ملخص
من منظور القوة الشرائية، لا العمال أسوأ حالاً، ولا هم أفضل حالاً، مما كانوا عليه عندما تولى ترمب منصبه في يناير 2025.
عشية الانتخابات التي ستحدد ما إذا كان الحزب الجمهوري الذي ينتمي إليه الرئيس الأميركي دونالد ترمب سيحتفظ بالسيطرة على الكونغرس، ينصب اهتمام الناخبين على الاقتصاد، إذ تشكل الأسعار المرتفعة والآخذة في التزايد قضية رئيسة، في حين يحمل كثيرون سياسات الرئيس، لا سيما الرسوم الجمركية والحرب على إيران، مسؤولية التضخم المستمر.
باختصار، يملأ التشاؤم الأميركيين، غير أن الأرقام تروي قصة أكثر تعقيداً، فبالنسبة إلى الجوانب الإيجابية، يظل معدل البطالة منخفضاً بمقاييس تاريخية، وعدد العاملين أكثر من أي وقت مضى، والنمو الاقتصادي الإجمالي قوي، وكان ازدهار الاستثمار في الذكاء الاصطناعي - حتى وقت قريب - يدفع سوق الأسهم إلى الارتفاع، مما يعزز مدخرات التقاعد لملايين الأشخاص.
وفي المقابل، يأتي التضخم ليحد من هذا الزخم، فعلى رغم أنه أقل بكثير من مستوياته قبل بضعة أعوام فقط، فإنه لا يزال مرتفعاً وحاضراً في الحياة اليومية بما يكفي لأن يشعر الناس بوطأته في كل مرة يملأون فيها خزانات سياراتهم بالوقود أو يسددون فاتورة أو يطلبون وجبة.
وعلى رغم أن اسم ترمب ليس على قوائم المرشحين في انتخابات الثالث من نوفمبر (تشرين الثاني) الجاري، يضع الناخبون سجله الاقتصادي في الحسبان وهم يتوجهون إلى صناديق الاقتراع، والمزاج العام متشكك، إن لم يكن شديد الاستياء.
اقتصاد يثير التذمر
تظهر استطلاعات المستهلكين أن المزاج العام تدهور عموماً منذ بدء ولاية ترمب الثانية في يناير (كانون الثاني) 2025، وإن كانت الصورة لا تخلو من بعض التباين، إذ تحسن في أكتوبر (تشرين الأول) الماضي أحد المقاييس التي تحظى بمتابعة واسعة للثقة، وينشره مجلس المؤتمرات الأميركي، في حين سجل مؤشر ثقة المستهلك لجامعة ميشيجان مستوى يقترب من أدنى مستوياته على الإطلاق.
وقال كبير الاقتصاديين في "أنيكس ويلث مانغمنت"، برايان جاكوبسن، إن مؤشر الثقة يتتبع الاقتصاد الكلي، بينما مؤشر المعنويات "شخصي بقدر أكبر"، إذ يسأل الناس عن أوضاعهم المالية ومدى قدرتهم على تحمل كلفة المعيشة، وأضاف "المعنويات هي المحرك الأكبر لنتائج الانتخابات، لكن الثقة هي المحرك الأكبر للأسواق".
وتستند إحدى الحجج الداعمة للثقة في الاقتصاد الكلي إلى وضع سوق العمل، فقد لا توظف الشركات كثيراً، ويواجه الخريجون الجدد صعوبة في العثور على وظائف، لكن الشركات لا تنفذ أيضاً عمليات تسريح جماعي، وطلبات الحصول على إعانات البطالة الأسبوعية قريبة من أدنى مستوى لها في 57 عاماً.
وبلغ معدل البطالة 4.2 في المئة في سبتمبر (أيلول) الماضي، ولم يسجل مستوى أعلى من 4.5 في المئة على مدى خمسة أعوام متتالية، وهي أطول فترة مسجلة، وتشعر الأسر بذلك.
ويقيس مجلس المؤتمرات الفجوة بين المستهلكين الذين يقولون إن الوظائف متوافرة بكثرة وأولئك الذين يقولون إنه يصعب الحصول عليها، واتسعت تلك الفجوة الشهر الماضي، مما يشير إلى تحسن التوقعات في شأن الوظائف.
وهناك أيضاً الدفعة الناتجة عن مكاسب سوق الأسهم التي ينبغي أخذها في الاعتبار، وسجلت مؤشرات الأسهم الأميركية الرئيسة عشرات المستويات القياسية المرتفعة هذا العام، كما يذكر ترمب كثيراً الحاضرين في تجمعاته، ويمتلك معظم الأميركيين بعض الأسهم، وإن كانت حيازات الأسر ذات الدخل المرتفع أكبر بكثير مقارنة بغيرها.
وساعد إنفاق الأسر ذات الدخل المرتفع، المدعوم بارتفاع قيمة حيازاتها من الأسهم، في دعم إنفاق المستهلكين، الذي كان محركاً قوياً للنمو الاقتصادي، وأظهرت بيانات الأسبوع الماضي أن الاقتصاد الأميركي نما بوتيرة سنوية بلغت 3.4 في المئة في الربع السابق، وهو أقوى أداء له هذا العام.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
وقال وزير الخزانة سكوت بيسنت لشبكة "سي أن بي سي" الأسبوع الماضي، "قد تكون استطلاعات المستهلكين قاتمة بعض الشيء، لكن سلوك المستهلك قوي للغاية"، وأضاف "أداء الشركات قوي للغاية بالفعل، وأعتقد أن لدينا مزيجاً جيداً جداً من السياسات الضريبية والتجارية وسياسات الطاقة والسياسة التنظيمية".
ويُعد الطلب المرتبط بالذكاء الاصطناعي محركاً رئيساً لكثير من المكاسب في سوق الأسهم والاقتصاد الحقيقي، إذ سجلت استثمارات الشركات نمواً بمعدل سنوي بلغ 12.7 في المئة خلال الربع الماضي.
"إعادة تقييم حادة"
مع ذلك، يحذر بعض الاقتصاديين من أوجه ضعف محتملة، وربما بدأت بوادرها في الظهور بالفعل.
ومع اقتراب انتخابات التجديد النصفي عززت موجة من نتائج أرباح الشركات، من شركات مثل "أمازون دوت كوم" و"إنتل"، المخاوف المتزايدة في شأن استدامة طفرة الإنفاق على الذكاء الاصطناعي، مما دفع مؤشرات مثل "ناسداك" المركب إلى الانخفاض الحاد.
وكتب كبير الاقتصاديين في "أبولو غلوبال مانغمنت"، تورستن سلوك، في مذكرة منتصف أكتوبر "قد تؤدي إعادة تقييم حادة لتوقعات الذكاء الاصطناعي إلى تقويض ثقة الشركات، وتقليص الإنفاق الرأسمالي، والضغط على نمو الناتج المحلي الإجمالي، في وقت تدفع فيه زيادة أسعار النفط والرسوم الجمركية وتشديد قيود الهجرة التضخم إلى الارتفاع، مما يزيد خطر الدخول في حال ركود تضخمي يتباطأ فيها النمو حتى مع استمرار ضغوط الأسعار".
وبصرف النظر عن مثل هذا السيناريو القاتم، سيقر أي اقتصادي أو مسؤول في مجلس الاحتياط الاتحادي (البنك المركزي الأميركي) بأن الإحباط من التضخم يتصدر اهتمامات كثير من الأسر. وعلى رغم تباطئه منذ ذروته في 2022، يظل التضخم أعلى بكثير من المعدل المستهدف البالغ اثنين في المئة، الذي يربطه مجلس الاحتياط بتحقيق مهمته المتمثلة في استقرار الأسعار.
وخلال معظم فترة ولاية ترمب الثانية في البيت الأبيض كانت الأجور تنمو بوتيرة أسرع من الأسعار، مما يعني أن أجور العاملين كانت تكفي لشراء الكمية نفسها من السلع والخدمات التي كانوا يشترونها من قبل، أو أكثر.
وتغير ذلك الوضع في وقت سابق من هذا العام بعدما شنت الولايات المتحدة وإسرائيل هجمات على إيران في ما تحول إلى حرب مستمرة منذ ثمانية أشهر تسببت في رفع أسعار الوقود عالمياً وأسهمت في تسارع الأسعار على نطاق أوسع.
ويقول صناع السياسات في مجلس الاحتياط واقتصاديون إن الطلب على الذكاء الاصطناعي يسهم أيضاً في تغذية التضخم، في حين بدأ نمو الأجور في التباطؤ.
أسعار المستهلكين
وتظهر بيانات مكتب إحصاءات العمل الأميركي أن أسعار المستهلكين ومتوسط الأجر في الساعة ارتفع كلاهما بنحو 5.5 في المئة منذ يناير 2025.
والخلاصة هي أنه من منظور القوة الشرائية، لا العمال أسوأ حالاً، ولا هم أفضل حالاً، مما كانوا عليه عندما تولى ترمب منصبه في يناير 2025.
ورفع البنك المركزي الأميركي سعر الفائدة في سبتمبر، ومن المتوقع أن يزيد كلفة الاقتراض مرة أخرى في ديسمبر (كانون الأول) المقبل، مما يوفر ما يسميه رئيس مجلس الاحتياط كيفن وورش "دواء نقدياً" لخفض التضخم من دون الحاجة إلى "عرقلة الاقتصاد وطرد الناس من وظائفهم".
وارتفعت كلفة الاقتراض الطويل الأجل، مما زاد من الضغوط المرتبطة بارتفاع كلفة المعيشة التي يقول الناخبون إنها تثقل كاهلهم.
وأصبح شراء المنازل أمراً بعيد المنال بالنسبة إلى كثير من الناس نتيجة تضافر عوامل من بينها ارتفاع معدلات الفائدة على قروض الرهن العقاري لأجل 30 عاماً لتتجاوز سبعة في المئة، ونقص المعروض من المساكن الذي رفع أسعارها.