Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

المصور هارون تخونه زوجته فيعتزل العالم مع كلب لقيط

الروائي المصري أحمد الفخراني يعالج مفهوم الوحدة وتناقض النفس الإنسانية

الروائي المصري أحمد الفخراني (صفحة الكاتب على فيسبوك)

يمكن القول إن رواية "إخضاع الكلب" (دار الشروق - القاهرة)، للكاتب المصري أحمد الفخراني، تتخذ من تيمة هزيمة الفرد لبنة أساسية لتشكيل عالمها السردي. ففي هذا النص الروائي يبدو الحدث الرئيس لتشابك الخيوط الحكائية هو انتقال البطل هارون من القاهرة إلى مدينة دهب، بعد وقوعه في براثن مأساة عائلية: خيانة زوجته باربارا مع صديقه، وشكّه بأبوّة ابنه.

إثر هذا الحدث ينسحب هارون المصور الشهير من الحياة ككل، ويختار أن يكون غير مرئي في مدينة بعيدة تسكنها السياح، ويلجأ إليها من تقطّعت بهم سبل الحياة، ومن أتعبهم العيش في المدن الكبرى لأسباب شتى فيختارون العزلة.

لكن هذه الركيزة المهمة للرواية لا تبدو إلا مسرحاً واقعياً، لتبرير كل ما سيقع من أحداث تبدو في ظاهرها متناهية البساطة، على الرغم من أنها تستدعي "غريب" ألبير كامو، وسائر الروايات التي يختار فيها البطل الانعزال والانغلاق التام على مأساته، بدلاً من محاولة التعافي، لكن عوض هذا يحضر الغرق في الشباك الداخلية عبر مونولوغات متواصلة، تستعين بتقنية المراوحة بين الداخل والخارج بحيث تبدو تلك الحركة كما لو أنها انعكاس مستمر لكليهما، من دون الكشف عن واقع مغاير. فلا تبدو الحقيقة المتجلية في الصفحات الأخيرة من الرواية، قادرة على إحداث أي تغيير في المأساة الداخلية المظلمة التي تقود هارون في متاهتها، وكأن الرواية تتمم على اليقين المبثوث على مدار صفحاتها (153) بأن لا خلاص أبداً.

وصول الكلب

تتلاعب هذه الرواية بفطنة القارئ، وتستدرجه إلى مصيدة الإقناع ببساطة العالم الداخلي للحكاية عبر وصول الكلب "ونيس" إلى حياة هارون، المصور المنعزل الذي كره حمل آلة التصوير، وراح يمضي أيامه في عبث مطلق، لكن منذ هذه اللحظة بدأت تُولد معانٍ متموجة ومزدوجة في أكثر من اتجاه، إذ كيف من الممكن أن يحرك وصول حيوان ضعيف، الحياة الراكدة لإنسان معزول، وفي الوقت نفسه أن يظهر مدى ظلام العالم الداخلي، وفداحة الخسائر النفسية التي لا رادّ لها.

في سرد سلس امتاز بالتلقائية، والرشاقة الشديدة، مع لغة عذبة ومكثفة، يتم استدراج القارئ إلى تتبع نمو العلاقة بين "هارون" والكلب "ونيس"، وكأن العالم منغلق وفارغ من البشر. أو بعبارة أدق هذا ما أراده هارون لحياته، واقع خالٍ من العلاقات الإنسانية، من الصلات، من التعالقات العاطفية أياً كان نوعها أو شكلها، والأهم من هذا كله أن لا يكون مرئياً من الناس. لنقرأ: "هدم في بضعة أيام كل ما جاهدت من أجله منذ أن انتقلت إلى دهب، لقد جعلني مرئياً موضوعاً للنظر، عالقاً كالقذى في الأعين، ككارثة، كرجل كاذب يطلق كلباً مؤذياً، أضعف من السيطرة عليه، وأجبن من الاعتراف بمسؤوليته عنه".

تتميز الفصول الخمسة للرواية، بمتن سردي قائم على الاسترجاع، المواجهة، الندم، الفقدان، الجنون، الهلاوس، ما يحملنا على الوقوف على الدلالات الحقيقية لهذه التشابكات التي ترتبط بالخطاب النصي الذي يتجاوز الحكاية الرئيسة إلى نقطة أبعد، إنه نص بطبقات متعددة. المحور هنا هو فعل "الخيانة" الذي نتج عنه نكوص، وشلل حياتي تام، وعجز عن المواجهة، بيد أن رمزية خيانة الزوجة والصديق هنا تنطبق على خيانات كثيرة أخرى، لا يمكن حصرها، وتستدعي عند البطل مأساة "أوديب"، ثم حواراته الفلسفية المتخيلة مع "الكلبة المرقطة البيضاء".

تتحرك الرواية بين واقعية سوداوية مفرطة، وبين طرح فانتازي للحياة، وتجعل من العلاقة مع الكلاب سبيلاً آخر لإقامة حوارات وجودية مع الذات والآخر، سواء أكان هذا الآخر إنساناً أم حيواناً. ويمثل هذا المتن غاية في حد ذاته ضمن نص يشق طريقه بين عالمين: واقع بائس، وضلالات مفترضة، مما ينتج قسوة سادية مفرطة تسوق غايتها لتعذيب الذات بلا رحمة: "عندما يصطبغ الجميع في ذهنك بمسحة الملائكة أو سمت الوحوش، لن تعدم المبرر للقسوة، فمن يتحملها أكثر من الملائكة، من يستحقها أكثر من الوحوش".

تتدرج الرواية في تقديم مستويات الألم، من الطرح البسيط لرجل مطعون في كرامته وكبريائه، مهزوم في مهنته، إلى تورطه في رعاية كلب قادته الصدفة إلى بيته، مع أهمية الإشارة إلى علاقة هارون مع الكلب بأنها مدموغة بخوف شديد من الكلب في البداية. يتابع القارئ تحولات الخوف، وترويضه، فإذا كان جل انشغال البطل إيجاد وسيلة لترويض كلبه، فإن متابعة تجليات مشاعر الخوف وتحولاتها من حالة الرعب من وجود كلب في الفناء الخلفي، والعجز عن تقديم الطعام له والإمساك بعصا لتقديم وعاء الماء، وصولاً إلى التمكن من ضرب هذا الكلب بالسياط وتعذيبه وجرحه، ثم التآخي معه والنوم بجواره في الغرفة، ما يدفع للتساؤل عن هوية الضحية هنا!

الحضيض النفسي

يمثل الجانب النفسي في هذه الرواية المحور الأهم من أي تفصيلات سردية أخرى، وليس الواقع الحدثي المؤدي إلى سيرورة الآلام وتناسلها إلا حجة لتبرير الحضيض السلوكي والنفسي الذي انزلق إليه البطل مكرهاً في جانب منه وبإرادته في جانب آخر. هذا ما تعكسه تفاصيل تمرين الكلب وإخضاعه، مع التنبيه إلى حضور الوعي الإنساني في شخصية هارون عبر قدرته على التعذيب وإيجاد مبرر لنفسه للقيام بهذا الفعل، مثل كل الساديين في العالم، الذين يجدون مبررات لدوافعهم. لنقرأ ما يكشف ازدواج الخيط الواهي بين السادية والمازوشية: "تأملت ندبته الأولى التي صنعتها عندما شججت جبينه بدراجتي، وقد صارت جافة ومضيئة وأبدية، داعبتها بحنان، وعند موضع مماثل برأسي حفرت بالسكين جرحاً، طأطأ برأسه كمذنب حقيقي، احتضنته كقديس، سالت دموعي مختلطة بدمي، لكن تلك المرة ليس عن شعور بالذنب، فجراحه الآن مقابل جراحي".

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

يبدو سائر الشخوص في النص مجرد أشباح، وعلى الرغم حضور عالمهم وتفاصيلهم الصغيرة، فإنهم يظهرون على مسرح الأحداث ليؤدوا دوراً عابراً ويمضون مبتعدين، بمن فيهم الشخصية النسائية الوحيدة "أسما"، التي تتواصل مع هارون، وتكون سبباً في وصول الكلب إلى بيته. وتبدو قصتها في النهاية غامضة، ومشكوكاً بحقيقتها ككل. فالعالم الضبابي الذي صاغه هارون حولها يسوره موات روحي مرعب، لا يمكن أن يحتمل وجود أي كائن بشري إلى جواره.

تحضر أيضاً شخصية باربارا، الزوجة المتهمة بالخيانة، وعلى الرغم صغر المساحة السردية عنها، واقتصار البطل في حديثه عن حياته معها على كشف رؤيتها وقناعاتها الحياتية، إلا أن صورتها الذهنية بدت أكثر وضوحاً من شخصية أسما، على الرغم من الحضور الجسدي للأخيرة.

تبدو هزيمة البطل ومكابدته لشقائه في الرواية مرآة عاكسة لانتهاء فكرة "الحب"، في داخله، الحب بمفهومه الأشمل الذي يضم تحت مظلته، التعاطف والرحمة والعطاء، وسائر المشاعر النبيلة. انتهاء الحب يؤدي إلى جرح ينزف باستمرار، ويجعله عاجزاً عن رؤية الحياة سوى من منظور الإيذاء. لعل أكثر ما يكشف عن هذه الحقيقة حواراته الفلسفية الثرية مع الكلب المرقط الأبيض، فقد استعان الكاتب بهذا النوع من الحوارات للإضاءة على عالم بطله الداخلي، والكشف عما لا يستطيع مواجهته والبوح به، إذ تبدو المعادلات كلها مقلوبة في النتيجة، وكأن عالمه وصل إلى نهايته، وانغلق عليها.

المزيد من ثقافة