Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

أسئلة الذات التونسية المنقسمة في مسرحية "11-14"

الوعي واللاوعي يتواجهان عبر الجسد والصوت والفضاء

من المسرحية التونسية "14 - 11" (خدمة الفرقة)

ملخص

يستند المخرج التونسي معز القديري في مسرحية "11-14" إلى نص "ذهان 4:48" لسارة كين، مقدماً الصراع النفسي في صورة مواجهة بين الوعي واللاوعي. ويعتمد العرض على أداء الممثلين والسينوغرافيا والمؤثرات الصوتية لتجسيد انقسام الذات وأسئلتها، في معالجة تفتح النقاش حول الألم النفسي وإمكانات مواجهته.

في مسرحية "11-14"، يحول المخرج التونسي معز القديري الصراع النفسي إلى مواجهة مرئية ومسموعة، تتقاسمها شخصيتان على الخشبة، في محاولة لفهم الذات حين تصبح أسئلتها الداخلية أثقل من قدرتها على الاحتمال. يستند العرض إلى نص "ذهان 4:48"للكاتبة البريطانية سارة كين، ويعيد بناء مادته المسرحية عبر تصور إخراجي يجعل الوعي واللاوعي طرفين في مواجهة تنكشف تفاصيلها من خلال الجسد والصوت والفضاء.

قُدّمت المسرحية ضمن الدورة الأولى لملتقى الوسط للمسرح في القيروان، وهي من إنتاج مسرح الأوبرا بتونس. ويقوم اختيار القديري على تحويل المادة الأصلية، التي ارتبطت بالمونودراما، إلى عرض يتقاسم فيه ممثلان بناء الشخصية وصراعها، بما يمنح التجربة النفسية صورة مسرحية قائمة على التوتر والتبادل.

مواجهة مسرحية

يؤدي هيثم المومني ومروان الميساوي شخصيتين تتداخلان في علاقتهما بالذات الواحدة، فتبدو المواجهة بينهما أقرب إلى حوار داخلي انقسم على نفسه. لا يتعلق الأمر بشخصيتين مستقلتين تماماً، بقدر ما يتعلق بقوتين تتجاذبان الوعي الإنساني، وتكشفان التناقض بين ما يعيه المرء عن نفسه وما يظل غامضاً أو عصياً على الفهم داخله.

بهذا الاختيار، يمنح العرض الصراع النفسي جسدين وصوتين، ويضع المتفرج أمام علاقة تتجاوز الحوار التقليدي بين الشخصيات. فكل حركة أو استجابة أو انقطاع في الكلام يمكن أن يفتح باباً على حالة داخلية تتغير باستمرار، فيما يصبح وجود الممثلين معاً وسيلة لتجسيد الانقسام الذي يصعب التعبير عنه بالكلمات وحدها.

وتكمن أهمية هذا التحويل في أنه ينقل الصراع من مستوى الاعتراف الفردي إلى فضاء المواجهة. فالذات هنا لا تتحدث بصوت واحد مستقر، وإنما تواجه ما يختبئ داخلها، وتختبر حدود قدرتها على فهم نفسها. ومن ثمّ، يغدو المسرح مجالاً لتمثيل ما يحدث في الداخل، ولجعل التوتر النفسي تجربة يشترك فيها الممثل والمتفرج.

سينوغرافيا العالم النفسي

يستند العرض إلى فضاء مفتوح ومحدود العناصر، معتمدا بالأساس على حركة الممثلين وتعبيرات الجسد. ويؤدي اللون الأبيض دوراً بصرياً في بناء هذا العالم، إذ يترك مساحة لحضور الأجساد ولتحولات الإضاءة والصوت، من دون أن يفرض على المتفرج تفسيراً واحداً لما يجري.أما السينوغرافيا، ، فتعمل ضمن هذا الاقتصاد البصري على إبقاء الانتباه موجهاً نحو الشخصيتين وما يتولد بينهما من توتر. ويصبح الفراغ المحيط بهما جزءاً من التجربة، فهو يتيح للحركة أن تتقدم، وللصمت أن يكتسب وزناً، وللصوت أن يغيّر الإحساس بالمكان.

في هذا السياق، تشارك المؤثرات الصوتية في بناء العالم النفسي للمسرحية. فمن نعيق الغراب إلى صوت القطار والمطر، مروراً بقطرات الماء وموج البحر وصوت الرياح، تتوالى أصوات تستحضر أجواء متباينة، وتقطع استقرار اللحظة المسرحية. وتتبدل الموسيقى، ، بين الهدوء والتصاعد الصاخب، فتواكب التحولات في إيقاع المواجهة وتمنح التوتر درجات مختلفة.

ولا تعمل هذه الأصوات بوصفها خلفية سمعية فحسب، إذ يمكن قراءتها باعتبارها امتداداً للاضطراب الذي تعيشه الشخصيات. فالغراب، مثلاً، يحيل في قراءة المخرج إلى قصة قابيل وهابيل والجريمة الأولى في البشرية، بينما تفتح أصوات القطار والمطر والماء المجال أمام انتقالات حسية تربك الحدود بين الواقع والتخيل. وهكذا يكتسب الصوت وظيفة درامية، ويصبح عنصراً مشاركاً في إنتاج المعنى، إلى جانب الأداء والفضاء والإيقاع.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

وتبرز هنا أهمية العلاقة بين الصمت والصوت. فالصمت يترك المواجهة مكشوفة أمام المتفرج، فيما يأتي الصوت ليقطعها أو يضاعف توترها. وبين الحالتين، يتشكل إيقاع نفسي يتقدم ويتراجع، بحسب طبيعة الحوار وتحولات الشخصيتين، لتصبح التجربة السمعية جزءاً أساساً من بناء العرض.

من حافة الانهيار إلى احتمال الحياة

تستمد "11-14" جانباً من أسئلتها من نص سارة كين "ذهان 4:48"، المرتبط بتجربة نفسية قاسية وبالتفكير في الألم والانهيار وإمكان الخلاص، لكن معالجة القديري لا تكتفي بنقل المادة الأصلية إلى الخشبة، بل تتدخل في مسارها، وصولاً إلى نهاية مختلفة عن النهاية المرتبطة بالانتحار في النص الذي استلهمه.

ويمنح هذا التغيير العرض أفقاً آخر في التعامل مع الشخصية وأزمتها. فبدلاً من أن يصبح المصير امتداداً حتمياً للألم، تتيح النهاية التفكير في إمكان مواجهة الذات والاعتراف بما تعيشه، وفي أن يظل الخروج من الأزمة احتمالاً يستحق الاختبار. ولا يعني ذلك أن العرض يقدم إجابة سهلة عن المعاناة النفسية، بل إنه يترك الصراع مفتوحاً على أسئلة الحياة والعلاقة بالآخر.ومن خلال هذه المقاربة، يبتعد العمل عن اختزال الألم في حالة فردية مغلقة، ويفتح مجالاً للتفكير في الطريقة التي نفهم بها الأزمات النفسية، وفي المسافة بين معاناة الإنسان وما يستطيع المحيطون به إدراكه منها. فالداخل الإنساني ليس مساحة شفافة حتى لصاحبه، والاعتراف بما يحدث فيه قد يكون بداية مواجهة طويلة، تتطلب الإصغاء والفهم أكثر مما تتطلب الأحكام الجاهزة.

في "11-14"، يصبح الوعي واللاوعي صورتين لصراع تتعدد مستوياته، فيما تمنح الخشبة هذا الصراع أجساداً وأصواتاً وإيقاعاً. وبين أداء الممثلين واقتصاد السينوغرافيا وتوظيف المؤثرات الصوتية، تتشكل تجربة تسعى إلى تقريب ما يصعب رؤيته، وإلى جعل الاضطراب الداخلي موضوعاً للفعل المسرحي.

هنا، لا تقتصر وظيفة المسرح على عرض الأزمة النفسية، بل تمتد إلى اختبار الكيفية التي يمكن بها تمثيلها وفهمها. وتظل المواجهة بين الشخصيتين، بما تحمله من توتر وتبدل، محاولة للاقتراب من الذات حين تنقسم على نفسها، وتبحث عن سبيل لاستعادة العلاقة مع الحياة.

اقرأ المزيد

المزيد من ثقافة