Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

بحثا عن حضور بودلير في الشعر العربي بين الرومنطيقية والحداثة

شعراء النهضة الأخيرة أقبلوا على "أزهار الشر" والأجيال الجديدة احتفت بقصائده النثرية

الشاعر الفرنسي شارل بودلير (متحف بودلير)

تواصل الأوساط الأدبية في فرنسا الاحتفال بالذكرى المئتين لولادة الشاعر شارل بودلير (1821- 1867) الذي يعدّ أباً للحداثة الشعرية في فرنسا والعالم، والذي ترك أثراً عميقاً، في الحركات الشعرية الحديثة التي شهدتها أوروبا وأميركا. أي أثر ترك بودلير في الشعر العربي في الحقبة الأخيرة من عصر النهضة، وفي ثورة الحداثة، وما نجم عنها لاحقاً من تجارب جديدة، لا سيما تجربة قصيدة النثر التي رسخت حضورها بقوة بدءاً من السبعينيات من القرن المنصرم؟

 يصعب القول إن بودلير ترك أثراً مباشراً في الشعر العربي، خصوصاً في العصر الأخير للنهضة أو السنوات الثلاثين والأربعين من القرن العشرين، الذي كان شعراؤه بدأوا ينفتحون على الشعر الفرنسي والإنجليزي، متوقفين طويلاً عند الشعر الرومنطيقي في هاتين اللغتين، وعند رواده مثل لامارتين وألفرد دوموسيه وشيلي وبايرون ووردزروث وسواهم. لكن خمسة شعراء قرأوا بودلير وترجموا مختارات من شعره وبضعة مؤلفات عنه وكتبوا عن تجربته، ويحل في مقدمهم المصري إبراهيم ناجي (1898- 1953) الذي ترجم جزءاً كبيراً من ديوان "أزهار الشعر" ويليه أربعة لبنانيين هم أديب مظهر الذي توفي شاباً في السابعة والعشرين من عمره (1900- 1928)، وإلياس أبو شبكة (1903- 1947)، وصلاح لبكي (1906- 1955)، وبشر فارس (1907 – 1963). يمكن القول إن هؤلاء الشعراء اطلعوا جيداً على بودلير وقرأوا ديوانه "أزهار الشر"، وتأثروا ببعض المناحي لديه، ومنها الصراع بين الخير والشر، الكآبة (سبلين)، والحب شبه المدنس، والصراع بين المثال ونقيضه وفكرة الشيطان...

ومعروف أن إلياس أبو شبكة استوحى عنوان ديوانه "أفاعي الفردوس" (1938) من "أزهار الشر" لكنه لم يغص في رمزية الجدلية البودليرية التي اطلعت الخير (الأزهار) من قلب الشر والتي رفعت الشر إلى مستوى الخير وساوت بينهما، بصفتهما مكونين وجوديين أساسيين. كتب أبو شبكة قصيدة "شمشون" وقال فيها: "إن في الحب يا دليلة أفعى/ كم سمعنا فحيحها في سرير"، ساعياً إلى إدانة مفهوم الخطيئة انطلاقاً من إيمانه المسيحي الذي لم يتخل عنه، بل لم يشكك فيه مرة على خلاف بودلير. لم ينحز أبو شبكة تماماً إلى النزعة البودليرية نظراً إلى رومنطيقيته وانجذابه إلى الموقف الرومنطيقي من العالم والحياة والطبيعة، وقد قرأ جيداً الرومنطيقيين الفرنسيين وتأثر بهم في دواوينه الأخرى مثل"غلواء"، "نداء القلب" و"إلى الأبد" وسواها. و"في قصيدة "القاذورة" حاول أن يسعى مسعى بودلير في قصيدته "الجيفة"la charogne  محتفلاً بما يسمى جمال البشاعة. ترجم أبو شبكة قصائد قليلة لبودلير مثلما ترجم لآخرين ومنهم مثلاً بول إيلوار، وهذا يدل على متابعته حركة الشعر الفرنسي الجديد في وقته.

إبراهيم ناجي وبودلير

غير أن الشاعر المصري إبراهيم ناجي كان الأشد اهتماماً ببودلير، ولو لم يكن بودليري النزعة، فهو أكثر من ترجم من قصائد "أزهار الشر" في تلك الحقبة، وأصر على إصدار الديوان بالعربية بالعنوان نفسه، مع أنه غير مكتمل. ووضع له مقدمة قد تبدو جريئة وجديدة في عصرها، لا سيما أن ناجي سعى فيها إلى مقاربة بودلير على ضوء التحليل النفساني، ولم يفلح كثيراً، مع أنه ذكر اسم فرويد وركز على عقدة أوديب. ويبدو أنه اتكأ على دراسة لناقد يدعى بورشيه (لا يذكر اسمه كاملاً) ليخضع بودلير للتحليل النفساني، ويخلص إلى أحكام قاطعة وغير مبررة، ومنها مثلاً أن بودلير كان "مريضاً بالنفس" و"مزيجاً من المازوكية والسادية، والمازوكية هي الغالبة". أما أطرف استنتاج يتبناه فهو أن "الجنس الشاذ أو الهوموسكس" يبدو لديه في صورة جلية، "فهو يتخيل حبيبه رجلاً يحمل سيفاً أو سهماً".

طبعاً هذا نوع من التخبط التحليلي والتقييم غير الصحيح والمجتزأ. وكان حرياً به أن يكتفي بسيرة بودلير التي كتبها في المقدمة. ويبدو أن علاقته ببودلير لا تخلو من بعد عاطفي أو وجداني فهو يقول: "لنقرأ بودلير كإنسان ولنعطف عليه ولنستمع إلى أناته وشكاياته". أما الترجمة فغلب عليها الطابع النثري الشديد، علماً أن صاحب "الأطلال" ميال إلى موسيقى التفاعيل والإيقاع العروضي. وقد يكون خياره صائباً لأن قصائد بودلير لا تحتمل العروض العربي. لكنه أمعن في نثره حتى استحالت بعض القصائد نثرية تماماً ومكتوبة كما لو أنها نصوص، خالية من الأشطر والأسطر الشعرية، وخير دليل القصيدة الشهيرة "البركة" benediction، (يجب أن تترجم "مباركة") ، وهذا ما يثير الحيرة كثيراً.

النفس السوداوي

أما أديب مظهر وصلاح لبكي وبشر فارس  فكانوا بودليريين في النفس السوداوي، وفي المناخ الكئيب الذي يهيمن على بعض قصائدهم، وفي تبني الرمزية وبعض مفاهيمها، من غير أن يتخلوا عن الرومنطيقية. لكن رمزيتهم حضرت بجوها وليس في معانيها العميقة، أي ظلت طيفية ولم تغرق في ظلال النفس الإنسانية وعالمها المستغلق وأسرارها. تأثر هؤلاء ببودلير لكنهم لم يجعلوا منه قدوة أو مثالاً، لا سيما في حفاظهم على البعد الأخلاقي للشعر. ومعروف أن لبكي ترجم كتاباً عنوانه "بودلير بقلمه"، وترجم أبو شبكة كتاباً عنوانه "بودلير في حياته الغرامية" (دار المكشوف). أما أديب مظهر فلم يتح له بعد أن مات شاباً ميتة بشعة، أن يكتب كثيراً، لكنه استحق لدى النقاد الذين جايلوه صفة الرمزية التي ظهرت في قصائده ومنها "نشيد السكون" و"النسيم الأسود" اللتان لاح فيهما طيف بودلير. أما بشر فارس فلم يكتب شعراً كثيراً بمقدار ما كتب في المسرح والقصة، لكنه تميز بحداثة جوه رغم حفاظه على الشعر الكلاسيكي. وهو من بلدة المحيدثة اللبنانية، بلدة إيليا أبو ماضي وجورج شحادة، لكنه عاش معظم حياته في القاهرة. وزار باريس مراراً ودرس فيها وحصل على شهادة الدكتوراه وحاول أن يسلك مسلك بودلير في قصائده الباريسية، فكتب قصائد مثل "الشتاء في باريس" و"الخريف في باريس" و"إلى فتاة" و"إلى زائرة". ونشر قصائد في مجلة "شعر" التي أسسها الشاعر يوسف الخال، رغم عدم انتمائه إلى الحداثة إلا روحاً أو مضموناً وليس شكلاً. أما الطريف فهو ما قام به الشاعر أمين نخلة، شاعر الأناقة والجمال والتفاؤل والمنتمي إلى مدرسة "الفن للفن"، والبعيد كل البعد عن جو بودلير وكآبته وفلسفته، في كتابة قصيدة بعنوان "إلى بودلير"، ويصفه في المقدمة بالشاعر العليل البائس وسمى ديوانه "أزهار الأذى"؛ مما يدل على أنه لم يطلع على تجربته بعمق.

واللافت هنا أن شعراء عرباً كلاسيكيين أو عموديين عملوا على ترجمة قصائد من "أزهار الشر" ولم يترجموه كاملاً، ومنهم حنا وجورجيت الطيار، وعمر عبد الماجد، وإلياس داود أصلان، وخليل الخوري، ومحمد أمين حسونة، وسلمى الغزاوي، ومصطفى القصري الذي سمى الديوان "أزهار الألم"، وبدا كأنه لم  يستوعب العنوان الأصلي، وكذلك الناقد المصري المعروف عبد الغفار مكاوي الذي ترجم القصائد عن الألمانية. ومعظم هذه الترجمات غير أمينة جداً على النص الأصلي وخضعت لبعض التصرفات والحذف، والمترجمون أنفسهم لم يكونوا بودليريين، لكنهم على الأرجح، انساقوا في "موضة" الترجمة التي كانت انطلقت، والتي جعلت مثلاً قصيدة لامارتين "البحيرة" تترجم أكثر من 30 ترجمة، وهدفهم أداء دور في مهمة الانفتاح على الشعر الغربي. في لبنان الثمانينيات ترجم القاص المعروف محمد عيتاني مجموعة كبيرة من "أزهار الشر" وصدرت في كتاب خاص، وبدا هذا المترجم الذي يجيد الفرنسية أميناً جداً على الأصل، لكن ترجمته خلت من النفس الشعري والوقع الموسيقي حتى وإن كان نثرياً. وثمة شعراء لبنانيون وعرب ترجموا قصائد لبودلير ونشروها في صحف ومجلات.

ثورة الحداثة وقصيدة النثر

غير أن بودلير ما لبث أن حضر مجدداً وبقوة مع ثورة الحداثة التي أطلقتها مجلة "شعر" التي أسسها الشاعر يوسف الخال عام 1957، ومعه مجموعة من شعراء الحداثة ومنهم أدونيس وأنسي الحاج، وشوقي أبي شقرا، ومحمد الماغوط وسواهم. وكان الحاج أول من رسخ حضور قصيدة النثر عربياً، شعراً وبياناً تنظيرياً في ديوانه الأول "لن"، وقد اتكأ قليلاً على كتاب الناقدة الفرنسية سوزان برنار "قصيدة النثر من شارل بودلير حتى أيامنا"؛ لأجل توضيح نظرية قصيدة النثر في مقدمة ديوان "لن"، هذه المقدمة التي لا تعد البيان الأول لقصيدة النثر العربية. مع شيوع كتاب برنار عاد الاهتمام ببودلير، ولكن كشاعر قصيدة نثر هذه المرة، وخصوصاً في ديوانه "سأم باريس – قصائد نثر"، وبدا بودلير فعلاً بحسب برنار رائد قصيدة النثر الفرنسية وحتى العالمية، مع أن شعراء فرنسيين سبقوه إلى هذا النوع ومنهم اليزيوس برتران صاحب ديوان "غاسبار الليل". لكن بودلير هو الذي كان سباقاً في التنظير لقصيدة النثر في القرن التاسع عشر.

 

بدأ الشعراء العرب الحديثون يتعرفون إلى قصائد نثر بودلير وبلغ الاهتمام بها أوجه في الثمانينيات مع شعراء ترجموا كثيراً من هذه القصائد، وفي مقدمهم عبد القادر الجنابي الذي وضع مختارات من قصيدة النثر الفرنسية والعالمية صدرت في كتابين. ولكن لم يمر وقت حتى كثر المترجمون وبات كل شاعر يجيد الفرنسية يترجم من قصائد "سأم باريس"، إضافة إلى شعراء النثر الآخرين الفرنسيين والعالميين. كان بودلير أفضل حجة أو ذريعة يتسلح بها الشعراء ليرسخوا معركة قصيدة النثر ضد الشعراء المتزمتين والمحافظين على القصيدة الموزونة أو قصيدة التفعيلة القائمة على نظام التفاعيل. ولعل أول ترجمة كاملة لكتاب "سأم باريس" أنجرها المترجم المصري بشير السباعي، ثم تلتها ترجمة أخرى أنجزها المصري  محمد أحمد محمد. لكن الترجمات هذه بدت تحتاج إلى النفس الشعري النثري البودليري على الرغم من وفائها للأصل. وكانت الكاتبة مايا الأشقر ابنة رائد الرواية اللبنانية الحديثة يوسف حبشي الأشقر، أنجزت رسالة ماجستير في الترجمة لدى الجامعة اليسوعية وترجمت قصائد كثيرة من كتاب "سأم باريس" نشرت بعضاً منها في الصحف، وهي ترجمات جديرة بالنشر؛ نظراً إلى دقة الترجمة وشعريتها.

أما الحدث الكبير على مستوى ترجمة بودلير إلى العربية فتجسد في إقدام الشاعر المصري الراحل رفعت سلام على ترجمة كل أعمال بودلير الشعرية، مع حواشي وملاحظات كثيرة معتمداً طبعة روبير لافون، وضمت "أزهار الشر" بكل طبعاته الفرنسية و"سأم باريس" إضافة إلى المقدمات وبعض المقالات التي كتبت عن بودلير، ومنها مقالة بول فاليري الشهيرة. وصدرت هذه الترجمة عام 2009 في أكثر من 900 صفحة. اللافت أن سلام كان معروفاً بإجادته اللغة الإنجليزية، وقد ترجم عنها كثيراً من الدواوين والقصائد العالمية، وله في هذا الحقل إنجازات مهمة، فكيف تمكن من ترجمة بودلير كاملاً ثم رامبو كاملاً، وترجمة هذين الشاعرين تتطلب تخصصاً في الأدب الفرنسي وأدب القرن التاسع عشر عطفاً على قواعد اللغة الفرنسية؟

يحضر بودلير في اللغة العربية حضوراً لافتاً جداً، ويمكن القول إن ثلثي أعماله وأكثر، ترجمت إلى العربية ومنها: "اليوميات" ترجمة آدم فتحي، "الفن الرومنطيقي" في ترجمتين واحدة لزينات بيطار وأخرى لكاظم جهاد، "لافانفارلو" ترجمة شاكر نوري، "الفراديس المصطنعة" ترجمة ناظم بن ابراهيم، وسواها.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

أما الكلام عن التأثير المباشر لبودلير في الشعراء العرب فيصعب تأكيده، لكن أثره العميق والضمني مؤكد جداً، فشعر بودلير مد الثورة الشعرية العربية بروحه ونظرياته لا سيما في دفاعه عن ضرورة الغموض في الشعر، فلا جمال إن لم يحتوِ غموضاً كما يعبر، إضافة إلى شعرية السأم الوجودي والمساواة بين الشر والخير والحب المدنس وإلغاء التناقضات والتراسل بين الحواس، وجمالية البشاعة وخلو الإبداع من الرسالة الأخلاقية... وكان له أثر كبير أيضاً في شعراء قصيدة النثر، وفي ترسيخ وعيهم النقدي بقصيدة النثر، لا سيما في كلامه في رسالة إلى ناشره هوساي عما سماه "معجزة نثر شعري، موسيقى من دون وزن ولا قافية، فيه ما يكفي من المرونة والتقطع حتى ليتكيف مع حركات النفس الغنائية وتموجات أحلام اليقظة وانتفاضات الوعي".

المزيد من ثقافة