Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

ما سر التقارب بين "العدالة والتنمية" و"الأصالة والمعاصرة" في المغرب

"اللقاء التشاوري بين الحزبين يأتي في سياق تقدير القيادتين حاجتهما لبعضهما البعض"

يقول محللون إن حزب العدالة والتنمية في ظل قيادة سعد الدين العثماني يشعر كما لو أنه في عزلة سياسية (رويترز)

في خطوة مفاجئة، أعلن حزب العدالة والتنمية (ذو المرجعية الإسلامية)، وحزب "الأصالة والمعاصرة"، عن اجتماع قيادتيهما بمقر الحزب الإسلامي في العاصمة المغربية الرباط، الذي شكّل في "إطار التواصل المنتظم مع الأحزاب السياسية الوطنية، فرصةً لتبادل الرأي والتشاور في شأن مجمل المستجدات التي تطبع الراهن الوطني".

واعتُبر الحزبان على مدى سنوات غريمين سياسين متعارضين، كان كل واحد منهما يؤكد استحالة التحالف مع الحزب الآخر نظراً لعمق العداء السياسي بينهما.

لب الخلاف 

تأسس حزب الأصالة والمعاصرة في صيف عام 2008، وحسب وثيقته التأسيسية، فإنه "نشأ على قناعة جوهرية بكون النسق الحزبي في المغرب يشكو من التشتت وضعف الانسجام. ويعتبر الحزب أن المعيقات المتمثلة في استشراء الفساد والهشاشة والتفاوت الاجتماعي، وبروز مظاهر التطرف، والتوظيف السياسي للدين الإسلامي، تعتبر معيقات مقلقة". ورسخت هذه الجملة الأخيرة لما كان يتم تداوله وقت إنشاء الحزب أن الهدف غير المعلن من قيامه هو قطع الطريق على الإسلاميين للوصول إلى الحكم والعمل على تراجع نفوذهم، إلا أن رياح ما يسمى "الربيع العربي" جاءت بعكس ما تشتهي سفن الحزب، حيث حصل "العدالة والتنمية" على المرتبة الأولى في الانتخابات التشريعية لعام 2011، وهي المرة الأولى في تاريخ المغرب التي يحقق فيها حزب إسلامي الفوز في الانتخابات ويقوم بقيادة ائتلاف حكومي.

ساعدت رمزية ارتباط إنشاء حزب الأصالة والمعاصرة بـ"صديق الملك"، فؤاد عالي الهمة، الذي يعمل حالياً مستشاراً للعاهل المغربي، على اكتساحه الساحة السياسية في وقت وجيز، إلا أن تهمة إفساد الحياة السياسية لم تنفك ترتبط به.

يشير محمد مصباح، الباحث في علم الاجتماع السياسي في تحليل نشرته مؤسسة "كارنيغي" في وقت سابق، إلى أن حزب الأصالة والمعاصرة - الذي أسسه فؤاد عالي الهمة الوزير المنتدب السابق في الداخلية، حيث كان مكلفاً قضايا الأمن بصفة غير رسمية - يسعى إلى ترميم صورته التي تضررت خلال عام 2011 بعد اتهامات بإفساد الحياة السياسية، هذا الترميم يتم من خلال الظهور بوجه أكثر نضجاً ومسؤولية في تعامله مع حزب العدالة والتنمية الذي يقود الحكومة، مقارنة مع أحزاب المعارضة الأخرى، لا سيما حزبا الاستقلال والاتحاد الاشتراكي، اللذان تبنيا نزعة هجومية ضد الحزب الحاكم في الآونة الأخيرة، معتبراً أن "مصادر قوة حزب الأصالة والمعاصرة ترجع إلى ارتباط تأسيسه بفؤاد عالي الهمة، الذي اعتبره البعض الصدر الأعظم للعهد الجديد، ويسنُد هذا التصور أيضاً من الناحية العملية تمكّن الحزب في غضون شهور قليلة من تأسيسه في عام 2008 من تكوين أكبر كتلة في البرلمان، وذلك بفضل استقطاب عشرات البرلمانيين من أحزاب أخرى في ظاهرة تُعرف في المغرب بـ"الترحال السياسي"، إلا أن هذه الممارسة - الترحال السياسي - حُظِرت في دستور 2011"، مضيفاً أن" الحزب استطاع اكتساح الانتخابات البلدية في عام 2009 بنحو 21 في المئة من المقاعد (بالمقارنة مع 7 في المئة فقط لحزب العدالة والتنمية)، بعد ضم عدد كبير من أعيان البوادي والقرى التي تشكل خزاناً انتخابياً مهماً للأحزاب الإدارية، إضافة إلى اتهامات لوزارة الداخلية بـ"تعبيد الطريق" للحزب عن طريق تعبئة الأعيان والمسؤولين المحليين وإحداث حركة انتقالية في صفوف بعض الولاة والعمال المقربين من الحزب".

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

ويشير مصباح إلى أن "احتجاجات عام 2011 علّقت مؤقتاً طموحات الحزب، فقد رفعت حركة 20 فبراير (شباط) شعارات تطالب بإبعاد بعض رموزه الذين يُعتبرون مقرّبين من القصر، ومحاسبتهم على إفساد الحياة السياسية، وقد أذعن فؤاد عالي الهمة لضغوط الشارع، فكانت النتيجة استقالته من الحزب في مايو (أيار) 2011، وعودته إلى المربع الملكي، وهو الأمر الذي أدى إلى استقالات ونزيف تنظيمي كادت تفجّر هذا الحزب الوليد من الداخل وتقضي عليه في المهد"، موضحاً أن حزب الأصالة والمعاصرة، سعى تحت وقع الضربات الموجعة التي تلقاها خلال عام 2011، إلى إعادة ترتيب بيته الداخلي وإعادة جدولة أولوياته، فبعدما شكّلت المواجهة مع "العدالة والتنمية: سلم أولوياته في المرحلة الأولى من تأسيسه، تم الانكفاء بعد ذلك على البناء التنظيمي، إضافة إلى تقوية الإشعاع الخارجي للحزب، مع العمل على التنسيق مع المعارضة من دون الظهور على خط المواجهة.

ويخلص مصباح إلى أن "حزب الأصالة والمعاصرة يبقى لاعباً احتياطياً ذا دلالة للقصر يمكن تنشيطه مرة أخرى لترتيب المشهد السياسي سواء على مستوى الأغلبية الحكومية أو المعارضة الحزبية، باعتبار أن تلجيم الإسلاميين ما زال مطلباً ملحاً للمحيط الملكي من جهة، وباعتبار عدم رضا القصر عن منهجية اشتغال حزبي المعارضة الرئيسين، حزب الاستقلال والاتحاد الاشتراكي، ونوعية نخبهما السياسية".

دواعي التقارب

يُرجع محللون التقارب بين حزبي الأصالة والمعاصرة والعدالة والتنمية إلى وجود حاجة متبادلة لبعضهما، باعتبارهما يعيشان نفس الوضعية، ونظراً لوجود قيادتين منفتحين، الأمر الذي لم يكن ممكناً خلال ترأس عبدالإله بنكيران للحزب الإسلامي، الذي كان متشبثاً بعدم فتح أي باب للتفاوض أو للتعاون مع حزب الأصالة والمعاصرة. 

ويعتبر المحلل السياسي المغربي، بلال التليدي، أن اللقاء التشاوري بين الحزبين يأتي في سياق تقدير القيادتين حاجتهما لبعضهما البعض، باعتبار أن حزب العدالة والتنمية في ظل قيادة سعد الدين العثماني يشعر كما لو أنه في عزلة سياسية ويريد فك تلك العزلة بالتشاور مع حزب الأصالة والمعاصرة، ويتضرع بأن التغير الذي وقع في قيادة هذا الأخير هو الذي جعله يغير موقفه، مشيراً إلى أنه "بالنسبة لحزب الأصالة والمعاصرة، فعلى الرغم من المبادرات التي قام بها زعيمه عبداللطيف وهبي من أجل البحث عن شرعية جديدة للحزب، ومن أجل تسوية خطيئة النشأة، بالتالي طي صفحة الماضي، فإن الرسائل الموجهة له من جانب الطيف السياسي لم ترجح ذلك التوجه"، بخلاف خطوة حزب العدالة والتنمية التي يعتبرها التليدي مكسباً كبيراً لكونه على الأقل جدّد شرعية غريمه السياسي وفتح له الحزب الإسلامي صفحة جديدة.

ويشير التليدي إلى أن هذا التقارب هو بمثابة حزب غريق، يستشعر عزلته السياسية، ويستنجد بحزب آخر غريق لكي يبعث برسالة للنخب العليا أن ما يضمن وجود مستقبل أفضل للمغرب هو مواصلة وجود حزب العدالة والتنمية في الحكم بالتحالف مع شريك كان مقاوماً من السابق من طرف الحزب الإسلامي.  

براغماتية سياسية 

يشير المحلل السياسي المغربي، رشيد لزرق، إلى أن حزب العدالة والتنمية يبدي مقداراً من البراغماتية السياسية، في محاولة منه لفك أي محاولة لتطويقه، في حين يبحث حزب الأصالة والمعاصرة  عن موقع سياسي في الحكومة القادمة، تنقذه من الموت السياسي، معتبراً أن القاسم المشترك بين قيادتي الحزبين أنهما من دون قوة سياسية.

ويعتبر لزرق أن تنسيق الحزبين هو عنوان لإنهاء مرحلة الاستقطاب الأيديولوجي، ومراجعة حسابات كل طرف، وكذلك إبداء مقدار من البراغماتية السياسية في ضوء المستجدات السياسية الحالية في انتطار المشهد الذي ستنتجه الانتخابات المقبلة المزمع إجراؤها في سبتمبر (أيلول) المقبل، بالتالي لمن ستؤول زعامة الحكومة.

مكاسب متعارضة

ويعتبر المحلل بلال التليدي أن الكاسب الأكبر من ذلك اللقاء التشاوري هو حزب الأصالة والمعاصرة الذي يعيش حالة عزلة تامة، ويدرك أن قدرته الانتخابية محدودة جداً، والرهان عليه أصبح شبه منعدم، بالتالي هو يرغب في إعطاء الانطباع بأنه حزب قوي، وأنه يمكن أن يلعب أدواراً كبيرة في الساحة السياسية، وأن ما لم يكن مسموحاً به في السابق بسبب تعنت القيادة السابقة لحزب العدالة والتنمية أصبح الآن ممكناً، وأنه حقق ما لم تحققه قيادته السابقة؛ أي إحراز تحالف بين الغريمين السابقين.

في المقابل، يشير التليدي إلى محدودية مكاسب حزب العدالة والتنمية من تحالفه مع حزب الأصالة والمعاصرة، في ظل احتمال تعزيز ذلك لتناقضاته الداخلية، وذلك نظراً لوجود شريحة واسعة داخل الحزب لا تتفهم مبررات هذا التقارب ودواعيه، وتعتبر أن تلك الخطوة غير مدروسة بما فيه الكفاية في تنظيماته الداخلية، وأن القيادة قد استعجلت الأمر كما لو كانت تنفذ أجندة مغايرة لأجندة الحزب الداخلية، وأن ما تتطلع إليه هو فك عزلتها وإقناع النخب العليا بضرورة البقاء في موقع الحكم، وأن القيادة السابقة التي قاومت حصول تحالف كان مرجواً في تلك الفترة بين الحزبين انتهت وحلت محلها قيادة جديدة مرنة ناعمة تستطيع إقامة تحالف الذي كان ممنوعاً سابقاً، وأن ذلك هو عنوان المستقبل السياسي.

المزيد من تقارير