Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

تجديد ولاية "أونروا" لا يكسر حظرها في غزة

غالبية سكان القطاع فقدوا القدرة الشرائية بالكامل ويعتمدون على المساعدات التي تقدمها الوكالة

حظر "أونروا" حرم 1.7 مليون غزي من خدماتها الأساس (أ ف ب)

ملخص

على رغم تجديد ولاياتها ما زالت "أونروا" محظورة من العمل في غزة، مما يفاقم الجوع والوجع والبرد على النازحين.

تحت خيمة مهترئة يجلس الجد دياب مكان بيته الذي دمره الجيش الإسرائيلي في مخيم الشاطئ غرب مدينة غزة، والذي كانت وكالة الأمم المتحدة لغوث وتشغيل اللاجئين "أونروا" ترعاه وتشرف عليه من جميع الجوانب الإنسانية، يسأل "ماذا ينفع تجديد ولاية ’أونروا‘ طالما لا تعمل على الأرض؟".

ينظر الجد دياب إلى خيمته ويعود به شريط ذكريات حياته إلى مرحلة الطفولة، عندما هاجر والده من بلدته الأصلية في بئر السبع عام 1948 ونصب خيمة له داخل مخيم الشاطئ، ويقول "عشت حياتي لاجئاً بين وعود الإغاثة والعودة إلى ديارنا، لكن لم أتخيل يوماً أن أرى ’أونروا‘ عاجزة عن تقديم رغيف خبز أو دواء لمن هو في حاجة".

حظر نشاط "أونروا"

في اجتماع الأمم المتحدة الذي عقد أول من أمس الجمعة الموافق الخامس من ديسمبر (كانون الأول) الجاري، صوتت الجمعية العامة بغالبية 151 دولة لمصلحة تجديد ولاية "أونروا" لمدة ثلاثة أعوام، ولكن الوكالة الأممية التي تعمل داخل غزة لم تعد قادرة على مواصلة نشاطاتها في القطاع ولا أي مكان آخر تنشط فيه.

أثناء الحرب على غزة صعَّدت إسرائيل من حملتها ضد "أونروا"، وزعمت أن موظفيها ينتمون إلى فصائل فلسطينية مسلحة. وخلال الـ28 من أكتوبر (تشرين الأول) 2024، أقر الكنيست قانوناً يحظر عمل الوكالة داخل إسرائيل والأراضي الفلسطينية، وتعهد رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو بمنع نشاط "أونروا" إلى الأبد.

لم تثبت إسرائيل على "أونروا" أي فساد، فيما تكاتف المجتمع الدولي لدعم "أونروا" لمواصلة عملها في غزة، باعتبار القطاع يمر بحرب ضروس ويحتاج لدعم إنساني لا تستطيع أية مؤسسة إنسانية توفيره، كما تفعل الوكالة الأممية لغزة.

على رغم التكاتف الدولي فإن نتنياهو أمر بتطبيق قانون حظر "أونروا"، وأصدر وزير الصحة الإسرائيلي أورئيل بوسو أمراً بإنهاء علاقات العمل مع الوكالة الأممية. وبالفعل سحبت إسرائيل الامتيازات والتسهيلات المقدمة لها، وأبلغت تل أبيب الأمم المتحدة بأنها لن توافق بعد الآن على مرور أي من قوافل مساعدات إنسانية إلى "أونروا"، وكانت جميع هذه الإجراءات خلال يناير (كانون الثاني) العام الحالي.

بالفعل نفذت إسرائيل حظراً كاملاً على "أونروا"، ومنعتها من إدخال المعونات المنقذة لحياة للنازحين داخل غزة، وتلقائياً أوقفت الوكالة الأممية معظم نشاطاتها الإنسانية ولم توزع سلات غذائية على الفقراء ولا أدوية على المرضى، مما ترك آثاراً وخيمة على جودة حياة اللاجئين إذ باتوا يتضورون جوعاً ويعانون في مرضهم ألماً قاسياً.

لا خدمات لـ"أونروا" في غزة

منذ عام ولا تقدم "أونروا" أية خدمات إغاثية أو إنسانية داخل غزة، وتتولى هذه المهام منظمات دولية أخرى. لكن النازح الفقير الذي يعاني آثار المجاعة ويتوجع من الأمراض شعر بتغيير كبير في الخدمات المقدمة له، وباتت العدالة في توزيع المعونات مجرد كلمة يرددها الغزي ويطالب بها من دون أن يجدها، وذلك بسبب توقف عمل الوكالة الأممية التي كانت عموده الفقري في صبره على العيش داخل غزة.

خبر تجديد ولاية "أونروا" لمواصلة عملها في غزة والمناطق الأخرى لمدة ثلاثة أعوام، حمل الفرح والراحة للجد دياب ورأى فيه أملاً للتخلص من الحرمان، لكن عندما شرح له حفيده أن هذا مجرد قرار لن ينفذ على أرض الواقع، شعر بخذلان لا يعوضه سوى سلة غذائية من الوكالة الأممية تساعده على مواصلة حياته من دون تسول.

يقول دياب "كانت أونروا بالنسبة إلينا بيتاً ثانياً نلجأ إليه مع كل أزمة، ونعتمد عليه في كل شيء من التعليم إلى العلاج إلى السلات الغذائية وحتى العمل، لكن اليوم عدنا إلى الصفر من جديد بعد إيقاف عملها".

أهم شيء في غزة

يتنهد الجد قليلاً ويضيف "أهم شيء في قطاع غزة وكالة الغوث، لا نستطيع الاستغناء عنها أبداً"، يصمت قليلاً ثم يسرد ذكرياته "كانت سيارات "أونروا" تجوب المخيم لتوزيع المواد الغذائية، كان الأطفال يفرحون بعلب الحليب والعدس والسكر لكن بعدما توقفت نعيش على التكايا الخيرية نصطف في الطوابير من أجل وجبة واحدة".

بنبرة خافتة أشبه بالتمتمة يواصل كلامه "لا نستطيع الاستغناء عنها أبداً، تقييد ’أونروا‘ ليس قراراً سياسياً بل ضربة في قلب كل غزي، لذلك لا نجاة من الجوع من دون ’أونروا‘ إذ لديها نظام عادل في توزيع المعونات، أما المنظمات الأخرى اليوم فتفتقد قواعد البيانات، لذلك نشعر بظلم في تسلم المساعدات".

غياب "أونروا" يعني الظلم

عندما توقف القتال بين "حماس" وإسرائيل، ظن الغزيون أن "أونروا" ستبدأ مرحلة جديدة لتخفيف المعاناة الإنسانية، لكن ذلك لم يحدث إذ بقيت محظورة من العمل، وحرم 1.7 مليون غزي من خدماتها الأساس وشعر المواطنون بأن شللاً أصاب توزيع المساعدات عليهم.

يقف سليمان أمام منزله المدمر، ويقول "منذ أن سمح بإدخال المساعدات نسمع عن شاحنات مليئة بالطرود الغذائية والبطانيات، لكنني حتى اليوم لم أتلق أي شيء، لا طرود غذائية ولا غيرها، لو كانت ’أونروا‘ المسؤولة عن توزيع المعونات لما شعرت بهذا الظلم".

ويضيف "القوائم التي تعتمدها بعض المؤسسات غير دقيقة، هناك عائلات معروفة تتلقى مساعدات أكثر من مرة، بينما هناك أسر لم يصلها شيء إطلاقاً، يبدو أن العدالة في التوزيع غابت بمجرد ما توقفت ’أونروا‘ عن العمل".

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

لا عدالة في توزيع المعونات

وفور توقف عمل "أونروا" بات يطغى على مشاهد الإغاثة التفاوت وعدم العدالة في التوزيع، ومع هذا الغياب تفاقمت معاناة الغزيين الذين وجد كثير منهم أنفسهم بلا مساعدات إنسانية أو سلع رئيسة، على رغم حاجتهم الماسة بعد أشهر من التجويع.

يقول أيمن "تلقيت رسالة نصية تبلغني بإمكانية تسلم مساعدات عاجلة للأطفال والتي كانت عبارة عن حفاظات، بينما أصغر أبنائي يبلغ من العمر ستة سنوات، أي إنني لا أحتاج مطلقاً لهذه المساعدة. حاولت أن أشرح لهم الموقف وأن أستبدل بهما ملابس أو شيئاً آخر، لكنهم قالوا هذه هي حصتك المسجلة في النظام. شعرت بالدهشة من سوء التنظيم، فهناك عائلات لا تجد لقمة العيش، بينما ترسل المساعدات لمن لا يحتاج إليها أصلاً، لو كانت هناك جهة مركزية تشرف على التوزيع مثل ’أونروا‘ لما حدثت مثل هذه الأخطاء، لا بد من عودة عمل الوكالة وتأمين شغلها كي لا نضطر إلى تسول قوت يومنا".

العمود الفقري يكسر ظهر الغزيين

يعتقد الغزيون أن إضعاف "أونروا" خلال هذه المرحلة اعتداء مباشر على حياتهم اليومية وعلى حقهم في البقاء. ويقول المفوض العام لـ’أونروا‘ فيليب لازاريني "عرقلة المساعدات المنقذة للحياة أمر مقصود، يجب رفع القيود، ’أونروا‘ العمود الفقري للاستجابة الإنسانية داخل غزة، إنها أكبر وكالة إغاثة داخل القطاع ولديها القدرة الأكبر على الوصول إلى مجتمعات النازحين".

ويضيف "تمديد ولاية ’أونروا‘ دليل على أهمية دورها الإنساني الذي تنهض به، لكن منعها من الوفاء بتفويضها في غزة سيسرع المجاعة وسيموت عدد أكبر بكثير من الناس بسبب الجوع والجفاف وعدم توفر المأوى".

غياب "أونروا" يعني فوضى

أما المستشار الإعلامي لـ"أونروا" عدنان أبو حسنة يقول "غياب الوكالة عن إدارة عمليات التوزيع في غزة أحد أبرز أسباب الفوضى الحالية، ’أونروا‘ تمتلك القدرات اللوجيستية والبشرية التي تؤهلها لإدارة عمليات توزيع ضخمة بكفاءة، فلدينا 12 ألف موظف داخل غزة وبيانات دقيقة للأسر المستحقة".

ويضيف "لا توجد أية منظمة في غزة تمتلك قدرات مماثلة، أكثر من 6 آلاف شاحنة تابعة لـ’أونروا‘ تصطف عند المعابر بانتظار دخول القطاع، وهي محملة بمساعدات قادرة على تغطية حاجات السكان لثلاثة أشهر مقبلة. وفي حال عجزت عن الدخول فسيموت الغزيون جوعاً وبرداً ومرضاً، وهذه تندرج في إطار محاولة تغييب كامل لـ’أونروا‘".

يؤكد أبو حسنة أنه يجب دعم "أونروا" وأن يتحول تجديد ولاياتها من موقف سياسي إلى خطوات ملموسة تتضمن تعزيز التمويل وتسهيل عمل الوكالة على الأرض، بما يضمن أداء واجباتها من دون قيود، لافتاً إلى أن غالبية سكان غزة فقدوا القدرة الشرائية بصورة شبه كاملة، ويعتمدون كلياً على المساعدات التي تقدمها "أونروا".

إسرائيل ترفض الرأي الاستشاري لمحكمة العدل

رصد المرصد الأورومتوسطي لحقوق الإنسان مشهد الإغاثة في غزة تشوبه عيوب وإخفاقات، يقول رئيسه رامي عبده "عمليات توزيع المساعدات التي تقوم بها جهات دولية وعربية تعاني بطئاً كبيراً وغياب التنسيق وعدم وجود قاعدة بيانات موحدة كما كان في السابق، هذا الخلل أدى إلى انتشار ظاهرة ازدواجية التوزيع، إذ تحصل بعض الأسر على أكثر من طرد بينما تُترك أسر أخرى بلا شيء".

أصدرت محكمة العدل الدولية رأياً استشارياً في قضية "أونروا" يقول إن "على دولة الاحتلال الإسرائيلي داخل الأراضي الفلسطينية ضرورة تسهيل عمل الوكالة وعدم عرقلته، على إسرائيل أن توافق على خطط الإغاثة داخل قطاع غزة، ولا سيما تلك التي تنفذها ’أونروا‘، وأن تسهل تنفيذها. دور الوكالة لا غنى عنه في تقديم المساعدات الإنسانية نظراً إلى ولايتها الفريدة وعلاقتها التاريخية بسكان القطاع".

على رغم ذلك، ترفض إسرائيل السماح لـ"أونروا" بمواصلة عملها، ويقول منسق الحكومة الإسرائيلية داخل المناطق الفلسطينية غسان عليان "لا يمكن ذلك، لقد صدر قانون يحظر نشاط ’أونروا‘". وأيضاً رفضت الإدارة الأميركية عودة الوكالة الأممية لعملها في غزة، إذ قال وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو "لا يجب أن تعود ’أونروا‘ إلى غزة".

اقرأ المزيد

المزيد من تقارير