ملخص
احتفى معهد العالم العربي (باريس) بالشاعر اللبناني شوقي أبي شقرا، أحد رواد مجلة "شعر" وصاحب التجربة الشعرية الفريدة التي تصب في قلب الحداثة العربية.
تضمن الاحتفال بالشاعر شوقي أبي شقرا، في معهد العالم العربي، الذي حضره جمع من الشعراء والكتاب والمثقفين وأسرة الشاعر، معرضاً لمجموعة من الصور الفوتوغرافية المتعلقة بالشاعر ومجلة "شعر"، وأغراضاً شخصية كانت ملكاً للشاعر، وقدمت في الاحتفال مجموعة مختارة من الأفلام الوثائقية، التي تدور حول مسيرة الشاعر ومساره الشعري والصحافي، على شاشة صغيرة.
شارك في الاحتفال الكاتب والناشر فاروق مردم بيك، وتولى تقديم الشاعر أبي شقرا الشاعر والكاتب عيسى مخلوف، وتمت قراءة من شعره بالعربية (كليمانس أزانكور)، وبالترجمة الفرنسية (إيفان نافاي).
أما كلمة الشاعر عيسى مخلوف التي ألقاها بالفرنسية، في الاحتفال فجاء فيها "رحل شوقي أبي شقرا في الـ89 من عمره، لكن رحيله يشبه أحلامه، فـ"من يحلم يمتزج بالهواء"، كما يقول جورج شحادة.
دخل الشاعر مغامرة الحداثة من أفقين: القرية اللبنانية ومفرداتها، وبيروت يوم كانت مدينة تتلألأ بالانفتاح، وتتزين بألف لون.
أخذ كلمات القرية البسيطة إلى عوالم الخيال والحكاية، غربلها ونقاها، ثم نظم منها عقوداً من لؤلؤ الشعر، إنها حكاية طفولة رافقته كظله طوال حياته، وربما إلى ما بعدها، كتابة تندهش بنفسها قبل أن تنقل إلينا دهشتها، تلك أسطورته الخاصة، وغبطة الطفل الذي لم يعرف بعد مأساة العالم، وعندما كبر واكتشفها، تشبث بأطراف حلم منقذ، هكذا كان يتناول الكلمات، وينزع عنها قشورها حتى يبلغ النواة، بحثاً عن الانطباع الأول الذي بهره.
السخرية والعبث
كانت السخرية ملاذه الأخير، وطريقاً إلى أمكنة أكثر أماناً، وكان العبث أرحم من مصائر الكائنات التي تأتي وتمضي كالغيوم، لذلك استبدل مرايا الموت بحياة متخيلة، لا تشبه الواقع المأسوي، ولا هذه الحياة التي نعرف مآلها سلفاً، من البداية إلى النهاية.
في هذا الفضاء الشعري المفتوح على الاحتمالات كلها، تتساكن عناصر الطبيعة، يتجاور العصفور والحصان، السنجاب والسنبلة، الغيمة والقديسة، الواحة والعشبة، الحبق والفجل، وسائر الأشياء البسيطة في الحياة، قبل أن تغادر الحلم.
شوقي أبي شقرا من الشعراء الذين يجعلون الكلمات ترقص مثلما ترقص ذرات الكون، ويجعلونها صندوق الفرجة الذي لا يزال يدهش، وذلك على رغم فيزياء الكم، ومن التكنولوجيا وذكائها الاصطناعي، وفتوحاتها المذهلة التي كثيراً ما تسبق الحدس الشعري نفسه، فتكشف لنا ولادة النجوم وموتها، وتأخذنا إلى أعماق الفضاء البعيد بحثاً عن النطفة الأولى.
يحيلني شعر شوقي أبي شقرا إلى منحوتات ألكسندر كالدر وبساطة أشكالها القريبة من رسوم الأطفال، أشكال تبدو عفوية في ظاهرها، لكنها تعكس حرية إبداعية شبيهة بتلك التي يتمتع بها الأطفال بالسليقة، وفيها خفة وطاقة في آن، لأنها تنتمي إلى عالم اللعب بقدر ما تنتمي إلى عالم الفرح، ومن هنا تحديداً، يمكن التقاط حالات مركبة بمعجم بسيط، وبكلمات أنهكها الاستعمال اليومي، فإذا بها تستيقظ فجأة في ضوء جديد.
إنه ذلك الطفل المسحور الذي سحرنا بكلمات قطفها من أرض لبنان ومن حكايات ريفه، وحملها إلى ما وراء المساحات الضيقة، نحو ذلك البرق الذي يمهر السماء بتوقيعه قبل أن يختفي، وذلك اللبنان الذي أحبه وأدهشه هو من طينة أخرى لن تحرق أجنحتها نيران الحروب.
عاد شوقي أبي شقرا إلى المكان الذي جاء منه، متوجاً بـ"تاج فتى الهيكل"، و"صلاة الاشتياق على سرير الوحدة"، "هو المسحور الذي سحرنا، سلاماً له، لجسده الآفل، ولأحلامه التي لا تموت".
الشاعر شوقي أبي شقرا من مواليد عام 1935، توفي في بيروت عام 2024. ويعد من أبرز رموز الحداثة الأدبية العربية، كان أحد أعمدة مجلة "شعر"، وهي مجلة طليعية أسسها في بيروت عام 1957 الشاعر يوسف الخال، وقد تولى فيها أمانة التحرير، ونشر، إلى جانب قصائده، ترجمات لبعض كبار الشعراء الفرنسيين، مثل رامبو ولوتريامون وأبولينير وبيار ريفردي.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
ومنذ مجموعته الشعرية الأولى "أكياس الفقراء" تميز بنضارة لغته وحداثتها. تتميز قصيدته الفريدة بابتكاراتها اللفظية، وتدفع باللغة العربية نحو الحداثة، مع بقائها متجذرة في تراثها اللبناني، ويندرج شعره في رؤية سوريالية رحبة، تتشابك فيها الصور غير المألوفة والتآلفات اللفظية الجديدة تماماً.
أصدر شوقي أبي شقرا أكثر من 21 مجموعة شعرية، تمثل تجربة حداثية منفتحة على الفانتازيا والغنائية والتشكيل اللغوي والصوري، وعلى معجم طبيعي لبناني.
كان شوقي أبي شقرا، بالتوازي، رائداً في الصحافة الثقافية في لبنان والعالم العربي، فهو التحق بصحيفة "النهار" عام 1964، ورسخ فيها صفحة ثقافية مخصصة للنقد الأدبي والفني، وكانت الأولى من نوعها.
وخلال مسيرته الصحافية، التي امتدت قرابة 50 عاماً، ظل مبتكراً في الصحافة كما كان في الشعر، وترك بصمته الهادئة على مواده الصحافية بأسلوبه الفريد.