Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

عمر خليفة يحول الصمت إلى أداة أيديولوجية في مواجهة الخسارة

رواية "قابض الرمل" تعتمد تقنية كتم المعلومات داخل لعبة السرد

لوحة للرسام أنس سلامة (صفحة الرسام على فيسبوك)

"لماذا يرفض فلسطيني أن يحكي قصة تهجيره سنة النكبة؟" سؤال واحد يطرحه الكاتب والباحث والأستاذ الجامعي المتخرج في جامعة كولومبيا - نيويورك عمر خليفة في روايته الأولى "قابض الرمل" (الأهلية للنشر والتوزيع، 2020). سؤال واحد يظهر في الصفحة 59 من السرد ويحرك الرواية ويشكل جوهر الحبكة وأساس الفضاء السردي الذي تتطور فيه الأحداث. لماذا قد يرفض رجل فلسطيني عجوز شهد النكبة أن يخبر قصته وأن يشرك القارئ في ذكرياته؟

لقد اعتاد القارئ العربي أن يتابع أدب النكبة أو أدب القضية الفلسطينية منذ عام 1948 بألم وحرقة، اعتاد القارئ العربي توقع الذكريات الموجعة واليوميات المؤلمة التي وحدهم الفلسطينيون يملكون مفاتيحها وحقائقها، ولكن ماذا لو اختار رجل فلسطيني الصمت؟ ماذا لو كانت المسألة معكوسة؟ ماذا لو وجد القارئ العربي نفسه أمام رجل فلسطيني يرفض الكلام: "لدينا حالة مدهشة الآن. عجوز فلسطيني يزوره صحافيون فلسطينيون يرغبون في معرفة قصته مع النكبة فيرفض أن يتحدث ويشتمهم". (ص69)

وليس صمت رجل عمر خليفة مضارعاً لصمت رجال غسان كنفاني في رائعته "رجال في الشمس". فبينما صمت رجال كنفاني في الخزان هو صمت الرغبة في الخلاص والإيمان بالقدرة على مواصلة الجهاد، صمت شخصية عمر خليفة هو صمت العجز وفقدان الأمل والشعور بعبثية الأشياء. "ضاعت فلسطين". فعل وفاعل يشكلان أبسط الجمل في اللغة العربية ويملآن صفحات وأياماً وذكريات. جملة من كلمتين أهلكت الرجال والنساء والأحلام، فيقول الراوي مفنداً هذا الصمت: "إن النكبة بالنسبة له هي أن فلسطين ضاعت وما عدا ذلك لا قيمة له". (ص25)

كتم المعلومة عن القارئ والشخصيات

لا يتوقع القارئ يوماً أن يقرأ رواية ترفض أن تسرد أو أن تقدم حبكة، فيقدم عمر خليفة نصاً قائماً على تقنية كتم المعلومة (paralipsis) التي يعرفها الناقد اللبناني لطيف زيتونة في مؤلفه "معجم مصطلحات نقد الرواية" قائلاً: "كتم المعلومة هو السكوت عن معلومة نتيجة تقدير الراوي أن القصة لا تحتاج إليها. والكتم يختلف عن الحذف. فالحذف استغناء عن المعلومة لعدم الحاجة إليها، وهو جزء من اقتصاد السرد، بينما الكتم هو تأجيل ذكر المعلومة، وهو جزء من حبكة النص". (ص136)

يختار عمر خليفة أن يكتم قصة الرجل الفلسطيني العجوز وأن يبني سرده حول هذا الصمت، صمت موجع أكثر من الكلام. وبهذا الصمت يجسد خليفة عمق نظرية الناقد الفرنسي لوسيان غولدمان الذي يصنف الأدب الجيد بأنه الأدب الذي يحمل رؤية إلى العالم (vision) ليكون صمت العجوز مرآة رؤيته الى الأمور. يتحول الصمت إلى طريقة تعامل الشخصية مع العالم، يصبح تجسيداً لرؤية العجوز الفلسطيني الذي شعر أن العالم "سرق" قصة فلسطين لكنه لم يغير في الواقع قيد أنملة. يصبح الصمت هو الرؤيا والنظرية وطريقة التعاطي الوحيدة المتاحة. لقد ضاعت فلسطين ولا كلام سيعيدها، شيء من العبثية المؤطرة بالشعور العميق بالفقد والضياع والتشتت، فيقول العجوز في موضع من السرد عندما يُطلب منه أن يتكلم ليعرف العالم حقيقة الظلم الواقع: "عرف العالم شو صار. وبعدين"؟

وعبر كتابة سردية ماهرة، يكتشف القارئ أن العجوز بصمته وعناده هو الوحيد الذي ظل على وفائه لفلسطين ولوجعها ولذاكرتها. فالصحافيون الفلسطينيون الذين يكثرون من الكلام والأسئلة، الصحافيون الذين يتكلمون بالقضية، يخون كل منهم فلسطين بطريقته ويتركها تضيع بإرادته طاعناً إياها بأمورها الرمزية الفولكلورية، فالقائد لا يعرف ألوان العلم الفلسطيني، والمترجمة لا تجيد طبخ المقلوبة وهي الطبخة الفلسطينية الشهيرة، والخائنة تتزوج يوم ذكرى النكبة، أما الخائن فتتحول فلسطين بالنسبة له هوساً ورديفاً لاكتشاف جسد امرأة فلسطينية.

 كتابة التشويق

يتوقع القارئ من باحث وأستاذ جامعي في إحدى أعرق الجامعات العالمية أن يكثر من الوصف والرصف والكلام المنمق، لكن عمر خليفة يفاجئ قارئه بتقنيات الكتابة المقتضبة المكثفة والمتماسكة. فيلتفت القارئ إلى أمرين اثنين في أسلوب الكاتب. أولاً، يختار عمر خليفة أن يسمي الشخصيات بصفاتها، فلا أسماء علم بل صفات، كمثل القائد والخائن والخائنة والمترجمة والحفيد... يختار الكاتب صفة بارزة من كل شخصية منذ بداية السرد ويحول هذه الصفة أو الخصلة إلى اسمها وعائلتها وهويتها.

ثانياً، يتلاعب الكاتب براويه بحنكة سردية لافتة، فهذه الرواية المؤلفة من أربعة أقسام قائمة على أربع تقنيات روائية مختلفة يختلف دور الراوي فيها مع التقدم بالسرد. فالقسم الأول قائم على تقنية تعدد الأصوات الروائية، فكل فصل من هذا القسم ترويه شخصية بضمير المتكلم ليكون نوعاً من التعريف بالشخصية وبعلاقتها بالرجل الفلسطيني العجوز، وبرأيها في مسألة صمته. أما القسم الثاني، فيبتعد فيه الراوي عن الشخصيات ويروح يروي موظفاً ضمير الغائب المحايد الذي يسير الأحداث من بعيد على الرغم من أن الراوي عليم وكلي المعرفة. أما القسم الثالث فيتحول السرد فيه إلى تقنية اليوميات ويختفي فيه صوت الراوي المباشر، ويمكن اعتبار هذا القسم الأكثر تشويقاً لأن فيه يكتشف القارئ وتكتشف الشخصيات إن كان الجد سيخبر قصته، وهو قسم تتوزع فصوله على الأيام ما بين تاريخي 9/5/2018 و15/5/2018. ليكون القسم الرابع والأخير بعنوان "مذكرات الجد" أوج السرد، فهذه المذكرات ليست مذكرات تماماً وليست شيئاً يشبه ما كُتب عن القضية الفلسطينية سابقاً. فماذا سيقول الجد في نهاية الكلام؟ وهل تراه يخرج عن صمته؟

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

بينما يدافع أتباع المدرسة الماركسية والهيغيلية من نقاد الأدب عن ضرورة وجود مواقف أيديولوجية وسياسية في النصوص الأدبية الجيدة، يميل أتباع الفيلسوف كانط ومن بعده أتباع مدرسة النقد الحديث إلى تخليص النصوص الأدبية والفن بشكل عام من رواسب السياسة والعقيدة والأيديولوجيا، ليأتي نص عمر خليفة في موقع بين هاتين النظريتين، فلا هو يعالج القضية الفلسطينية من منحى عقائدي أيديولوجي عروبي، وذلك بسبب صمت شخصيته الرئيسة ورفضها مشاركة ذكرياتها، ولا هو يترك القضية مسكوتاً عنها. يوظف عمر خليفة صمت شخصيته ويحوله إلى أداة أيديولوجية تسلط الضوء على قضية لم يتعامل معها العرب أو الصحافيون أو المجتمعات الإنسانية كما كان من المفترض أن يفعلوا. "ضاعت فلسطين" جملة تفضح أكثر مما تكتم، تقاوم وتطعن وترفع الراية أكثر من مئة كلمة ومئة قصيدة ومئة شكوى. فصحيح أن الشخصية الأساس تختار الصمت لكن جملة "ضاعت فلسطين" فيها من الكلام ما يكفي. لقد ضاعت فلسطين ولم يبقَ للفلسطيني سوى الكلام والذكرى والقصص، تحول الفلسطيني إلى قابض للريح، قابض للرمل، قابض للاشيء، فما فائدة الكلام بعد؟

المزيد من ثقافة