.
وتعود أبرز محطاتها التاريخية لعشرينيات القرن الماضي، عندما لجأ إليها ثوار المقاطرة خلال انتفاضتهم ضد حكم الإمام يحيى حميد الدين، في واحدة من التحركات الشعبية الباكرة التي عكست رفض اليمنيين للاستبداد الإمامي.
يقول الباحث عمار زعبل، إن القلعة اكتسبت رمزية تاريخية وشعبية جعلتها مرتبطة بالأحداث السياسية التي شهدها اليمن، ولم تكن مجرد مرتفع جبلي أو تكوين جيولوجي، بل شكلت حصناً طبيعياً للإنسان في محيطها، خصوصاً خلال فترات الثورات والمواجهات.
ويرى زعبل أن طبيعة القلعة الجغرافية منحتها أهمية دفاعية في زمن الثورات، حين كانت المرتفعات الوعرة تشكل ملاذاً للمقاومين، وتوفر لهم الحماية من القوات التي كانت تواجه صعوبة في الوصول إلى تلك المواقع.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
ومع اختلاف طبيعة الحروب الحديثة وأساليب القتال، لم تعد القلعة قادرة على أداء الدور الدفاعي الذي اضطلعت به في مراحل تاريخية سابقة، إلا أن ذلك لا يقلل من قيمتها بوصفها شاهداً على تاريخ المقاومة الشعبية في المنطقة.
ويحذر زعبل من تعريض هذا المعلم التاريخي للتدمير أو العبث، مؤكداً أن القلعة ليست ملكاً لطرف سياسي أو عسكري، بل هي إرث تاريخي وثقافي لأبناء المقاطرة واليمن عموماً، مشيراً إلى أن القلعة لم تحظَ بالاهتمام اللازم لتحويلها إلى مزار سياحي وتاريخي، على رغم ما تمتلكه من مقومات طبيعية وتراثية، إذ يتطلب الوصول إليها وتطوير محيطها توفير إمكانات ومشاريع بنية تحتية، وفي مقدمها الطرق والخدمات الأساسية.
تتميز الأودية المتفرعة من محيط القلعة بوجود مقومات زراعية ومائية، لكنها لا تزال تعاني نقصاً في الخدمات، مما يحرم المنطقة من الاستفادة من إمكاناتها السياحية والزراعية.
هكذا، تظل قلعة المقاطرة حاضرة في الذاكرة الوطنية باعتبارها رمزاً لمقاومة الظلم والاستبداد، وهي دلالة تتجاوز التحولات العسكرية الراهنة، وتؤكد أن قيمة المواقع التاريخية لا تقاس بمن يسيطر عليها في لحظة من لحظات الحرب.
تضاريس تتحكم في مسار المعركة
تنبع أهمية مديرية المقاطرة من موقعها الجغرافي شمال محافظة لحج، وتضاريسها الجبلية التي تتداخل فيها المرتفعات والوديان والممرات الطبيعية، فضلاً عن اتصالها بمناطق ومديريات مجاورة في لحج وتعز، وتشكل طبيعتها الجغرافية أحد أبرز العوامل التي تمنحها أهمية عسكرية، إذ تنتشر فيها مرتفعات وتباب تشرف على مساحات واسعة من المناطق المحيطة، وتتحكم بعض مواقعها في طرق الحركة والانتقال بين القرى والمناطق المجاورة.
وتبرز أهمية هذه المواقع في المواجهات الحالية، حيث لا تتعلق المعركة بالسيطرة على التجمعات السكانية وحدها، بل تمتد إلى المرتفعات التي تمنح من يسيطر عليها قدرة أكبر على المراقبة والتحكم بالممرات والطرق الحيوية.
موقع المقاطرة واتصالها بمناطق المضاربة ورأس العارة وطور الباحة يجعلها جزءاً مهماً من المشهد العسكري شمال لحج، ويمنح أي تغير في خطوط السيطرة داخلها انعكاسات تتجاوز حدود المديرية.
إلى جانب أهميتها العسكرية، تتميز المقاطرة ببيئتها الجبلية وأوديتها الزراعية وقراها المتناثرة، فضلاً عن رصيدها التاريخي والثقافي، الذي يجعلها واحدة من المناطق ذات الخصوصية في محافظة لحج.
ومن هنا، فإن استعادة الاستقرار في المديرية لا تتوقف عند معالجة الوضع العسكري وحسب، بل ترتبط أيضاً بضرورة إعادة تفعيل الخدمات والمشاريع التنموية، وتحسين الطرق، وتوفير مقومات الحياة للسكان.
السلطة المحلية تتابع الأوضاع
في موازاة التطورات العسكرية، تتفاقم الأوضاع الإنسانية في المناطق المتأثرة بالمواجهات، مع اضطرار عدد من الأسر إلى مغادرة قراها ومنازلها هرباً من القصف والاشتباكات، في ظل مخاوف من اتساع نطاق النزوح إذا استمر التصعيد.
وقال مدير عام المقاطرة جمال شمسان إن الوضع الإنساني صعب، وبعض الأسر اضطرت إلى النزوح نحو محافظتي لحج وعدن، نتيجة المواجهات والضربات التي طاولت مناطق سكنها، وأوضح أن وصول المساعدات إلى المناطق التي أصبحت تحت سيطرة الحوثيين بات أكثر صعوبة، مما يضاعف معاناة السكان الذين ظلوا في قراهم، ويحد من قدرة السلطة المحلية على التدخل المباشر لتلبية حاجاتهم.
وأضاف أن السلطة المحلية كانت قد طلبت إعداد كشوفات بالأسر المحتاجة قبل التطورات العسكرية الأخيرة، لكنها لا تزال تتابع استكمال تلك الكشوفات، تمهيداً لتوفير السلال الغذائية والمساعدات الإنسانية الضرورية.
أشار شمسان إلى أن محافظ لحج مراد الحالمي يتابع الأوضاع الأمنية والإنسانية في المديرية، ويبدي اهتماماً بتوفير ما يمكن من الدعم والمساعدات للمتضررين، في ظل الظروف الاستثنائية التي تمر بها المنطقة.
وفي رسالة إلى أبناء المقاطرة، أكد شمسان أن السلطة المحلية تقف إلى جانب المواطنين، وأنها دائمة التواصل مع قيادة المحافظة لتأمين ما يمكن توفيره من حاجاتهم، معرباً عن أمله في أن تنجلي هذه الظروف وتعود الأوضاع لما كانت عليه قبل اندلاع المواجهات.
ودعا القيادات السياسية والعسكرية إلى إجراء مراجعة شاملة لأداء الوحدات العسكرية، وتقييم أسباب الانسحابات التي أسهمت في تمكين الحوثيين من السيطرة على بعض المواقع في المقاطرة ومناطق أخرى، والعمل على معالجة الاختلالات وتعزيز التنسيق والانتشار الميداني.
معركة الأرض وذاكرة المقاومة
بينما تتواصل المواجهات على مرتفعات المقاطرة ومحيط سوق الربوع، تبرز الحاجة إلى معالجة الاختلالات العسكرية وتوحيد الجهود الميدانية، بما يساعد القوات الحكومية على احتواء التصعيد وحماية المناطق السكنية والطرق الحيوية.
ولا يمثل ما شهدته المديرية مجرد تطور عسكري عابر، بل يعيد تسليط الضوء على أهمية هذه المنطقة في معادلة الأمن والاستقرار شمال لحج، وعلى ضرورة التعامل مع جبهتها باعتبارها مساحة إستراتيجية تتطلب تنسيقاً عسكرياً أكثر فاعلية واستعداداً يتناسب مع طبيعة تضاريسها.
أما قلعة المقاطرة، التي احتضنت ثواراً ومقاومين في مرحلة مفصلية من تاريخ اليمن، فستظل رمزاً يتجاوز حدود السيطرة العسكرية الراهنة. ويشير الباحث عمار زعبل، إلى أنها ستبقى شاهداً على مقاومة الاستبداد والظلم، وإرثاً تاريخياً ينبغي حمايته من تداعيات الحرب.
وفي نهاية المطاف، لا تتعلق معركة المقاطرة بالمرتفعات والطرق وحدها، بل بمستقبل سكانها وحقهم في الأمن والاستقرار، وبحماية تاريخ منطقة ظلت حاضرة في ذاكرة المقاومة اليمنية، مهما تبدلت موازين الصراع على أرضها.